شذرات من وحي الذاكرة عن ولعي بالكتابة في الزمن الورقي

أحمد رباص – موطني نيوز

سوف أتحدث اليوم عن تيمة لازمتني طيلة المدة التي استغرقها مقامي في هذه الربوع (ضواحي أكذز) من وطننا الحبيب؛ وأقصد بها الكتابة في جريدة “الاتحاد الاشتراكي”. لقد سبق لي أن ذكرتُ نتفا من هذا الموضوع في ما سلف من حكي، وهذا لا يمنع من التذكير هنا بفئة أخرى منها بشكل صريح.

ليس سرا إن بُحْتُ لكم بأن حلم الكتابة مرتبط عندي بالحب..سوف أكتفي بهذا التلميح دون ذكر التفاصيل التي تحتاج لوحدها لسياق خاص بها. ما يمكن لي إضافته هو أن هاجس الكتابة نابع من رغبية دفينة بين أضلعي في جعلها (الكتابة) امتدادا لتجربة عنوانها “البحث عن الحب الضائع”؛ هذا لا يعني قطع الصلة بالواقع وما يمور به من حركات وتفاعلات وكأني ناسك أفنى عمره بداخل مغارة عابدا مذرفا الدموعَ الحرّى ندما على ارتكابه خطيئة الحب المستحيل.

قبل مجيئي إلى هنا، كنت متيقنا من أن لا فكاك بين الكتابة والقراءة..لكن عندما استقر بي المقام في هاذي البلاد العجيبة الساحرة، اصطدمت بعزوف زملائي، كلهم بدون استثناء، عن القراءة، أما الكتابة فقد كانت غير قابلة لأن تحتضنها تصوراتهم..مرة، فاتحت في الموضوع زميلا كان يجالسني في مفهى بأكدز. في البداية، أنصت إلى كلامي، غير أنه سرعان ما عارضني رافضا التجاوب معي في ما أقول مفضلا الحديث عن الحركة الانتقالية وما تجمع لنا من رصيد النقط الذي يسمح لنا بالانتقال من هنا، أملا في القرب من مساقط الرأس..

وأنا أحاول جمع شتات هذا الموضوع الموزع أصلا بين لحظات عشتُها في أماكن متفرقة، فرضتْ ذاتها علي تجربةٌ ناجحةٌ كنت فاعلَها الرئيس في بحر سنتي الرابعة عندما اشتغلتُ مدرسا في مدرسة آيت امْلكْتْ. في بداية هذه السنة، التحق بدائرة أكدز مفتشون جدد..مع توالي الأيام الأولى التي أعقبت الدخول المدرسي، تهيّأتْ لنا ظروف للتعرف على هؤلاء الوافدين من المفتشين بمهام تشمل مراقبتنا وتأطيرنا..ومن خلال حصوري للجلسات التي تجمع عددا قليلا من الزملاء، علمت أن السادة المفتشين عازمون على القيام بزيارات تفقدية فجائية للمدارس التي تشتمل عليها خرائطهم، وإذا وجدوا معلما أو معلمة بدون وزرة بيضاء فسوف يشيرون إلى ذلك في تقرير الزيارة تأكيدا منهم على فوائد ارتداء الوزرة البيضاء، منها كسب احترام المتعلمين في إطار جو تربوي سليم، ومنها توفير الراحة النفسية للمدرسين، ومنها أيضا حفظ جسم المعلم(ة) من الغبار المتطاير من الطباشير بفعل احتكاكه مع السبورة أثناء الكتابة.

في مساء ذلك اليوم البارد، عدت أدراجي إلى المدرسة الفرعية في مجمع آيت املكتْ وفي رأسي تسكن فكرة الرد، بشكل استباقي، على ما يريد المفتشون فرضه علينا دون نقاش..الفكرة اتخذت شكل مشروع يبحث له عن آليات وتقنيات ومعان من شأن توفرها التعجيل بإخراجه إلى حيز الوجود..كيف السبيل إلى دمج كل ذلك في مقال صحفي حسن الصياغة، محكمها وأهلا لأن ينشر في الجريدة؟ تحَرَّيْتُ الجواب بمجرد استوائي في الفراش بعد ما أنتهيتُ من تناول ما تيسر من الطعام..طقوس الكتابة عندي لا تكلف الكثير..عزلة في كنف الصمت وكأني أريد أن أستمع لنبضات قلبي وهمسات ضميري.. وحدها الشمعة تؤنسني بضوئها الباهت المترنح، وكأس شاي غير منعنع ألثم ثغره من حين لآخر بعد أخذ نفس طويل من سيجارة تحترق بين أنامل يدي اليسرى ..

ها أنذا أكتب الجملة الأولى ثم تََلتْها الثانية فالرابعة إلى أن تشكلّتْ أمامي فقرة أولى..شرعت في كتابة الفقرة الثانية فتحقق المراد، ثم توالت الفقرات..بعد استيفاء الموضوع حقه، أخذت أراجع ما كتبتُ فتبين لي بوضوح ما ينبغي حذفه وما يجب إضاافته، فقمتُ بالمتعين في هذا المقال واخترتُ له عنوانا مناسبا، ثم أعدت كتابتَه بشكل واضح على صفحات نظيفة بخط متواضع من الناحية الجمالية، إلا أنه أساسا مقروء بقدر كبير من اليسر والسهولة..في اليوم التالي، توجّهتُ إلى أكدز بعد أداء الواجب طبعا، لأقوم بالإجراءات اللازمة لإرسال المقال عن طريق البريد العادي إلى مقر الجريدة بالدار البيضاء.

ما هي إلا أيام قلائل حتى بلغ إلى علمي صدور المقال في الجريدة..كنت يومئذ متواجدا بأكدز وأُخْبِرْتُ بهذا المُسْتجدِّ من طرف كل الزملاء المقيمين هنا الذين صادفتهم. التزامي بالعمل في مدرسة بعيدة عن المدينة جعلني آخر من يعلم..هذه ليست هي المرة الأولى التي أُحْرَمُ فيها من العلم بصدور مقال لي بالجريدة، بل وقع لي ذلك مرارا وتكرارا بسبب حظي العاثر الذي طوح بي بعيدا عن المركز، بين الجبال والوديان..غالبا ما تبوء محاولاتي للحصول على نسخة بالفشل، حتى وإن قمت بزيارة لمقر الجريدة لذات الغرض.

لكن هذه المرة، ابتسم لي الحظ..أحد الزملاء وافق على أن يمدني بنسخته التي ما زال يحتفظ بها في بيته..انتظرتُ حتى حان موعد انصرافه، فأذِنَ لي بالذهاب معه إلى سكنه القريب من المقهى ..لم يستغرق مسيرنا سوى لحظات تخللتها دردشة وقفشات..دخل زميلي إلى المنزل وخرج بسرعة حاملا الجريدة التي استلمتها منه بشعور من الارتياح المشوب بالامتنان. ودّعْتُ صديقي وعدت إلى المقهى لأتصفح الجريدة بحثا عن مقالي..

فعلا، عثرْتُ عليه وقرأتُه مجددا، فلاحظت أنه تمت إزالة توقيعي باسمي الكامل ووضعوا مكانه وصفا عاما غير مخصوص: رجل تعليم..لاحظتُ كذلك أن فقرة بأكملها قد تم حذفها..كانت بحق فقرة ساخنة حركيا، إن لم أقل خطيرة سياسيا، لا لشيء سوى لأني شبهت المفتش الذي يطالب بالوزرة بصاحب ضيعة أقام مأدبة لآصدقائه في فضاء ضيعته، وفي أوج انتشائه وثمالته يبصر أحد مستخدميه بلباس أنيق، موات للمناسبة ومختلف عن تلك الأسمال التي يلبسها عادةْ في أيام العمل..من وحي رغبته الأرستقراطية الاستبدادية في الظهور أمام مدعوييه وضيوفه بأنه “باطرون” قوي ومُطاع، أمر المستخدم المغلوب على أمره بالغروب عن وجهه وألا يعود إلا بعد أن يرتدي الوزرة الزرقاء..

اترك تعليقاً