أحمد رباص

رتق الذاكرة: استعادة وقائع لم تقع في طي النسيان

أحمد رباص – موطني نيوز

أعتقد بادئ ذي بدء أن أشياء كثيرة مرّتْ بي أو مرَرْتُ بها أثناء السنة التي أمْضَيْتُها في مدرسة آيت املكت لم يكتب لها بعد التحرر من أسار الذاكرة. مثلا، لم أقل ولو كلمة واحدة عن التجربة التي قمتُ بها في مجال البستنة المدرسية للمرة الثانية على التوالي. هذا لا يعني أني كررت التجربة الأولى بحذافيرها.

لم أو جه أي أمر لتلاميذي بالحفر في مساحة مستطيلة من واجهة قسمنا وإزالة الطبقة الفوقية واستبدالها بطبقة أخرى يؤتى ترابها من الواحة الندية الطرية كما فعل تلاميذي في أيت حمو أوسعيد. كل ما هناك أنه تم تقليب أديم المساحة المراد الاشتغال عليها بمعاول صغيرة تناسب القوة العضلية للمتطوعين من أطفالي التلاميذ. بموازاة عملية النبش، تم التخلص من الأحجار التي كانت مدفونة في التراب، ولحسن الحظ لم نعثر في هذا المكان على صخرة استعصي علينا اقتلاعها.

انتصفتِ المرحلة الأولى من السنة الدراسية وأنا ما زلت ألوذ بالركن الأيمن من القسم..لم أجعل من الطاولات سريرا لأن عدد المتعلمين أولا يعادل عدد الطاولات،، ولأتفادى ثانيا تجشم عناء إعادة الوضع إلى ما كان عليه في كل صباح يوم دراسي، ثم ليبقى لي ثالثا متسع من فضاء الزاوية حتلى يمكن لي أن أتحرك داخله بدون عراقيل.

لهذا كله، طَوَيُتُ حصيرتي اللدائنية مرتين بحيث صارت تتسع فقط لفرد واحد في حالة تمدد.. وضعتُ الحصيرة في الركن المعلوم ثم بسطتُ فوقها غطاءين صوفيين عساهما يصدان عني البرد المنبعث من الأرض. أما الوسادة فمكانها الأفضل في هذه الحالة لن يكون غير الزاوية وقد رُتِّبَ فوقها ما تبقى لي من أغطية طوَيْتُها بقليل من العناية.

تمكنا في ظرف وجيز من تهيئة حقل تجاربنا وهاهي تربته صارت ناعمة وطيعة نتيجة ما بذل من جهد في حرثها وتنقيتها..قُسِّمَتِ المساحة إلى أحواض صغيرة. الحجارة التي اقتلعت لم ترم بعيدا عن ساحة المدرسة، بل استعملت كحاجز يحيط بجوانب الحديقة. لم يبق الآن سوى الشروع في العمل. جيء أول الأمر بحبات فول فزرعت في الأحواض وفق ترتيب خطي، أملا في أن تظهر نباتات الفول في حالة انبثاقها من أرضية الحوض مثل كلمات مسطرة على لوح محفوظ.

جبل كيسان الذي توجد المدرسة في خاصرته بعيدا شيئا ما عن المجمعات السكنية يبدو كعملاق أْبطَلَتْ حركتَه وخنقتْ أنفاسَه الصخورُ الجاثمةُ عليه..الأشجار منعدمة بالمرة في أعاليه، وفي سفوحه لا تنتصب واقفة سوى أشجار شائكة متناثرة هنا وهناك.. في تحد لهذه البيئة القاسية، غرسْتُ فسيلاتٍ من شجر الدفلى كنت قد جلبتها من ضفة النهر، وكلي أمل في أن تصير شجيرات مزذانة بورود جميلة تفوح منها رائحة طيبة وعطرة..لكن خاب أملي ويئستُث أخيرا من استنبات شجيرات الغار رغم ريها بانتظام بالماء الذي كنا ننهله من الساقية الواطئة.

نباتات الفول أينعت وأتت أكلها بعدما أزهرت وفاح أريجها..لكن قرب الأجل الذي سوف تْيبَسُ فيه نبّهني إلى أن البديل عنها يكمن في غرس شتائل من الآشجار المثمرة التي تكسو أغصانها أوراق يدوم اخضرارها وقتا أطول إذا قورنت بأوراق نبات الفول. وانطلاقا من محاولتنا عبثا غرس نبات الغار، أدركت أن القادم من مشاريعنا ذات الصلة بغرس الشجيرات في حديقتنا الصغيرة لن يخرج عن إطار التجريب ولن يتعداه.

ضمن هذا السياق، طلبت من التلاميذ الموزعين على ثلاثة مستويات (الرابع – الخامس – السادس) أن يجلبوا معهم شتائل من الواحة لغرسها في الحديقة مؤكدا على أن يتم ذلك بعلم ورضا آبائهم وأمهاتهم. في صباح الغد، جاء تلميذ واحد فقط بشجيرة غابت النضارة عن ملمحها..قيل لي لحطتئذ بإمكانها ان تستعيد حياتها إذا ما أُحْسِن غرسها وانتظم سقيها. وضعتها في الظل في انتظار غرسها حينما يحين وقت الاستراحة.

بعد يوم أو يومين، قال لي التلميذ الذي جلب الشتيلة إن أمه طالبته بلهجة صارمة بإرجاعها إلى مكانها. لما تبين لي أن الطفل جاد في ما يقول، رفضْتُ اقتلاع الشجيرة من مكانها ممنيا النفس بتراجع الأم عن التفكير في استردادها. لكنها حضرتْ ملفوفة في ثوبها الأسود وتقدمت بخطوات حاسمة وسريعة نحو الحديقة لتقتلع بفظاظة الشجيرة من مكانها وبقيت مسمرا قرب باب القسم بدون حراك وكأني أرنب مذعور أمام أسد فتح فاه ليبتلعه.

سيرا على نفس النهج، سأحاول التطرق لبعض الأحداث التي لم يشملها فعل التذكر، وإن شملها لم يقع تدوينها. مثلا، ما زال في ذمتي ذكر السبب الذي لأجله لم يتجاوز مقامي شهرين في الكوخ الطيني المبني في الجبل خلف مدرسة آيت املكت.

فخلال هذه المدة أضعت مفتاح الغرفة التي كنت أنام فيها مرتين، وفي كل واحدة منهما اقتلعتُ الباب الحديدي لأتمكن من الدخول. في المرة الأولى، مالك الكوخ أصلح الباب وأمدني بمفتاح جديد. لكن في المرة الثانية طلب مني إفراغ الغرفة من أمتعتي وحوائجي.
لو لم أكن كثير التنقلات لما أضعتُ المفتاح.. وأني لي الحفاظ عليه في جيبي من الضياع وأنا مجبر على خلع بنطلوني مرتين كلما سافرتُ إلى أكدز وعُدْتُ منه إلى البلدة ؟ في مثل هذه الظروف، عند بداية السنة الموالية وقد انتقلتُ للعمل بفرعية آيت عبد الله، أضعتُ قلما كنت قد استعرتُهُ من زميلي السطاتي الذي وقع معنا أول محضر دخول في مشواره العملي.

عندما أخبرته بضياع القلم أثناء عبوري للنهر وأنا عائد من ورزازات، طلب مني أن أعوضه له بقلم من نوع “باركر”. حسبتُ في الأول أنه يلاعبني ويمازحني..أمّلْتُ نفسي بأنه سيقول لي: الله يسامح، خاصة وأن قلمه الضائع مصنوع من البلاستيك وثمنه أقل بكثير من ثمن القلم الأخر الذي طالبني به لكونه مصنوعا من المعدن. لكن، فيما بعد، تبيّنَ لي أن المعلم مصر على رأيه وجاد في طلبه. من جهتي، رفضتُ أن أعوض له قلمه بقلم آخر من نوع باركر، وقلت له إن كان لا بد من تعويضه فلن يكون ذلك إلا بقلم بمثل قيمة وطبيعة قلمه الأول.

من كثرة شهرتي كمناضل وكاتب، كان معلم مراكشي عُيِّنَ في مؤسستنا ضمن آخر فوج من المعلمين الجدد يقول لي بحضور البعض من زملائنا: تستحقُّ أن يقام لشرفك نصب تذكاري في أكدز! رأيتُ في دعابته جانبا من الجدية ولو كنا نتداعى لسماعها ضاحكين. بالفعل، لمستُ فيها اعترافا بخطواتي، وإكانت متعثرة أحيانا، على درب النضال والالتزام. بسلوكه هذا برهن المراكشي على طيبوبته وصفاء طويته، بخلاف السطاتي صاحب القلم الذي منعه الحسد من إبداء أبسط مؤشر على الاعتراف. كان لا يتواني عن تبخيس مجهوداتي في هذا المجال حتى قبل أن يقع بيننا سوء تفاهم بسبب القلم الرخيص سعره.
بصراحة، كثيرا ما كنتُ أقع في موقف حرج حينما يناديني معلم لا أعرفه باسمي لأجل تحيتي ولا أستطيع مخاطبته باسمه أثناء رد السلام عليه ومصافحته. لكن، رغم ما يسببه لي ذلك من حرج، كنتُ أشعر بالارتياح لإغناء مفكرتي بصديق جديد معجب بكتاباتي ومتابع لفتوحاتي. بنفس الطريقة، ربطتني علاقة صداقة بمعلم متحدر من مدينة دكالية، البحر أمامها والنهر على يمينها. لقبه العائلي مطابق لاسم أكلة بدوية هي عبارة عن خليط من الكسكس واللبن.

ذات مرة، طلب مني الذهاب معه إلى المدرسة المركزية لم/م تمزموط. استجبتُ لطلبه المُلِحِّ.عندما دخلنا إلى المدرسة، قدمني بصفتي كمناضل مهووس بالكتابة لمعلمتين متقاربتين لنا من حيث السن. إحداهما رحبتْ بقدومي وعبّرتْ عن الشرف الذي حصل لها بمعرفتي، بينما الأخرى نصحتني متجهمة بأن أتوقف عن الكتابة في الجريدة والاهتمام بالجذاذات والمذكرة اليومية. تفاجأت لموقفها العجيب، وسرعان ما اهتديتُ إلى أنه نابع من كونها لا تريد أن أتميز عنها بشيء آخر مختلف يخرج عن نطاق التعليم. انصرفت عنها قبل أن أطرح عليها هذا السؤال: متى جئتُ إليك طالبا منك ملء مذكرتي وموافاتي بالجذاذات؟

في إقليم ورزازات وحده، كثيرون قرأوا كتاباتي في الجريدة وحفظوا اسمي عن ظهر قلب، غير أني لم ألتق بهم لعدة أسباب. مثال ذلك ما حدث لي يوم 30 يونيو 1993. كان توقيع محضر الخروج في صباح ذلك اليوم إيذانا لنا بانطلاق العطلة الصيفية. وخارج هذا الإجراء الروتيني، تناهى إلى علمي أنه تم اليوم الإفراج عن نتائج الحركة الانتقالية الوطنية. لهذا كان لا بد لي من الالتحلق بالنيابة لأرى ما إن اسْتُجيبَ لطلبي ام لا. عندما ولجْتُ فناء النيابة وجدتُ سوق رب العالمين. في لحظة وجيزة، عثرتُ على اسمي ضمن لوائح المستفيدين. فرحتُ كثيرا حتى وإن كنت أولي أهمية أكثر لإدماجي في السلم العاشر قياسا بتنقيلي إلى إقليم سطات.

العمارة الوحيدة التي كانت تضم مكاتب الموظفين مليئة بالهرج والمرج على غير عادتها..كنتُ بدوري عنصرا نشيطا في هذه الدينامية التي تشهدها النيابة. بعد التأكد من انتقالي، أردتُ الصعود إلى الطابق الأول لتوديع بعض الموظفين الذين تعرفتُ عليهم خلال كل المدة الزمنية التي أمضيتُها في إقليم ورزازات. وبينما أنا صاعد أدراجي نحو الأعلى، التقيتُ في منتصف السلم بمعلم شاب أنيق الملبس وهو يقول لمعلمتين فتاتتين ما زالتا آية في الجمال: السي أحمد رباص انتقل..سألتْهُ إحداهما: وشكون هو؟ أجابها: ذاك اللي كيكتبْ في الجريدة، مستعينا بيده اليمنى في وضع تمسك فيه بالقلم وتتحرك على إيقاع الكتابة.

اترك تعليقاً