الإسلام السياسي والليبرالية والتوافق في الشرق الأوسط من وجهة نظر الباحث البريطاني ه. أ. هيلير

أحمد رباص – موطني نيوز

في الآونة الأخيرة، أجرت جريدة “بروفانس” الناطقة بالإنجليزية حوارا مع الدكتور ه. أ. هيلير حول الإسلام السياسي والليبرالية والتوافق في الشرق الأوسط. فمن هو يا ترى هيلير؟ هو أستاذ باحث متخصص في العلاقات الدولية والدراسات الدينية في الغرب والعالم العربي. أنجز دراسات أمنية لفائدة المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن. في أعقاب تفجيرات لندن عام 2005، تم تعيينه نائباً لقائد فرقة عمل حكومة المملكة المتحدة في مجال التعامل مع التطرف، وعمل كأول عضو في مجلس البحوث الاقتصادية والاجتماعية لتتم ترقيته إلى وزارة الخارجية والكومنولث في المملكة المتحدة كعنصر منتم إلى مجموعات “الإسلام” و “محاربة الإرهاب”.

في السؤال الأول طلب منه أن يوضح كيف يصف اللحظة السياسية الحالية في الشرق الأوسط الآن. كما سئل عن بعض الاتجاهات العميقة التي تولد الصراع وعن بعض النقاط المضيئة المحتملة لإقامة نظام إقليمي أكثر استقرارًا. في معرض جوابه أشار هيلير إلى أنه يتحفظ على عبارة “الشرق الأوسط” ويوثر عليها عبارة “غرب آسيا وشمال إفريقيا” (WANA)، نظرا لشموليتها. أما بخصوص الشطر الثاني من السؤال فقد أكد على أن هناك العديد من لاتجاهات المختلفة التي تميز منطقة (وانا). وأكثر ما يزعج الإنسان هنا هو الرغبة في الاستبداد كطريقة لدرء عدم الاستقرار. غير أنه يعتقد، على العكس من ذلك، أن الحكم المستبد ليس الطريقة التي يمكن بها إرساء الاستقرار الدائم والشامل في هذه المنطقة وحمايتها.

واستطرد الأستاذ الباحث قائلا إن هذا الاستبداد كان معمولا به بشكل مؤقت في بلدان أخرى في الماضي – وهنا خلاف كبير – لكنه لا يعتقد أنه يمكن العمل به في هذه المنطقة في هذه اللحظة من التاريخ. السبب في ذلك – يقول – هوأن التركيبة السكانية للمنطقة تعارض بقوة نجاحه، إذ أن متوسط ​​العمر في بلد مثل مصر هو 24 سنة، وهو معدل مرشح للانخفاض. ضمن هذا السياق، اعترف الأستاذ الباحث بأن العديد من بلدان المنطقة يشعر بالضربة القاضية التي تأتي من وراثة هياكل الدولة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية التي تشبه القيود، التي تكاد تنفجر في اللحامات الضرورية لمواكبة التقدم.

كما أوضح أن القصد من التسلط هو مسك تلك القيود في قبضة واحدة. ثم أردف يقول: “تحتاج هذه الدول إلى إدراك أن هذه القيود لا يمكن الإمساك بها معا؛ هي أمام الاختيار بين التدهور البطيء أو التدهور السريع أو إنشاء تعاقد اجتماعي جديد. أنا أحث على هذا الأخير. سيختلف كل ذلك باختلاف البلدان، ولهذا السبب أحرص بشكل عام على تحليل خاص لكل بلد على حدة، بدلاً من محاولة تسوية جميع الاختلافات. لن نحلل أوروبا على هذا النحو، بعد كل شيء”.

في ختام جوابه عن السؤال الأول قال هيلين: “أكثر هذه الاتجاهات إيجابية هو أنه على الرغم من التحديات، أرى قدرًا هائلاً من الإبداع لدى الشباب الذين يشكلون الغالبية العظمى من سكان وانا. يجب أن يتم تمكينهم وإعطاؤهم وسائل للتعبير والنمو، وليس القمع والاضطهاد”.

لأجل طرح السؤال الثاني كان لابد من توطئة جاء فيها أن الأمريكيين الذين يريدون شرقا أوسط أكثر استقراراً ممزقون. من جهة، يريدون تعزيز القيم الليبرالية وحقوق الإنسان. من ناحية أخرى، فهم يعرفون أن الشرق الأوسط ليس هو الغرب، وأنه من خلال تعزيز القيم الغربية يمكنهم فعلاً أن يجعلوا الأمور أسوأ. يعتقد بعض العلماء وصانعي السياسات أنه يجب أن نكون أكثر احتراما للشرق الأوسط واحترام أي نوع من المجتمعات التي يختارون خلقها. بعد ذلك، طلب منه الإدلاء برأيه في هذه الحجة من خلال سؤاله عما إذا كان يجب على الغرب ممارسة “الإذعان الثقافي” تجاه أنظمة ومجتمعات الشرق الأوسط، أم ينبغي عليه الاستمرار في تعزيز القيم الديمقراطية الليبرالية في المنطقة.

جاء الجواب صريحا حيث أشار إلى أنه وجد في ذلك خيارا كاذبا تماما، ورأى فيه أداة بلاغية مفيدة لكتلة هامة من المتعاطين للسياسة في الولايات المتحدة وأماكن أخرى. وهكذا يلاحظ أن دعم “الإذعان الثقافي” يُستخدَم كطريقة لدعم الاستبداد والأوتوقراطية في الدول “الصديقة” التي يقوم الغرب بعد ذلك بالكثير من الأعمال المشتركة معها. ويضيف أن “الترويج للقيم الديمقراطية الليبرالية”، على العكس من ذلك، يستخدم لدعم نوع من الموقف الإمبريالي الجديد في القرن الواحد والعشرين، والذي عندما يتم أخذه إلى أقصى الحدود، يبرر مغامرات مثل حرب العراق عام 2003. تلك حرب كما يقول، كانت مدعومة من قبل عدد هائل من المفكرين في أميركا. وحتى يومنا هذا، لا يزال العديد من هؤلاء الرجال أنفسهم يتم تكريمهم باعتبارهم “خبراء”، بحسب المتحدث.

وبصفته بريطانيا، فهو حريص على أن تكون بلاده على دراية بماضيها الاستعماري، وآثار هذا الماضي، وعليها ألا تخفيه، أو تنقحه، بل عليها أن تعترف به في واضحة النهار، وعلى الأميركيين كذلك أن يكونوا متواضعين في هذا الصدد.

بعد ذلك، تطوع هيلير لتقديم حقيقة ما يجب على الولايات المتحدة بشكل خاص والغرب عموما إدراكه عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع منطقة وانا.

يقول هيلير: “أولا، الحمل الثقيل، على الأقل مقابل ما ينبغي على صناع السياسة أن يهتموا به نظرياً، قد تم رفعه بالفعل. عندما نبحث عن مجموعة مشتركة من القيم التي نحكم بها على بعضنا البعض، فلدينا بالفعل مجموعة واحدة. هناك عشرات من المعاهدات الدولية التي تتعلق بالحقوق الأساسية، والحقوق السياسية، وما إلى ذلك من المعاهدات التي سبق أن وقعت عليها هذه الدول. لذا، توجد بالفعل مجموعة من المبادئ التي يمكننا من خلالها العمل معاً بصدق وإنصاف. هذه المبادئ ليست تلك “الديمقراطية الليبرالية الغربية”؛ بل هي مبادئ مرسومة على أساس المعاهدات الدولية التي وقعناها جميعا. لذلك، عندما ننقد بعضنا البعض أو نحث بعضنا البعض على الالتزام بمعايير معينة ، يمكننا القيام بذلك لدعم المعايير الدولية التي يوجد عليها اتفاق واسع النطاق”.

إلى ذلك، يضيف المتكلم: “بيد أن النتيجة الطبيعية لهذه الحجة هي أن تفسير تلك المعايير الدولية لها ألوانها الثقافية الخاصة. أعتقد أنه يجب أن نكون مرتاحين لقبول ذلك. أوروبا لديها مملكات تتمتع بالديمقراطية في نفس الوقت، في حين أن لديها أيضا جمهوريات ليس لها كنيسة أو نظام ملكي. لدينا أعضاء من البرلمان في المملكة المتحدة الذين يرفضون زواج المثليين ومحافظين اجتماعياً ، بينما لدينا آخرين لديهم وجهة نظر مختلفة. إن نطاق الاختلافات في جميع أنحاء أوروبا كبير للغاية، لذا لماذا نجد صعوبة في الاعتراف بأن لدينا مجموعة مماثلة من الاختلافات للتعامل معها في منطقة وانا؟ في حين أنه قد يكون صعباً في بعض الأحيان – ولكن ، على العموم ، أعتقد أننا وجدنا أنه إذا حافظنا على الالتزام باحترام الثقافات الأخرى وفي نفس الوقت احترام الحقوق الأساسية التي وقعنا عليها جميعًا، سنكون بخير”.

“ومع ذلك، يقول الباحث، فلنستعد أيضا لمواجهة الاتهامات في الاتجاه الآخر، لأن الولايات المتحدة ليست في وضع مستقيم أخلاقيًا في هذا الصدد. دعمت وزارة الدفاع احتلال الفلسطينيين وحصارهم، في انتهاك واضح للقانون الدولي؛ فقد أقامت علاقات وثيقة، دون نقد كبير ، لبعض أبرز الأنظمة الأوتوقراطية في المنطقة. دعونا لا نتخيل أن الولايات المتحدة بشكل خاص ، والغرب عمومًا ، مثالية إلى حد ما – دعنا نتخيل ، بدلاً من ذلك ، أنه يجب أن نكون أكثر نزاهة وثباتًا حول انتقاداتنا. أنا لست مهتما بخطاب جديد ننتقد فيه الأنظمة الأكثر أهمية في المنطقة دون أن نتحلى بالشفافية حول الميثاق الذي كنا نوقعه غالبًا مع تلك الأنظمة في تلك المنطقة”.

أما السؤال الثالث فقد انصب على الأنظمة الاستبدادية وطلب عبره من ضيف الجريدة أن يكشف عن أفضل القواعد التي ينبغي على الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى أن تسعى إلى محاسبة الأنظمة الشرق أوسطية بناء عليها؟

في بداية جوابه، تساءل المتحدث عما إذا كنا نبحث عن تعزيز لسلام أمريكي ، أو عن إنشاء نظام عالمي مناسب قائم على احترام مبادئ القانون المشتركة. فإذا كانت الأداة الدولية الأكثر أهمية هي محكمة العدل الدولية، فإن أمريكا إلى جانب عدد قليل جداً من الدول الأخرى ترفضها. ومع ذلك، المعاهدات هي المعاهدات، وهناك العديد من المعاهدات التي توفر الأساس لنقد جيد ومتين للدول الاستبدادية. لكن علينا أن نكون متسقين في هذا الشأن. بدلاً من ذلك، فإن ما نكتشفه في كثير من الأحيان هو أن بعض الدكتاتوريين سيئون، إذا كانوا أعداءنا، وأن أصحاب السلطوية الآخرين جيدون، إذا كانوا أصدقائنا.

وصولا إلى السؤال الرابع، طلب من هيلير أن يحدد الكيفية التي يغذي الإسلام السياسي الاضطراب السياسي المستمر في المنطقة، وكذا الطريقة التي يجب على الغرب التعامل بها معها، كما سئل عما إذا كانت هناك ترتيبات سياسية إسلامية يجب أن يكون الغرب مستعدا لقبولها أم أن الإسلام السياسي يشكل بالتعريف تهديدا.

في إطار الجواب قال الأستاذ الباحث: “أولاً، يجب أن نكون أكثر تحديدا حول ما نعنيه بـ “الإسلام السياسي”، وتلك عبارة لا أحبها كثيرًا. “الإسلام السياسي”، ككلمة، ينطوي على تسييس ما نعتبره إسلامًا معياريًا. ومع ذلك، فإن معظم “الإسلامات” ليست بالضبط معيارية في المقام الأول. في حالة الإخوان المسلمين، فإن الأساس الفكري، تاريخياً، هو نوع من السلفية الحداثية (على سبيل عبده وآخرون)”.

إلى ذلك، أضاف: “في الوقت نفسه، نرى أيضا أن العديد من الدول في العالم العربي والمنطقة الأوسع تعتمد على فهم لاهوتي معياري للإسلام، غير أنها توظف ذلك الفهم في السياسات والمصالح ذات الصلة بالسلطة. أنظر تركيا أو الأردن أو الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال ، سياساتهم مختلفة جداً، لكنهم يعتمدون على تواريخ لاهوتية متشابهة جداً (وهو الإسلام السني السائد). أليس هذا نوعًا آخر من “الإسلام السياسي”؟”

وواصل المتحدث جوابه مشيرا إلى أن هاتين النقطتين – وهما مسألة كيف ندرك “الأصولية” المعيارية أو السائدة في حقيقتها، وكيف نضع مفهوما “للإسلام السياسي” يشمل الدول أو الحركات الأخرى – في حاجة إلى المعالجة.

وفيما يتعلق بكيفية “التعامل مع الغرب”، قال هيلير إن معظم البلدان في العالم العربي والمنطقة الأوسع لديها أغلبية من المسلمين السنة المحافظين اجتماعياً، حتى لو كان ذلك لا يعني (و لا يعني حقا) أنهم يدعمون بشكل واسع الإسلام الإسلاموي أو يطردون الإسلام السلفي. من المستبعد حقاً أن يتخلى أي جزء مستقل من العالم العربي عن الدين من حيث السياسة. لذا، فإن وجود نوع معين من الحلبة السياسية الملهمة دينياً أو المرتبطة بالدين أمر حتمي، ما لم يتم الحرص على تطبيق نوع من “الأتاتوركية”أو العمل على مشروع علماني على الطريقة الفرنسية، كما يقول هيلير

مرة أخرى، ذكر الباحث بأن النقطة الرئيسية هنا هي المعايير والمبادئ المشتركة. لقد وقعنا جميعا -كما قال – على الغالبية العظمى من هذه المعاهدات الدولية التي ترتكز عليها فكرة القانون الدولي. “دعونا نضمن أننا في تعاملنا مع بعضنا البعض – سواء كانت البلدان ذات الأغلبية المسلمة أو غير ذلك – نتمسك بذلك. لكن علينا أن ندعمهم بأنفسنا – ولا نتظاهر بأننا نفعل ذلك بالفعل”، على حد قوله

أما بالنسبة لمسألة التهديد، فقد اعترف هيلير بأن الكثير يخافون من أنواع محددة من الإسلاموية. والحقيقة كما بقول هي أن معظم الإسلاميين ليسوا من تنظيم القاعدة ولا هم في الغالب النسخة المسلمة من الديمقراطيين المسيحيين في ألمانيا. فهو يرى أن هناك نطاق واسعا، وأنه يجب الاعتراف بهذا التنوع. “القوميون العرب من النسخة الناصرية يؤمنون بتحطيم هياكل الدولة القومية – لن أتهمهم بأنهم “غير مصريين” أو “غير سوريين” بسبب هذا الالتزام النظري لنظام فوق وطني. وعلى الرغم من أنني قد لا أكون متعاطفاً ، لن أتهم الإسلاميين المختلفين الذين يؤمنون أيضاً بزمن آخر من القومية بأنه تهديد للدولة القومية الحديثة وكونهم “غير مصريين” أو “غير سوريين” عندما يتم التعبير عن نفس المشاعر من قبل اليساريين المتطرفين”، يجيب هيلير.

بدلاً من ذلك، فهو يعتقد أنه يجب أن نكون واضحين بشأن هذه الالتزامات المعاصرة للمعاهدات الدولية – لجميع أنواع الحركات في العالم العربي وما وراءه. سواء كانوا مؤيدين للإسلاميين أو معاديين للإسلاميين أو مؤيدين للاستبداد أو غير ذلك.

أخيرا، صيغ السؤال الخامس على هذا النحو: “إلى أي مدى يمكن أن تكون المشاركة المسيحية على وجه التحديد مع الشرق الأوسط أمراً جيداً أم سيئاً؟ ما الذي يمكن عمله في مجال العلاقات المسيحية الإسلامية التي يمكن أن تساعد في تخفيف التوترات السياسية بين الشرق الأوسط والغرب؟”

في معرض جوابه، أكد المتحدث على أن مشاعر التضامن الديني الوطنية طبيعية بما فيه الكفاية، وقال إنه ليس متأكداً من أننا يجب أن نجد أنه من غير المعتاد أن يشعر المسلمون في أوروبا بأنهم متفقون مع المسلمين في أفريقيا أو أن المسيحيين في أمريكا يشعرون بالتعايش مع المسيحيين في العالم العربي. لكنه يشعر بقلق عميق لأنه، حتى الآن، “المشاركة المسيحية على وجه التحديد” مع المنطقة كانت تقوم على إهانة قيمة وحياة الأغلبية غير المسيحية. لقد رأى شخصيات مسيحية غربية تتحدث عن أكثر المرافعات فضائحية عن الاستبداد في العالم العربي، على أساس عشائري للدفاع عن ما يعتبرونه “حقوقا مسيحية”.

اعتبر ذلك أمرا مرعبا، لأنه يبرر إعفاء المستبد أو الديكتاتور من المساءلة والمتابعة، بدعوى أنه يحمي المسيحيين. ثم استنتج أنه “إذا كانت هذه طبيعة المشاركة المسيحية مع المنطقة، فعليها الخروج على الفور”. يجب الدفاع عن الحقوق المسيحية في هذه المنطقة على أساس جميع الحريات والحقوق الأساسية التي يتم التمسك بها – للمسيحيين والمسلمين وللجميع، حسب قوله.

لا يمكنك تقسيم هذه المجموعات من هذا القبيل، من المستحيل أن يكون لدينا، في الواقع عمليا، وضعا يتم فيه حماية الأقليات المسيحية، بينما لا يتمتع الآخرون بذلك. إذا أردنا أن نكون صادقين، فيجب على جميع السكان أن يتمتعوا بالحريات الأساسية والحقوق الأساسية ، وهذا ما سيؤدي إلى ترتيب أمني شامل للجميع. إذا كان الزعماء الدينيون المسيحيون الغربيون حريصين على المشاركة، فتلك هي النقطة التي يمكن لهم النفاذ عبرها، ولا يوجد بديل غيرها، يختم المتحدث.

اترك تعليقاً