أحمد رباص

بمناسبة عيد الحب : اعترافات وبكائيات عاشق متهور

أحمد رباص – موطني نيوز

حبيبتي، هذه أول مرة أكتب لك في عنان السماء عن لوعتي التي أججت نارها في فؤادي نظراتك الي من عيون كحيلة آسرة وكلماتك الصادرة من بين شفتين قرمزيتين مشتهاتين..اشتقت الى ذكرياتك الهاربة مع سيول الزمن الماضي..لن أنسى ذاك اليوم الذي أردت فيه أن أشخص موقفا قمينا برجل بالغ، موقفا كنت قد صادفته أثناء لحظة قراءة واكتشاف ومؤداه أن المرأة تحب أن يكون حبيبها شجاعا ومقداما لا جبانا رعديدا..وهكذا أكثرت من عنترياتي بينما اختلينا على درب العودة مساء من الثانوية..لكن رجاحة عقلك منعتني من المغامرة الطائشة عندما هممت بمواجهة جماعة من الأشرار المسيئين للمارة بأقبح الكلام..

ما أشقاني! ما أتعسني! خربت عش أحلامي بيداي المعروقتين هاتين..طردت من مملكتي الظلماء حمامة وضاءة كانت تبغي نشر النور في أرجائها..أستحق على هذا الصنيع الأرعن ألف جلدة وجلدة..لقد جنيت على نفسي بكل ما في العبارة من تراجيديا ومازوشيية..ساعدت الحساد على رؤية حبل الود مع حبيبتي مقطوع الوصال في أسرع الآجال، فكانوا في شامتين..لا زلت أذكر حين تجمهروا على مسافة قصيرة تفصلهم عن المكان الذي اختليت فيه بحبيبتي لتبادل أطراف الحديث الذي لا يشبه أي حديث. وبينما أنا مأخوذ بسحر اللحظة، إذا بي ألمح عصابة الحساد في وضع اجتماع وكأنهم بصدد أن تلتقط لهم صورة جماعية، وكل أنظارهم متجهة صوبنا، يرددون جهرا كلمات تنم عن رغبة مرضية في التدخل في شؤون الغير..لكن حبيبتي لم تعرهم أدنى اهتمام..ويحي،جعلتها بتصرفاتي غير المحسوبة تفقد الثقة في حبنا وتندم على انتصارها الى جانبي في مواجهة الأعداء الكارهين لبدء انتعاش شتيلة علاقتنا الغرامية التي كنت رغم تهوري أحرص على أن أوفر لها ذبالا دافئا وغنيا بالعناصر الحيوية.

الحب الصادق يجعل صاحبه مثل النبي الذي تصدق رؤاه..كانت حبيبتي المشار اليها في السطور السابقة تريد أن تشعل نار غيرتي فتقول لي بأنها سوف تتزوج شخصا آخر غيري..مرة قالت لي نفس الشيء وأضافت اليه شيئا يجبر خاطري وهو انها سوف تنجب بنتا وتضعها رهن تربيتي على سبيل التبني..مع أني لمست في العرض الجديد اعترافا بحبها لي، الا أني رددت عليها قائلا بأنها ستتزوج غيري وسوف تقضي معه عاما ثم يفترقان دون ان تنجب لا بنتا ولا ولدا..فعلا، صدقت نبؤة العاشق المجذوب الذي كنته..حبيبتي لم ترزق ببنت أو ولد..

بأي كلمة أبدأ مناجاتي لقمر غاب عن سمائي؟ حتى الكلمات تآمرت علي بإيعاز من الحظ العاثر الذي أتصوره شيطانا أصر على إغوائي كي يسكنني دوما في جحيم الوحدة والعطش العاطفي..أحس بالكلمات تتمنع عن أن أمسك بها لأوظفها في متوالية تكسر رتابة القطيعة التي عمرت طويلا بيني وبين من صار قلبي لجمالها عبدا ذليلا..تبا لك أيتها الكلمات!! يمكن لي ان أستعيض عنك بالصور التي اجتاحت العالم كأنها تسونامي مسالم لا يخلف دمار العمران أو فناء الإنسان..لكني أجد الصور صامتة رغم ما قيل عنها من أنها تقول بطريقتها أشياء كثيرة..أيتها الكلمات، سوف أبدل ساعة بأخرى، نزولا عند رغبتك وطمعا في عودتك كالعصافير إلى أقفاصي التي أضعها لك فوق رأسي بحسب ما تشترطينه علي انطلاقا من رفضك أن تكوني حبيسة الجمجمة أو الصدر قريبا من القلب الذي يزعجك نبضه اللايتوقف، المرتعش بقوة عند رؤية فاتنتي وهي في أبهى حلة…

أيتها الكلمات،ها قد عدت اليك بعد مدة زمنية اتخذتيها فسحة للتخلص من ظلي الثقيل ومزاجي العليل، فهل أنا واجد لديك ضيافة وترحابا؟ بالله عليك، اسعفيني ولو للمرة الأخيرة. لو كانت عشيقتي حاضرة بجانبي بأريجها ونفسها لاستبدلتك بالحركات الجسدية تماما مثل ما يفعل الصم البكم، فأنا لم يصيرني بعد الحب الصعب جثة هامدة مسجاة على رصيف العالم المجنون.

ضاعت كل ملكاتي اللغوية أمام هول فقدانك…أصبت بافلاس قاموسي كبير لم أعد معه قادرا على تنضيد قطعة نثر أبث فيها لواعجي المتقدة شوقا الى لقياك…متى يحين أوان البرء من هذا المس الغرامي الذي سرى في عروقي سريان النار في الهشيم؟.. هل أصبح لقاؤك ميؤوسا منه الى حد الاستحالة؟ هل قدر لي أن أستمد من البون الممتد بيننا طاقة للنحيب لا تنضب؟ ليس هذا وقت مناسب للعويل والندم على ما فات..فات؟ كل شيء فات ومات الا حبك فقد لزم كل الأجندات..

لن أنسى ما حييت ذلك اليوم الذي كنا فيه عائدين من الثانوية، جنبا الى جنب نتبادل همسات ونظرات الى أن صادفنا أو رمقنا واحد من أبناء جيرتي. في المساء، عندما اجتمعت مع الأقران في “رأس الدرب” أخبر الذي شاهدنا نمشي سويا رفاقه الآخرين بالواقعة مضيفا عليها توصيفات تشي بالاعجاب والغبطة. هذا يدل على أن حضورك بجانبي أضفى قيمة لا تضاهى على مراهق لم يشتد عوده بعد..معنوياتي الآن في أسفل سافلين، فهل أنت مستعدة لرفعها الى أعلى عليين؟ تقولين : كيف ذلك؟ الأمر في غاية السهولة والبساطة..عودي كما كنت وسوف أعيد تركيب كياني كله على مقاسك..لن أشق قضيب طاعتك ولو تكالب علي من أجل ذلك كل العرب والعجم..

خلال كل هذه المدة الطويلة التي عشتها بعيدا عنك، ظللت مستحضرا لك في أحلام يقطتي وغفوتي..كيانك الناعم الشفاف استحوذ على فكري ووجداني وحاصرني في حلي وترحالي..كم أدرفت من الدموع في خلوتي وعشرتي حزنا على غيابك عن ناظري وخروجك من حياتي..

ذات يوم، وبينما انا جالس في المقهى مساء كالمعتاد، فاذا بك تمرين بالقرب من الرصيف المقابل بخطواتك الرشيقة وهندامك الجميل..ما أن رأيتك تمشين الهوينى أمامي حتى اضطرمت النار الخابية في أحشائي، فنهضت من مقعدي كالملسوع، وتعقبت خطواتك ظانا أنك مررت من هنا على حسابي بعدما تيقنت من جلوسي الاعتيادي في هذه المقهى في وقت معلوم..كنت أود أن أحدثك عن فشلي في نسيانك وعجزي عن محو اسمك من سجل ذاكرتي، لكني لم أتفوق في معرفة الجهة التي عرجت عليها ولا المكان الذي دلفت اليه..عدت الى مكاني والحسرة تعصر قلبي الذي تلقى مجددا سهما اضافيا من سهامك التي عوض قتلي فهي تحييني بوصفي عاشقا متيما بحبك الكبير…

في نهاية هذه الرسالة، ارتئيت أن أهديك قصيدة أخترتها لك من “مدونة الابداع الأدبي” الفيسبوكية وهي من نظم الشاعرة الواعدة نجية ارهوني لزعر:
قمري
غَطَّيْتُكَ
بِغَيْمَةِ حُبِّي
سَقَيْتُكَ بِغَيْتِهَا
نَثَرْتُ عَلَى حَنَايَاكَ
عِطْرِي وَ الحَنِين
رَوَيْتُكَ
عِشْقاً وَ غَرَاماً
طَوَّقْتُكَ
بِلَهِيبِ الشَّوْقِ
أَضَأْتُ لَكَ
دُرُوبَ السِّنِين
عَزَفْتُ لَكَ
عَلَى أَوْتَارِقَلْبِي
أُنْشُودَةَ الغَرَام
وَهَمَسْتُ لَكَ
بِسِرِّهِ الدَّفِين
تَخَطَّيْتُ بِحُبِّكَ
كُلَّ الصِّعَابِ
جَعَلْتُكَ إِكْليلا
نَدِيّاً عَلَى الجَبِين
وَشَمْتُكَ
عَلَى خَافِقِي
إِحْسَاساً وَ نَبْضا
وَكَانَتْ أَنْفَاسُكَ
ﻷَِنْفَاسِي
عِطْراً وَسِحْرا
وَ اسْمُكَ
عَلَى لِسَانِي
شِعْراً وَنَثْرا

اترك تعليقاً