حضور النزعة المركزية الأوربية كإيديولوجيا في العلوم الاجتماعية والإنسانية

أحمد رباص – موطني نيوز

أي شيء أكثر موضوعية ظاهريا من خارطة نصفي الكرة للأرضية؟ إنها تقدم العالم
فيما يبدو كما هو.. هذا مجرد وهم.. إنها تقدمه كما يراه العالم الجغرافي؛ دلك أننا
حين نرسم كرة على سطح نحدد لهذا الرسم حرفه وجهتيه العليا والسفلى ومركزه. هكذا نجد في الخرائط أستراليا في الأسفل على اليمين، في اليسار أمريكا، وأفريقيا تحت أوربا التي توجد في الوسط.

هل هي رؤية محايدة؟ بالطبع، لا. فها هو العالم الجغرافي كريستان كرتلو، أحد
المشاركين في الندوة التي نظمتها جامعة باريس دنيس ديدرو بمناسبة عيد ميلادها الثلاثين،
يقول: “رتبت أوربا، التي هي أصل العالمية، وجه الأرض حول ذاتها”. جمعت أعمال هذه الندوة في كتاب غني ومثير بشكل خاص بعنوان .”Trans-etre les passés” :في هذا الكتاب أسئلة عن شروط إنتاج المفاهيم المتداولة بكثرة في العلوم وعن دلالتها وصلاحيتها، وفيه بيان لكون العلوم ساهمت دائما في تشكيل رؤية للعالم مشبعة بالإيديولوجيا على حساب حرصها على توافر الدقة والموضوعية في نظرتها إلى الأشياء.

حينما يلتجئ بعض المسؤولين السياسيين، بطريقة لا تخلو من نفاق، إلى المؤرخين، قصد تسليط الضوء على القضايا التي تقض مضجعهم (مثل: أعمال التعذيب والاغتصاب وانتهاكات أخرى اقترفها الجيش الفرنسي في الجزائر) يكون من الضروري التذكير بأن العلوم الإنسانية ليست علوما محايدة. إنها تحمل في أحشائها أحكاما مسبقة وأخرى سابقة لتجربة تشكل ثقافة المجتمع، إلى جانب معارف هذه العلوم وطرائقها ومفاهيمها ولغتها.

في هذا السياق كتب المؤرخ كلود ليوزو: “ينبغي حقا البحث عن أصل الأزمات العرقية في قلب ثقافتنا العلمية. لقد بررت علوم الحكومة والجغرافيا والتاريخ والإثنولوجيا والسوسيولوجيا الغزو والعبودية وأمدت أوربا بإمكانيات التوسع بحيث أن الاكتشافات ووضع الخرائط والوصف والتصنيف وإرغام المجهول عن التراجع، كل ذلك لم يكن سوى لأجل تحقيق هدف الهيمنة .”هكذا نجد ليفي برول، مثلا، قد صاغ مفهوم العقلية البدائية المتسمة باللامنطقية. أما الآن فقد تغيرت المفردات بدون شك، ولم تعد تتحدث عن متوحشين وبدائيين، بل أصبحنا نتحدث عن عن دول في طريق النمو وأخرى نامية.

إذن، فقد تقدمنا إلى الأمام. هل تم ذلك على المستوى التقني والصناعي؟ رسميا، لا
يراد قول شيء مختلف. لكن ضمنيا وبلا وعي، لماذا الاستنكاف عن قول الحقيقة؟
من المحتمل أنه إذا تحدثنا عن دول مستغلة (بفتح الغين) فسوف ندركهم وسوف
يدركون أنفسهم بطريقة مختلفة .بعض هذه المفاهيم المصوغة في علوم السلطة
ذات استعمال شائع بشكل واضح جدا. مثلا، مفهوم”Les Français de louche” ،
المستعمل من قبل المعهد الوطني (الفرنسي) للدراسات الديموغرافية.

يعكس هذا المفهوم تمييزا عرقيا بدون قصد مبيت بكل تأكيد. فهو يقول إن الفرنسيين
الوافدين ليسوا “أقحاحا” مثل الآخرين. فإذا رسخت فكرة ساكنة قاعدية استقرت
بالسداسي (إشارة إلى خارطة فرنسا السداسية الأضلاع) منذ أزمنة بعيدة جدا، فقد
كان السداسي، وهو منتوج تاريخي، مكانا شهد اجتياحات والتحامات واختلاطات
أكثر من أي دولة أخرى (سويسرا مثلا). وحتى العقول الأكثر انفتاحا تقبل، أثناء
الممارسة العلمية، أن تلوث بالثقافة المحيطة.

كذلك هو الشأن بالنسبة لبول ريفي الذي جعلته المؤرخة كارول رينو باليكو موضوع مساهمتها الهامة. بوصفه مؤسسا لعلم جديد، الإثنولوجيا، في سنوات العشرينيات من القرن الماضي، أكد بوضوح على عدم وجود أي عرق خالص، لكنه في نفس الوقت أجهد نفسه في سبيل تحديد النوع العرقي اليهودي. وبينما وضع بعض زملائه مفهوم العرق ذاته موضع شك
وتساؤل، نجده بقي متشبثا بكونه مفهوما مقبولا من الناحية العلمية. فهو يعتقد بأن
بين شعب وآخر “اختلافات” في الأعراق تقوم ضمنها الثقافة بدور أكثر أهمية حقا
من الثقافة، بيد أنها اختلافات على أية حال. إذن، ليس غريبا أن يود محوها.

بين شعب وآخر “اختلافات” في الأعراق تقوم ضمنها الثقافة بدور أكثر أهمية حقا
من الثقافة، بيد أنها اختلافات على أية حال. إذن، ليس غريبا أن يود محوها
كمناضل يساري حسن الطوية ويقتنع بأن لفرنسا مهمة حضارية حيال الشعوب
المتأخرة. لكن في سنة 1956، ساند سياسة كي مولي واعترض على حق الجزائر
في نيل استقلالها .

أما الكتاب الثاني الذي يميط اللثام عن التناقضات التي سقط فيها من كان في القرن الثامن عشر والذي يليه يناضل من أجل تحرر الأفارقة، فهو بعنوان: “إلغاء العبودية” ومن تأليف الباحثة فرانسواز فرجيس التي قالت إن نزعتهم (المناضلون) الإنسية لم تمنعهم أبدا من أن يوافقوا على الحملات الاستعمارية. بعد تحريرهم، يتعين على العبيد سابقا أن يكونوا “متربين”
و”متحضرين”، أما مهمة مساعدتهم على “الانبعاث” فتبقى موكولة للقوى الأوربية.

لقد ساند هؤلاء الاستعمار، أغمضوا أعينهم على المذابح وأمدوا الغزاة بتبرير
أخلاقي، نخص منهم بالذكر فيكتور هيغو الذي قال سنة 1841: “إن عدو الجزائر
يمثل اكتساح الحضارة للتوحش وأن الفرنسيين هم إغريق العالم الذي يعود إليهم
أمر تنويره .”لا يتعلق الأمر برشق أي كان بالحجارة، بل ب”إجراء تحول نقدي ليس
فقط لأجل فهم الماضي بشكل أفضل ولكن أيضا لأجل الكشف عن عما تبقى في
الحاضر من خطاطات ومفاهيم ومواقف لا زالت مطبوعة بالنزعة المركزية الأوربية
وسائر مكوناتها كالعنصرية والأبوية والإنسانوية التي لم تفتأ تفسد الثقافة
الأوربية”، على حد تعبير الباحثة الكاتبة نفسها.

اترك تعليقاً