الرئيسية / Uncategorized / رسالة المأدبة الملكية لرئيس الحكومة المغربية

رسالة المأدبة الملكية لرئيس الحكومة المغربية

د. محمد ناجي

د. محمد ناجي

د. محمد ناجي – موطني نيوز

مقدمة: خاض المغرب مؤخرا انتخابات للمجالس الجهوية والمحلية أسفرت عن نتائج قيل عنها الكثير.. وانتظر الناس موقف أعلى سلطة منها؛ فكانت لغة الإشارة المغنية عن لغة العبارة.. وهي إشارات قرئت قراءات متعددة ؛ هذه إحداها:

………………………….

في عز الغضب الشعبي ضد الفساد والفاسدين؛ أيام انبعاث الشعوب العربية في أربِعة غضبها؛ لم يكن بوسع أي زعيم سياسي في المغرب أن يمتص هذا الغضب ويحوله إلى معايشة للشعب مع الفاسدين سوى رجل واحد، كان اسمه قيد حياته قبل يوم الأحد 20 شتبنر المنصرم: عبد الإله بنكيران؛ الذي عُرف عنه أنه كان يظهر نفسه ذا مرجعية إسلامية. وكان قبل أيام من انتخابات 2011 يخاطب الناس بفصاحة نادرة، وصوت جهوري مرتفع ينادي بالتغيير، وبمحاربة الفساد، وبتوقيف مهرجان موازين، وبتغيير طقوس ومظاهر حفل الولاء، وبإصلاح القضاء… وبأشياء أخرى كبيرة وعريضة جعلت الشعب يصطف وراءه ويمنحه المرتبة الأولى في انتخابات 2011.

ولكن المخزن كان يدرك خصلةً في عبد الإله لم يكن يعرفها أحد فيه ؛ لا من أتباعه ولا من الذين صوتوا عليه، ولا حتى من أعضاء حزبه المقربين إليه: كان المخزن يعرف أنه “رجل بليد”.

والبلادة تظهر من سهولة استدراج الشخص لأي شيء تريد أن تستدرجه إليه؛ وهي الصفة التي لم يكتشفها فيه بعض مناوئيه السياسيين إلا مؤخرا، فأخذوا يستدرجونه لمهاترات وملاسنات تسيء إليه في صفته ومهمته كرئيس حكومة، وتضر به في شخصه ووقاره الذي من المفروض أن يتسم بالرزانة والحشمة ويترفع عن قول السوء وينزه نفسه عن السفاهة، فأوقعوه عدة مرات في هذه الكمائن؛ والرجل يقهقه كالبهلوان، حتى أصبح الكثير من الناس يطلقون عليه هذا اللقب..

لقد كان بوسع الملك أن يعين رئيسا للحكومة المتولدة عن انتخابات 2011 شخصا آخر من نفس الحزب بدل عبد الإله بنكيران، ولن يكون في ذلك مخالفا للدستور المغربي الذي ينص الفصل 47 منه على أنْ:

«يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. »

ولكن نباهة المخزن عرفت أن الشخص المؤهل أكثر من غيره لتنفيذ مخططه وامتصاص غضب الشعب، والشخص الذي يستطيع أن يتلون باللون الذي يختاره له دون مناقشة ولا تحريك شفة؛ هو ذلك الرجل المتملق الذي كان قد كتب في يوم من الأيام رسالة إلى إدريس البصري ــ وزير الداخلية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني ــ يتمرغ فيها على أعتابه، ويشيد بفضائله، ويجعل نفسه رهن إشارته، مستكينا له، طامعا في نوال رضاه، وواعدا بأنه إن ارتضاه ليجعله من خدامه فسيجده من الطائعين الخانعين..

هذه الطينة من الرجال الراغبين في السلطة بأي ثمن هي التي تكون بطبيعتها مؤهلة للمهام المذمومة الممقوتة ؛ وكانت أخطر مهمة وأجل خدمة يرغب فيها المخزن آنذاك هي إلهاء الشعب وإسكاته وتحويله عن مطالبه بالإصلاح والتغيير، ومحاربة الفساد ومتابعة الفاسدين، ورد الأموال المسروقة والمنهوبة لمواضعها، وإصلاح القضاء..

إنها مهمة عويصة ثقيلة؛ ولا أبا حسن لها.. إلا أبا حسن واحد في المغرب؛ هو عبد الإله بنكيران؛ فهو وحده القادر عن إبعاد الناس عن هذه المطالب، ومنح الفرصة للفاسدين لتبييض أموالهم ومحو آثار الجريمة، وتمكين العدالة من غض الطرف عنهم، وحمايتهم من أي متابعة أو مطالبة برد المسروق.

فكان تسلمه لرئاسة الحكومة مرتبطا (أو ربما مشروطا) بالقيام بمهمة حذف هذه المطالب المشروعة من العرائض والشعارات المطلبية الشعبية التي يرفعها المواطنون في كل تظاهرة أو احتجاج أو مناسبة نضالية، كيوم فاتح ماي الذي هجَّـنه عبد الإله بنكيران ومَـيَّـعه، عندما نزل مع العمال الكادحين إلى الشارع يتقدمهم في مظاهرتهم، ويردد معهم شعاراتهم ؛ دون أن يعرف المغاربة ما هي المطالب التي كان يطالب بها بنكيران ويرفعها في شعاراته ولافتاته ضد نفسه وضد حكومته..

فلما تولى بنكيران رئاسة الحكومة بالكيفية التي ذكرنا، وبالشروط المكنونة التي سُـرّبت إليه ووافق عليها بكل طواعية وصغار ؛ أخذ يفكر ويدبر في كيفية إنجاز هذه المهمة المستحيلة.. فتفتقت عبقريته عن ابتكار أسلوب مفزع مرعب، يجعل المواطنين يجفلون ويرتعدون؛ فأطلق حملته الكاسحة المعبرة عن استحالة مقاومة الفساد والفاسدين لأنهم زمرة من التماسيح والعفاريت. وأنى له بمقاومة التماسيح والعفاريت؟؛ فهو ليس نبي الله سليمان ليتحكم في العفاريت ويروض التماسيح التي هي أشد الحبوانات فتكا واختفاء؛ وكل من حاول الاقتراب منها فإنها تبتلعه، أو حاول الاقتراب من عفريت فإنه سيطـوِّح به إلى الثلث الخالي من الدنيا..

وبإطلاق هذه الفزاعة اعتقد بنكيران أنه ضمن سكوت الشعب على الفساد ومحاسبته، لكنه تفاجأ بأنها لم تجلب له إلا السخرية والاستهزاء، حيث رد عليه الشعب: “إذا كنت عاجزا، فانسحب واترك القادرين على مواجهة أولئك التماسيح والعفاريت.. فالشعب قادر على مناوراتهم وهزمهم وتقديمهم للعدالة..”

فلما تبقن صاحبنا صواب الرد وقوته؛ وتمسك الشعب بمشروعية مطلبه في استرداد ثرواته المنهوبة؛ تحول إلى أسلوب آخر باستعمال صيغة يَـطرب لها العامة السذج من أصحاب النوايا الحسنة والعقم الفكري؛ الذين لا يفقهون من أمور الدين إلا الحوقلة والتكبير وترديد “آمين”. فخرج على الناس بآية كريمة سلخها من معناها ومقصدها الديني المتعلق بأحد مناسك الحج، ليستعملها في غير ما أمر الله به، وذلك بإطلاق شعاره الذي حرم فيه الحلال وأحل فيه الحرام: ((عفا الله عما سلف))، رغم أنها آية لم تنزل في حق المجرمين والسارقين الذين بلغتهم الدعوة، بل كانت موجهة لمن كانوا بقتلون الصيد في الحج وهم حُـرُم قبل تحريم ذلك الفعل الشنيع [1]، فلما نزل التحريم، أصبح إنزال العقوبة بالمجرمين والفاسدين شريعة واجبة من شرائع الله، لأن الإنسان يصبح مسؤولا عن أفعاله بعد تبليغه بالرسالة ؛ حلالها وحرامها، فيثاب أو يعاقب على ما قدمت يداه، ولا يحق لمسلم أن يعترض على تطبيق شريعة الله. ولكن بنكيران استقى آية من كلام الله ليستعملها ضد شرع الله، وإبطالا لشريعته البيضاء، ابتغاءَ عـرَض الدنيا وزينتها، زاهدا في نصيبه مما عند الله: ((أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها، وباطل ما كانوا يعملون))

لقد تطوع رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران ليعطي للفاسدين أمانا وضمانة حـرَّمَـهما الله عليهم، وليطلق سبيلهم ليتمتعوا بما نهبوه وما سرقوه وهم آمنون مطمئنون.. والشعب الكادح يغرق في الديون الخارجية إلى أم رأسه..

الآن وقد فاز من فاز بما فاز به، واستفاد من استفاد بما سرقه ونهبه، وقد طويت الملفات، ومُـحِـيـتْ آثار الجريمة أو كادت، وطُـمِـسَـت معالمها برعاية رئيس الحكومة، وتحت أنظار وزيره في العدل، وبمساهمة أطراف أخرى كان لها نصيب في إقبار كل الجرائم والاختلاسات التي عرفتها السنوات السابقة لمجيء بنكيران إلى رئاسة الحكومة..

… بهذا تكون مهمة بنكيران قد انتهت.

وبانتهاء مهمته فقد أصبح عالة على المخزن، وأصبح عليه أن يفهم هذا بالإشارة دون حاجة إلى “دبوس” يوخز به في وركه. لكن بنكيران أبان مرة أخرى عن فهمه الثقيل عندما توهم أنه استطاع أن يخدع الشعب، وربما يكون قد اعتقد أنه بذلك قد مـكَّـنَ لنفسه في أعلى جهاز للسلطة، ناسيا أن الدولة لا تأتمن على نفسها ومصالحها رجلا خان عهده ولم يف بوعده، واسترخص عقيدته ومبادئه.. فهذا رجل لا يوثق به، وأحسن ما يُـعامَـلُ به أن يُـهَـمَّـشَ ويـتـرَك ليستقبل الرسائل الواضحة بأن مكانه لم يعد حيث هو، ولن يكون حيث يعتقد مستقبلا.. فإما أن يغادر من تلقاء نفسه، أو يُــجَـر من ناصيته وقدميه ؛ فقد أصبحت له سمة يُـعرف بها:

((يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام؛ فبأي آلاء ربكما تكذبان. هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن؛ فبأي آلاء ربكما تكذبان.))

تلك هي الرسالة التي يجب على رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران أن يستوعبها من تهميشه للحضور في مأدبة الغذاء التي أقامها جلالة الملك محمد السادس يوم الأحد 20 شتنبر بمدينة طنجة على شرف رئيس الجمهورية الفرنسية فرانسوا هولاند، والتي حضرها الوزير الأول الأسبق عبد الرحمن اليوسفي، وكأنه يمثل الحكومة المغربية المقبلة، في غياب أي تمثيلية للحكومة الحالية في تلك المأدبة ولو بوزير واحد.

وكانت قد سبقتها إشارة أخرى من تطوان حين أدى أحدُ أشرس المنافسين لبنكيران، وأحدُ ألـدِّ خصومه السياسيين، وهو إلياس العماري، صلاة الجمعة (18 شتنبر) بجانب جلالة الملك، وكأن الملك يبارك له فوزه برئاسة جهة طنجة تطوان الحسيمة، التي لا يوجد في مجلسها الجهوي أي عضو من حزب العدالة والتنمية..

هكذا تعطى الدروس عندنا، وهكذا تسير الأمور، بالإشارات فقط؛ ومنها نفهم ونستوعب، فنتصرف بما تمليه الظروف والحاجة بلا ضجيج ولا نقع مثار، مع ضرورة الحرص بعد انتهاء المهمة عن تضمين الرد على رسالة الوداع بالعبارة المهذبة المألوفة: “… وإنني أضع نفسي رهن إشارة ملكي ووطني، متى ما دُعِيت لأداء أي واجب يُـطلب مني فسأكون ملبيا مطيعا”.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدكتور عبد الوهاب الأزدي

سلسلة وقفات مع خطبة الجمعة للدكتور عبد الوهاب الأزدي “بعض الآداب المرتبطة بالزواج”

الدكتور عبد الوهاب الأزدي ـ موطني نيوز elazadi_abdelouahab@yahoo. Fr استأثر موضوع الزواج خلال هذا الصيف ...

This site is protected by wp-copyrightpro.com