أحمد رباص

شذرات من الذاكرة..إلا دحاك اللئيم عند الكريم تبات

أحمد رباص – موطني نيوز

عندما حللت بمدرسة آيت ملكت توطدت علاقتي بعائلة تسكن في دار كبيرة بمجمع آيت إسحاق المجاور لدوار آيت خلفون..هم أربعة إخوة متزوجون وآباء لأطفال..إثنان منهم هاجرا منذ سنوات إلى الديار الفرنسية تاركين المرأة والأولاد في البلدة..قيل لي بأنهما يديران هناك ورشة صباغة المباني..أما الآخران فقد لزما البلدة للسهر على شؤون العائلة..أحدهما، وهو الأصغر سنا، كان يمارس تجارة “تبقالت” بحانوت بني بالطين أمام الدار الكبيرة، يفصله عنها درب طويل يمتد من ضفة النهر شمالا ويؤدي إلى قلب مجمع آيت خلفون حيث توجد قاعات المدرسة المركزية المبنية بصفائح رقيقة من الإسمنت المسلح والمسيجة بسور طيني في غاية الهشاشة. أما أخوه الأكبر، فقد كان مكلفا بمراقبة ومقابلة كل ما يتعلق بالأنشطة الزراعية التي تمارس في الفدادين الواحية وفي أراض تقع بعيدا فيما وراء جبل كيسان. كانت علاقتي بهذا الأخ متميزة ومبنية على الاحترام المتبادل..كان متواضعا وبشوشا بحيث أنه لم يكن يجد أدنى حرج في ملاعبة طفل صغير يصادفة على قارعة الطريق..

في الحقيقة، يرجع الفضل في توطيد علاقتي بهذه العائلة الممتدة إلى صديقي الحارس المتعاطف مع الحزب الاشتراكي الذي كنت أنتمي إليه..عند حلولي أول الأمر بمدرسة آيت املكت في بداية عامي الدراسي الثالث، توافق أهل الحل والعقد في هذه العائلة على منع طفلتين متفاوتتين في السن من الذهاب إلى المدرسة تصديقا منهم لما قاله عني الوشاة المغرضون الذين تفننوا في تقديمي لهم في صورة ذئب بشري على درجة كبيرة من الخطورة..استطاع الحارس أن يحبط هذه المؤامرة التي خطط لها أصحابها في غفلة مني حتى يحفروا خندقا عميقا يفصلني تماما عن أفراد تلكم العائلة بكبيرها وصغيرها..عرفت أن مساعي الحارس الحميدة تكللت بالنجاح عندما التحقت البنتان بالمدرسة.

.مع توالي الأيام، صرت موضع ثقة لدى كل الأباء والأمهات وتبددت الشكوك التي زرعت كالأشواك في طريقي..لكن بقي هناك مشكل جعل حياتي في هذه الحقبة على غير ما يرام..تمثل هذا المشكل في صعوبة صادفتها أثناء بحثي عن سكن ألجأ إليه بعد استكمال حصصي الدراسية اليومية..حالتي الاجتماعية كعازب مفرد حالت دون تمتعي بسكن في مجمعي آيت املكت وآيت إسحاق..كان في المدرسة ثلاثة معلمين أنا رابعهم..أقدمنا القادم من الدار البيضاء استأثر بدار المعلمين لوحده مع أنه عازب مثلنا جميعا ورغم أنها تتسع لنا كلنا لتوفرها على قاعتين ومطبخ..لهذا لم يكن لي مناص من الاحتماء بأحدى زوايا القسم متخذا إياها مضجعا مؤقتا في انتظار البديل..

كان بحوزة العائلة الممتدة سيارة صغيرة من نوع “أوبيل” وشاحنة من نوع “بيدفورد” بالإضافة إلى جرار من حجم كبير..السيارة كانت مخصصة لتنقلات أفراد العائلة بينما تستعمل الشاحنة لنقل مواد البناء من المستودعات إلى من يطلبها، فضلا عن استخدامها (الشاحنة) لأغراض أخرى تعد ضمن شؤون مالكيها..لا أحد من الأخوين يملك رخصة سياقة تؤهله لقيادة السيارة والشاحنة..كان بإمكانهما سياقة الجرار، لهذا كان عليهما استأجار سائق شاب يتحدر من قلعة مكونة.. تمتد الدار الكبيرة على مساحة شاسعة يحيط بها سور عال..خلفها لا توجد سوى الواحة التي تبدو مثل متاهة نظرا لحرص كل ذي فدان على تسييجه بالطين الذي يلين كلما مسه الماء المنساب دوما عبر شبكة من المجاري وفق نظام عرفي متوارث جيلا عن جيل..

في الجانب الأيسر من هذه المساحة انتصب منزل طيني كبير من طابقين وقد كان خاصا بأفراد العائلة، أما الضيوف فقد خصص لا ستقبالهم وإيواهم غرفتان واسعتان متلاصقتان بنيتا وفق الطراز العصري بمواد صلبة من رمل وإسمنت وحجر وآجر وحديد..الغرفة المقابل بابها لجهة الشرق تم تأثيثها بسرر خشبية أنيقة تعلوها مرتبات ناعمة مغطاة بثوب مزخرف بأشكال من مختلف الآلوان ونمارق محشوة بالصوف المنفوش بعناية..أما القاعة الأخرى المقابلة واجهتها للمنزل العائلي، فقد كانت مفروشة عن آخرها بالزرابي على الطريقة المغربية الأصيلة..

احتضنت القاعة العصرية جلسات حميمية جمعتني بالذكور من أهل الدار وبضيوفهم المدعوين أو الوافدين قصد إحياء صلة الرحم بمناسبة وبغير مناسبة..لم تتح لي فرصة الدخول للقاعة المفروشة بالزرابي إلا عندما حل شهر رمضان الكريم حيث دأب الأخ الأكبر، الطويل القامة، على دعوتي لتناول طعام الإفطار..طعم حسائهم اللذيذ ما زال يداعب لساني..أمام القاعتين، غرست أشجار الليمون التي كانت تضفي على الواجهة رونقا أخاذا..ذات مرة، بينما كنت جالسا في القاعة الأولى، امتدت يدي عبر النافذة وقطفت ليمونة طازجة دون ان أتلقى لوما او عتابا من أحد.تجرأت مرة أخرى على فعل الشيء نفسه دون أن تصدر عن غارس الأشجار وراعيها نأمة تنم عن غضب أو رفض..

تيقنت هكذا أن مكانتي صارت رفيعة لدى اهل الدار الكبيرة..كيف لا وقد رأيت بأم عيني بنات الدار اليافعات منهمكات في تصبين ملابسي في فناء المنزل الشاسعة أطرافه؟..
خلال الأيام الأولى التي شهدت انفتاحي الأول على هذه العائلة المضيافة التي استمرت ممتدة حتى بعد موت الأب والأم تباعا، قال لي الأخوان على سبيل المزاح والدعابة: “أشنو درتي لينا حتى خليناك تدخل للدار؟ حتى واحد من المعلمين ما فات ليه دخل عندنا”..أجبتهما والابتسامة لا تفارق ملامح وجهي: “غير كونو هانيين..أنا ما درت والو..هاد الشي اللي عطا الله..

“في محاولة للتأكد من مدى حقيقة قولهما، سألت المعلم المستفرد بدار المعلمين: “واش بالصح حتى معلم ما سبق ليه دخل عندهم؟”..أكد لي، بما لا يدع أي مجال للشك، حقيقة هذا القول بحكم أقدمية تواجده في البلدة..وبناء على الألفة التي ترسخت أواصرها بيننا، دعاني الأخ الأكبر ذات مساء للجلوس بجانبه في مقصورة الشاحنة للذهاب معه في رحلة إلى أرض لهم تقع وراء جبل كيسان..كان الغرض الأساسي من هذه الرحلة تزويد “الرباع” بما يحتاج له من مؤونة وزاد..قبلت الدعوة بفرح عارم، خصوصا وهذه أول مرة تتاح لي فيها فرصة الإطلالة على الفضاء الطبيعي الذي يحجبه الجبل عن الناظرين..انطلقت بنا الشاحنة وقد أسدل الديجور سدوله على سائر أرجاء البلدة..في لحظات وجيزات، تركنا المجمعات خلفنا وبدأت الشاحنة تطوي المسافة غير مبالية بالحجارة التي نسمع ارتطامها بالعجلات رغم الصوت الموسيقى المنبعث من “الراديو كاسيت” الذي يشكل جزءا من لوحة القيادة..على ضوء مصابيح الشاحنة، تراءت لي الأرانب البرية تتقافز وتعدو في كل اتجاه تعبيرا عن ذعرها بسبب ما داهمها من ضجيج وصخب لم تعتد عليهما..

اترك تعليقاً