أحمد رباص

العيش مع الثعبان يكون أحيانا أهون من معاشرة الإنسان

أحمد رباص – موطني نيوز

قضيت في مدرسة آيت حمو سعيد، التي تستقبل كذلك تلاميذ دوار تاركلمان المجاور، سنتين. في نهاية السنة الأولى لم ينتقل تلاميذها في المستوى الخامس إلى السنة الأولى من التعليم الإعدادي كما كان معمولا بها في السابق بل جرى الاحتفاظ بهم ليشكلوا أول فوج تجرب فيه وصفة التعليم الأساسي الذي ينتهي طوره بالسنة السادسة. خلال السنة الأولى، أقمت لمدة مع زميلي الورزازي – كما مر بنا – في بيت طيني يقع في قلب دوار تاركلمان مقابل مئتي درهم مناصفة بيننا كان يتسلمها منا مالك الكوخ المظلم عند نهاية الشهر، ولكن مقامي هنا لم يتعد شهرين على أبعد تقدير لسبب سوف أذكره في الفقرة الموالية من هذه الحلقة.

في ليلة من ليالي خريف 1989، بعد تناولنا لما تيسر من “الشعرية” المسلوقة في الماء مع حبة بندورة وقليل من الزيت والتوابل، تذكرت علبة كرطون مملوءة عن آخرها بكتب ومراجع وكراسات صالحة للاستعمال من طرف التلاميذ في المستويات المسند لنا تدريسها، وبما أني لم أكن شخصيا في حاجة إليها اهتديت إلى إهدائها إياهم. كنا أنا وزميلي الورزازي مكلفين بتدريس التلاميذ المنتسبين لمتوالية من المستويات (الثالث + الرابع والخامس)، كان صديقي معلما معربا بينما كنت مزدوج اللغة (جوكير، يعني).

أخرجت الكتب والكراسات من العلبة وقمت بتصنيفهما حسب المادة واللغة وخطرت ببالي فكرة إشراك زميلي في توزيعها على التلاميذ حتى لا يتهمني بالسعي للاستئثار بالعملية بمفردي ولكي لا يظن بأني أحاول الدعاية وسط المتعلمين لحسابي الخاص. هكذا قدمت له كل ما يتعلق منها بالمواد المسؤول عن تدريسها وسمحت له بتوزيعه على التلاميذ طالبا منه في نفس الوقت ترك كل ما يتعلق بالرياضيات والفرنسية لأقوم أنا بتوزيعه عليهم حالما أعود من ورزازات التي كنت أنوي السفر إليها في صباح الغد لغرض ما، لكن، بمجرد رجوعي من السفر اكتشفت أن المعلم الورزازي قام بالسطو على الكتب والكراسات التي قررت تسليمها بشكل مباشر للتلاميذ وأقدم على توزيعها عليهم إلى جانب تلك التي أذنت له بالتصرف فيها.

ما كنت أخاف منه سقطت فيه بشكل معكوس وما منعته على نفسي أجازه زميلي. حاولت أن أتحاشي أن ينعتني يالأنانية ويتهمني بتهميشه لو أني وزعت الكتب والكراسات التي كانت في ملكيتي على المتعلمين كلهم، فإذا بي أقع ضحية نفسه الأمارة بالسوء. عاتبته على فعلته النكراء في الليلة الموالية دون أن ينبس ببنت شفة أو نأمة. في صباح الغد، شرعت في البحث عن سكن مستقل عقابا لزميلي على سلوكه الشنيع الذي أبان عن عدم اخترامه لوصيتي وخرقه للاتفاق الذي تم بيننا. وما هي إلا ساعات حتى تكللت مساعي بالنجاح حيث تمكنت، بمساعدة أحد أصدقائي من شباب دوار آيت حمو أوسعيد، من كراء قاعة كبيرة تقع في بناية طينية كبيرة مهجورة تقع وسط الدوارين قريبا من الحقول التي تشكل امتدادا لسرير نهر درعة مقابل مائة درهم للشهر. وفي نفس اليوم، نقلت أمتعتي ومتعلقاتي إلى سكني القديم/الجديد.

لهذه الدار الكبيرة بابان؛ واحد أمامي كبير الحجم مقابل لشعاب جبل كيسان حيث تتواجد المدرسة والباب الآخر خلفي يؤدي مباشرة إلى الحقول والبساتين الممتدة بمقدار تحليقة طائر انطلاقا من هنا إلى حدود النهر. في الجانب الآخر المقابل للغرفة المكتراة، ثمة غرفة أخرى لا تقل عنها حجما، غير أنها لم تعد مخصصة للسكن بل صارت مستودعا للأعلاف الكلئية. أدركت ذلك من خلال مداومة زوجة مالك الدار على فتح بابها في كل يوم واستخراج قدر محدد من العلف والذهاب به الى رؤوس الماشية. أحيانا، كانت تصطحبها بنتها ذات شعر كستنائي، اكتملت مظاهر أنوثتتها وبرزت مفاتن جمالها بحيث يشتهيها أي شاب مثلي يكون قاب قوسين أو أدنى من عقده الثالث.

في أعلى الجهة اليسرى لواجهة المستودع، ترك ثعبان مقيم بعين المكان جلده المفسوخ الذي ظهر وقد تدلى نصفه وبقي عرضة لعبث الريح تتلاعب به كما تشاء بينما ظل نصفه الآخر محجوبا عن الرؤية لأنه استقر في داخل تقب على الجدار كان الثعبان قد اتخذه غارا. وكنت كلما أبصرت جلد الثعبان الشفاف أشعر بقشعريرة الخوف تسري في سائر جسدي وأتوقع هجومه علي في يوم من الأيام. لهذا كنت في كل ليلة حريصا على نفض فراشي والبحث في أركان الغرفة عنه قبل الاستسلام للنوم. أحيانا، استيقظ مذعورا من نومي في عمق الليل كلما رأيت حلما/كابوسا يظهر فيه الثعبان فاتحا فاه يريد إدايتي أو متسللا إلى فراشي قاصدا حقن سمه في جسدي عبر جهازي التناسلي. هذه الأحلام المزعجة كانت وحدها كافية لإخصائي والإجهاز على فحولتي، ولكن مشيئة الله – حمدا له – حالت دون ذلك، فتأكد لي أن العيش مع الثعبان يكون أحيانا أهون من معاشرة إنسان.

اترك تعليقاً