الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن يعانق أبا حامد الغزالي ويضرب صفحا عن أبي الوليد بن رشد

أحمد رباص – موطني نيوز

لعل الصيغة التي جاء بها عنوان هذا المقال تختزل مساره المنهجي حيث ستكون البداية بالحديث عن انصراف الدكتور طه عبد الرحمن عن فيلسوف قرطبة ليليه بيان انتصاره لمن يوصف بأنه “حجة الإسلام”. وقبل الشروع في تفعيل هذه الخطاطة المنهجية، يجدر بنا الإشارة إلى النص المرجعي المعتمد في هذه المحاولة البحثية. يتعلق الأمر بواحد من “حوارات من أجل المستقبل” المضمومة في كتيب صادر سنة 1999 عن “منشورات الزمن”. في التقديم الذي يتصدر هذه الحوارات، يشير طه عبد الرحمن إلى أنها أجريت في بادئ الأمر مع ثلاث صحف مغربية هي “العلم” و”الاتحاد الاشتراكي” و”الأحداث المغربية”، ومع ثلاث جرائد عربية وهي “القدس” و”المستقلة” و”الشعب”، بالإضافة إلى القناتين التلفزيتين: الأولى والدوزيم.

لدينا ثماني حوارات وثمانية منابر؛ بمعنى أن محاورنا خص كل منبر إعلامي بحوار واحد من هذه الحوارات. وإذا افترضنا أن الفيلسوف طه أتي في تقديمه على ذكر وسائل الإعلام التي تعامل بها وفق الترتيب الذي اتخذته حواراته في كتيبه، جاز لنا أن نستنتج أن الحوار الذي يهمنا هنا وهو بعنوان “رشديات” كان من نصيب جريدة “المستقلة”، علما بأنه لم تتم الإحالة، في بداية كل حوار أو في آخره، إلى المؤسسة الإعلامية التي نشرته أو أذاعته.

منذ الوهلة الأولى، يفطن القارئ إلى أن طه عبد الرحمن يقف موقف الرفض من ابن رشد وذلك من خلال العنوان الفرعي الذي ورد على سؤالين: “لماذا لست رشديا؟” و”لماذا ينبغي أن لا نكون رشديين؟”. تتضح معالم هذا الموقف أشد ما يكون الوضوح في ثنايا جواب طه عبد الرحمن عن سؤال يتعلق بسر الاحتفالات الصاخبة بمناسبة مرور ثمانية قرون على وفاة ابن رشد. أما المبررات التي يقدمها فيلسوفنا لتعليل موقفه فمنها أن ابن رشد في نظره مقلد للفيلسوف اليوناني أرسطو، “بل ليس في فلاسفة الإسلام من هو أشد منه تقليدا لفلاسفة اليونان”، على حد قوله.

ضمن سياق نفس الجواب، اعتبر من يعد نفسه ندا لعادل فاخوري من حيث الريادة في علوم المنطق على مستوى العالم العربي أن ابن رشد لم ينفك عن أسار التقليد حتى في مصنفاته الذي عدها الباحثون من تأليفه الإبداعي والمقصود بها كتبه الثلاثة المشهورة: “تهافت التهافت” و”مناهج الأدلة” و”فصل المقال في ما بين الشريعة والفلسفة من اتصال”. ففي رأيه أن الكتاب الأول عبارة عن دفاع عن التقليد في وجه المعترضين عليه والكتاب الثاني بمثابة مرافعة عن التقليد ضدا على المتكلمين (ممارسي علم الكلام) ممثلين في الأشاعرة، في حين أن الكتاب الثالث هو عبارة عن دفاع عن التقليد في وجه رجال الدين، ممثلين في الفقهاء.

في جوابه عن سؤال يتعلق بالداعي الذي حمل فيلسوفنا على الانصراف عن ابن رشد والانتصار في المقابل للغزالي على خلاف طائفة من المفكرين المعاصرين، قال إن “جوانب من فكري صادفت جوانب من فكره كما أن جوانب من سلوكي صادفت جوانب من سلوكه”. بالنسبة للمصادفة الفكرية، يقر طه عبد الرحمن أنها تتمثل في اشتغال كليهما بالمنطق وبعلم الأصول وبالفلسفة، مع اختلافين إثنين: فالمتكلم أولا مع النزعة الأرسطية للغزالي في مجال المنطق باعتبار، وهو ثانيا يجعل علم الأصول جزءا من المنطق باعتبار آخر، في حين جعل الغزالي المنطق جزءا من ذاك العلم. كما يعترف الكاتب بأنه، على خلاف الغزالي، لم يؤلف في علم الأصول.

أما في ما يخص المصادفة السلوكية فتتجسد في أن كليهما خاض التجربة الصوفية على مقتضى أهل السنة، غير أن الكاتب الفيلسوف ينفي كونه مقلدا للغزالي في هذا المضمار. ومن المعلوم أن طه عبد الرحمن ينتمي للطريقة البوتشيشية شأنه في ذلك شأن شخصيات مغربية بارزة نذكر منهم أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية.

اترك تعليقاً