أحمد رباص

حزمة عيدان صغيرة من غابة أنسابي

أحمد رباص – موطني نيوز

ليس لأنسابي شجرة واحدة بل هي بمثابة غابة من أشجار متفرقات مبثوثات عبر بادية إقليم بنسليمان باعتبارها جزء شاسع الأطراف محسوب على أمنا الشاوية..جدتي (أم أبي) كانت تحمل من الأسماء الدغاية ما يعني أن أصلها من جمعة مليلة في حين جدي (والد أبي) يتحدر من غير بعيد عن مليلة اذ هو كان من فخدة “العوانس” التي يعود اليها أصل ومسقط رأس الدكتور المعطي منجيب..أما جدتي الأخرى ( والدة أمي) فهي من أصل “قدميري” نسبة لولي صالح يوجد ضريحه المزار السنوي في ضواحي ثلاث الزيايدة..

يبقى جدي الثاني (والد أمي) منتميا لقبيلة ولاد زيان المجاورة لقبيلة الزيايدة’’,,عرف عنه الزهد في اغراءات الحياة في جانبها المادي وبلغ صيته أبعد مدى عبر قبيلة زعير التي تكسوها الغابات..هكذا، يتعين اعادة النظر في التعبير الشائع “شجرة الأنساب” ويلزم الحديث بدل ذلك عن غابة أنساب..

لكن جدي لأبي كان، على عكس سيدي سلام (هذا هو الاسم الذي يعرفه به أحد الشيوخ الذي امتد به العمر الى أن التقيت به وحدثني عنه)، حيث كان (العينوسي) صعب المراس ومقبلا على الحياة بكل ما أوتي من زخم وعنفوان..

زمن هذا الحكي يقع في بداية القرن العشرين المطبوعة بدخول الاستعمار وغرز مخالبه عميقا في مختلف ربوع الوطن المستباح..بمجرد ما بدأت مداركي-أنا الحفيد- تستقبل مسلسل أحداث ماضي غابة أنسابي القريب، علمت أن جدي “العينوسي” طلق “الدغاية” وطردها من مجاله الحيوي فاتجهت المسكينة صحبة ابنها الوحيد الذي صار فيما بعد أبا لي فلم تجد غير التوجه الى جهة “أهل الوطا” (هلوطة بالدارجة) حيث التقت برجل من دوار قريب يدعى بدوار “أولاد شطان” فاقترح عليها أن تكون زوجته الثانية وضرة لزوجته الأولى. قبلت العرض مشترطة عليه بقاء ابنها محمد معها والى جانبها. طمانها الرجل على هذا الأمر وزاد عليه التصريح لها بنيته في جعله واحدا من أبنائه..

كان جدي العينوسي يمتهن الحلاقة التي ورثها لابنه الذي أنجبه مع المرأة الأخرى التي حلت محل جدتي المطلقة أو كانت ضرتها بحكم انتشار تعدد الزوجات في ذلك العهد..كان جدي يؤمن ويفعل مقولة “الدرهم الأبيض ينفع في اليوم الأسود”، لذا عرف عنه الادخار والتوفير في زمن القحط والمذلة. هكذا تجمع لديه مبلغ من المال أهله لشراء قطعة من الأرض تعود لملكية أحدهم..

حدث ذلك في بحر سنة 1935 حسبما يستفاد من عقدة شراء تلك القطعة كنت قد اطلعت عليها عندما طلب مني أبي ذات يوم ترجمة محتواها الى لغته الأم لأنها كانت مرقونة بلغة فرنسية ومختومة بأختام تحيل الى أسماء أجنبية..بهذه المناسبة، حكى أبي للحضور قصة النزاع الذي نشب بين جدي وصاحب الأرض بعد اتمام عمليتي البيع والشراء؛ ذلك أن هذا الأخير تراجع عن وعده بالبيع رغم تسلمه المبلغ أمام شهود..بعد فشل محاولات الصلح المبذولة من قبل ذوي النيات الحسنة، انتقل ملف القضية الى ردحاتمحكمة بنسليمان الذي أشارت له الوثيقة المذكورة ب”كمب بولهو”..بعد جلسات ومداولات، صدر الحكم بمشروعية البيع لصالح جدي وتم الزج بغريمه في السجن فمات من شدة الغبن و”الشمتة”..

اترك تعليقاً