أحمد رباص

بقايا صور وأمشاج مشاهد موشومة في ذاكرتي المتعبة

أحمد رباص – موطني نيوز

خلال السنتين الثانية والثالثة من سنواتي التي أمضيتها بأكدز وضواحيه، كان مجمع آيت املكت بالنسبة لي مكان عبور أخترقه جيئة وذهابا عبر المسافة التي تفصل بين مجمعي آيت حمو أوسعيد وآيت خلفون. كنت أعبره من جهتين: إما من الأسفل عبر مسرب يمتد على طول الضفة الغربية وإما من الأعلى عبر طريق غير معبدة تمر وسط الدوار الذي يظهر مثل أخطبوط يحاول تسلق الجبل. وفي السنة الرابعة، تشاء الصدف أن يصبح آيت املكت بالنسبة لي مكان إقامة.

لا وجود لحانوت واحد بهذا المجمع، ما يعني انتفاء أي إمكانية للتواصل شفويا مع سكانه من الذكور، اما التواصل بنفس الطريقة مع الجنس الاخر فهو غير ممكن بالمرة سواء كان الحانوت موجودا أو غير موجود. في الواقع، يكون ذلك غير ممكن بالنسبة للغرباء أمثالي في كل بقعة من هاذي البلاد التي مازال أهاليها متمسكين بأعراف الأجداد وبعاداتهم وتقاليدهم.

كانت إقامتي بهذا المجمع تقتصر على المدرسة..لم يكتب لي أبدا حظيتُ بدعوة من أحد سكانه لحضور وليمة أقيمت على شرف المعلمين خلال الظهيرة أو في المساء. خارج المدرسة، كنتَ لا تجدني إلا في دوار آيت إسحاق أو في دوار آيت خلفون.

من يوم لآخر، كنت أصادف في طريقي المُنْحَدِرِ إلى المجمع الثاني فتيات من آيت إسحاق قاصدات الجبل لجمع الحشائش الجافة السريعة الاشتعال ولتي تستعمل كحطب لطبخ الخبز في جوف فرن طيني..ويتميّز طعم الخبز المصنوع في فرن الطين بلذّة لا تُقاوَم ورائحة شهية مثيرة للأشتهاء. لكن ما كان لافتا لاهتمامي أكثر ومستفزا لفحولتي المكبلة بقيود غير مرئية هو منظر البنات وهن مبتسمات فرحات بتحررهن من رقابة البيت، عارضات لمفاتهن البارزة أساسا على مستوى نهودهن المكتنزات.

الحياة هنا قاسية جدا خصوصا بالنسبة لمن نشأ وشب في مدينة ساحلية تشكل ملتقى طرق حصاري مثل مدينة المحمدية..الحرمان هنا مضاعف إلى حد الشمول..القلق هو سيد الموقف بعد أن زُجَّ بي في نفق الانتظار..الجمود ولا شيء غير الجمود..لا بد لي من مقاومة شرسة لهذا الثلاثي إذا أردتُ أن أُبْقِيَ على جدوة الأمل متقدةً في باطني، إذا أردتُ أن أبقى قيد على الحياة، سليم العقل. لهذا كانت الخمرة ملاذي ودواءً لدائي..أصدقائي من أبناء البلدة وآخرون من إخواني في الحرفة داء عطبهم قديم..هاد الشي علاش مللي تقرقب الما يبان العطشان. كلهم مستسلمون لسحر هذه الوصفة الخمرية.

مات المعلم البارع في صنع أنخابٍ من ماء الحياة اعتمادا على مكونات طبيعية من إنتاج محلي يأتي على رأسها الثمر الذي تم التفريط في حلاوته..وسيلته في ذلك طنجرة ضغظ موصولة بأنبوب مطاطي قُسِّمَ إلى طرفين يجمع بينهما أنبوب نحاسي التوى على شكل V. لا وجود ولو ل”كراب” واحد في أكدز..كل من أراد التزود بكمية من هذه المادة الحيوية والطاقية عليه التوجه إلى متجر ديميتري بورزازات. رجال سرية الدرك بأكدز واعون بهذه المسألة..أحيانا، يقومون بتفتيش كل سيارة عائدة من ورزازات..إذا وجدوا بداخلها عددا كبيرا من قنينات الخمر يفرشخونها ولا يتركون إلا قنينة لكل سكير.

ذات يوم، تحدّثْتُ مع الحارس في شأن التأثير الذي تمارسه المدامة على شاربها. قال لي إنه يكتسب مناعة استثنائية ضد مفعول الخمر أيا كان نوعها ومهما كان قدْرها. قلتُ له: الله يهديك أصاحبي، الخمر لعبتْ بقومان. لم يتزحزح عن ادعائه قيد أنملة..تشبُّثُه برأيه “ولو طارت معزة” نابع من ضائقته المالية الناتجة عن تجميد حوالته ودخوله في فترة انتظار ترسيمه وتمتيعه بالتعويضات العائلية كموظف حامل لرقم تأجير. أدركتُث حينئذ أن الجدال لا ينفع مع عون خدمة جعله جفاف أيامه مشتاقا إلى أن يداوى علته بالتي كانت هي الداء. في الأخير، ختمتُ حديثي معه بقولي: ما غابت غير تادلة، سبع حمير واجدة.

مرّتْ مياه عبر مجرى الوادي في تزامن مع مدة زمنية تعادل بضعة أيام..سافرتُ إلى ورزازات بقصد واحد وهو التزود بأكبر كمية ممكنة من المسكرات من أجل وضع ادعاءات الحارس في ماكينة الاختبار والتأكد بالتالي من مدى قدرته على مقاومة تأثير الشراب. اشتريتُ لهذا الغرض حقيبة كبيرة ودخلت بها إلى متجر ديميتري. حرصتُ على تنويع مقتنياتي في حدود أربع ماركات: الماحيا، البيرة، النبيذ الأبيض والنبيذ الأحمر. شحنْتُ حقيبتي بكل هذه المشتريات وخرجتُ من المتجر قاصدا المحطة الطرقية القريبة من عين المكان.

في أخر محطة من مشوار عودتي إلى البلدة من ورزازات، لفظتني سيارة الأجرة على مبعدة ميل من مستقري. عليّ عبور النهر وانا أحمل على كتفي حقيبة مملوءة عن آخرها بكانيتات وقنينات عامرات ومغلقات بإحكام. وبفضل زخم الشباب وعنفوانه، وصلتُ بسرعة إلى المدرسة المركزية في كنف الظلام. دخلتُ إلى منزل الحارس دون استئذان..وجدته وزوجته جالسيْن إلى مائدة العشاء..نطرا إلى حقيبتي فعرفا أني جئتُ لتوي من المدينة ومعي بضاعة لم تخطئ طبيعتها حاسة الحارس السادسة ولم ترتعد لها فرائصه ولو أنه علم أن الهدف من الإتيان بها إلى هنا امتحانه واختبار مدى تطابق ادعاءاته مع واقع الحال. غابت لغة الشفاه وحضرت لغة العيون..أنا أعتبر لغة الصمت أبلغ وأشمل من لغة الكلام؛ دليلي على ذلك تعابير الوجه وفنون الكتابة والميم والرسم والنحت والتصوير وتراكماتها منذ غابر الازمان إلى حدود الآن. تم الانتهاء من وجبة العشاء الرديئة بأسرع ما يكون وبشكل متعمد..حملتُ الحقيبة وخرجتُث من السكن الوظيفي.

ترك الحارس زوجته وحيدة وخرج هو الأخر ليمشيَ في أثري. أخرجتُ علبة معدنية من الحقيبة..فتحتُ سدادتها، خرج الغاز المنحبس بداخلها محدثا صوتا مدويا تملك على إثره الحارس خوف من انفضاح أمرنا..أفرغتُ محتوى العلبة في جوفي وتخلّصْتُ منها برميها بعيدا. لما أحْسَسْتُ بأن الخوف تبخر من نفس الحارس ناولْتُه علبة فأتي على ما فيها في رمشة عين..عند بلوغنا لدار المقدم الواسعة الآرجاء والمحاطة بسور طيني عال، دعاني الحارس إلى الجلوس بجانب السور..امْتَثَْلتُ له وتفهمتُ حاجته إلى جرعات إضافية. عندما شرب ما تبقى من قنينة ماحيا، رمى الزجاجة بعيدا داخل السور. سألته عن سبب إقدامه على ذلك، قال لي إن المقدم امتنع عن قرضه علبة شاي.

ها نحن الآن بداخل غرفة من منزل طيني يقع خلف المدرسة. كنتُ أملك مفتاح هذا البيت بموجب عقد كراء غير مكتوب يلزمني بأداء مائة درهم في آخر الشهر.لم تدم إقامتي بهذا المنزل سوى شهرين لسبب ذكرته في حصة حكائية سابقة. على ضوء الشمعة الباهت، جلستُ فوق مضجعي والمائدة الدائرية أمامي..إلى يميني وضعتُ الحقيبة وإلى يساري جلس الحارس. حان موعد لقاء الكأس بالقنينة..لاحظت أن صديقي يشرب بنهم جنوني في محاولة منه رفع التحدي..أحيانا يترامى على كأسي مدعيا أنه من نصيبه..أتركه لحاله ليعب الكؤوس تباعا. فجأة، جاء “سمير الليل”، الشاب، الحرطاني من آيت املكت المكلف بإطعام تلاميذ المدرسة، طويل القامة، وصاحب الكاحلين الحاملين لندوب هي آثار لجروح كان عرضة لها أثناء قيامه بأعمال شاقة.

بمجرد ما أطل علينا سمير الليل بوجهه حتى طلبتُ منه أن يعد لنا وجبة ساخنة للعشاء. بطواعية، استجاب لأمري وشرع في إعداد الوجبة المتوفرة مكوناتها. قبل أن تكون جاهزة بوقت قصير، خرج الحارس ليبول، فطال انتظارنا لعودته. قلتُث لسمير الليل أنِ اخرجْ لترى ما حل بصاحبنا. بسرعة، عاد الولد الطويل وهو يضحك، ثم قال لي: نوضْْ، تعالى تشوف! قلتُ في قرارة نفسي: الله يسمعنا خبار الخير، آشنو طرى؟

وجدتُ الحارس ممتدا على ظهره فوق صخرة تتوسط الفناء في وضع تدلتْ معه قدماه ويداه ورأسه إلى الأسفل دون قدرة على النهوض. ضحكتُ كثيرا وبان لي رسوب الحارس في الامتحان. ساعدناه على الوقوف على قدميه وأرجعناه إلى المكان الذي كان جالسا فيه. نكت الشاب الوجبة في إناء معدني ووضعه أمامنا فوق المائدة. شرعنا في الأكل، غير أن الحارس كان في وضع لا يحسد عليه..لقد ظهر لي مثل طفل أيقظته أمه من نوم عميق ليتعشى. تْحًدّو ليه، ما بقى قادر ياكل ولا يشرب. عندها قلتُ لسمير الليل: عافاك إلا ما دّيهْ لدارو يَنْعَسْ. الحارس في سكر طافح فقد معه القدرة على الوقوف والمشي، فحمله الشاب المسكين على ظهره قاطعا به مسافة لا يستهان بها، ولم يعد إلا بعد أن سلمه لزوجته.

في منتصف سنتي الثالثة اقترحني السادة المفتشون ضمن لوائح المعلمين الذين سوف يستفيدون من ثلاث دورات تكوينية من أجل إعدادهم للتدريس في القسم السادس الذي أضيف للمدرسة الابتدائية في إطار موجة إصلاح تم تنزيلها في بداية العقد التاسع من القرن الماضي. قسمت هذه الأيام التكوينية إلى ثلاث دورات، كل دورة تتكون من ثلاثة أيام. برمجت الدورة الأولى في شهر مارس والدورة الثانية في نهاية السنة التي تتزامن عادة مع مستهل فصل الصيف. أما الدورة الثالثة فقد حدد لها كموعد بداية الموسم الدراسي التي تتزامن محليا مع موسم جني الثمور. والجدير بالذكر هنا أنه روعي خلال هذه الأيام التكوينية انتماء المعلمين إلى شعبتين: المعربين والمزدوجين.

وغير خاف على من له دراية بالمنظومة التعليمية أن هذا التقسيم ينطوي على قسمة ضيزى؛ إذ أن المزدوجين مطالبون في بعض الحالات بأن يمارسوا مهام المعربين فضلا عن المهام المرتبطة بشعبتهم، بينما المعربون غير مدعويين وغير معنيين بالمهام التي يمارسها زملاؤهم المزدوجون. وجه الظلم السافر في هذه القسمة أنها غير مصحوبة بتعويض يذكر لفائدة المزدوجين. والأنكى من ذلك أنها كانت أحيانا مصدر متاعب إضافية لهم حيث يتم تكليفهم بتدريس جميع المواد لمستويات متعددة خاصة في ظل الخصاص المهول في أطر التدريس الذي أصبحت تشكو منه المنظومة منذ مدة غير يسيرة.

من أجل إخبار المعلمين المنتدبين للاستفادة من هذه الأيام التكوينية، اهتدى السادة المفتشون إلى دعوة سائر معلمي المنطقة لحضور اجتماع احتضنته مدرسة أكدز التي يوجد بها مقر مقاطعة التفتيش. لازلت أذكر أن محور اللقاء تمثل في الوسائل التعليمية المصاحبة للدرس لغاية الشرح والإيضاح. قبل نهاية اللقاء التربوي استمع المفتشون لتدخلات بعض المعلمين الذين كنت واحدا من بينهم.. تناولت في كلمتي مسؤولية المعلم في توفير الوسيلة الديداكتيكية المواتية لكل درس درس ولكل حصة حصة وكيف يمكن له أن يقطع مع تبعيته في هذا الشأن للإدارة وذلك عن طريق التزامه بصنع وبناء الوسائل والمعينات مع تكليف التلاميذ بإحضار مواد ومعدات وفق ما هو ممكن ومتاح لهم دون مطالبتهم باقتنائها لما يسببه ذلك من استنزاف ميزانية أسرهم وإحراج للأسر المعوزة التي لا ميزانية لها بالمطلق. وهكذا انتهى هذا اللقاء بمفاجأتين سارتين بالنسبة لي: المفاجأة الأولى هي أن مجموعة من المعلمين عبروا لي بصوت مسموع عن استحسانهم لتدخلي وإعجابهم بمضمونه، والمفاجأة الثانية حدثت لما سلمني مؤطري التربوي الدليل الجديد الذي يحتوي على دروس اللغة الفرنسية المقررة لتلاميد القسم السادس.

ونظرا لجو الاكتظاظ الذي مر فيه الاجتماع لم أدرك تواجد زميلي الذي أودى بحياته “ماء الحياة” إلا في الأخير عندما انتشر حشد المعلمين في الشارع العام حيث صادفته وهو في حالة صحية يرثى لها.. سألته عما به، فأخبرتي بأنه زار هذا الصباح طبيبا في مدينة ورزازات وخضع في مكتبه لفحوصات أثبثتت وجود ثقوب في معدته ناتجة عن شربه للكجول المسكر والحارق..قال لي إن الطبيب وصف له أدوية وأسدى له نصيحة بالإقلاع عن شرب الماحيا..وبينما نحن نشق طريقنا في اتجاه السوق الأسبوعي الذي تلاشت ذروته واضمحل صخبه إذا بزميلي المريض حد الإنهاك يعبر لي عن شديد أسفه عن إقصائه من لائحة المعلمين الذين جرى انتقاؤهم للمشاركة في الدورات التدريبية الثلاث.. عندها فقط علمت أن المفاجأتين السارتين بالنسبة لي تقابلهما مفاجأتان مفجعتان بالنسبة له..

في موضع سابق من مذكراتي هاته، تحدثت عن تفاصيل الرحلة التي قمت بها خلال هذا اليوم مع هذا المعلم وكيف أنها تمت في مرحلتين: من أكدز إلى قنطرة “تانسيخت” بواسطة النقل السري ومن هنا إلى بلدة “أفرا آيت سدرات” على متن سيارة بيكاب من نوع “بوجو”؛ تحديدا في وسط جفنتها المملوءة بالسلع.. توقفت السيارة في دوار آيت خلفون وترجلنا منها نحن الإثنان.. أدينا للسائق مقابل نقلنا إلى هنا نقدا وانصرف كل واحد منا إلى حال سبيله.. خطوات معدودة كانت كافية لزميلي الذي هده المرض لكي يصل إلى كوخه الطيني البئيس، بينما أنا المعلم المعافى البدن أمامي مسافة طويلة ممتدة لأميال بمحاذاة ضفة النهر في سفوح جبل كيسان الذي يحد الأفق من جهة اليمين انطلاقا من هنا وإلى أبعد من أكدز..كان علي قطع هذه المسافة مشيا على الأقدام من أجل الالتحاق بمقر عملي وسكني.. ليست هناك أية وسيلة نقل من شأنها إعفائي من تجشم وعثاء المشي عبر مسلك جبلي وعر وموحش.. أجورنا الشهرية كانت هزيلة جدا بحيث أنها لم تؤهلنا ماديا لاقتناء دراجة نارية على الأقل.. لا أحد من المعلمين في منطقة أفرا كان يمتلك دراجة من هذا النوع.. في هذه الحالة، ليس صحيحا أن المصيبة إذا عمت هانت.. ما يحس يالمزود غير المضروب به..لكن الشيء الذي خفف من آلامي وأنا منهمك في السير خطوة خطوة تجسد في الابتسامة التي ارتسمت على محيا معلمة فرعية آيت املكت عندما رأتني أمر أمامها.. لم تخني فطنتي لإدراك مضمون الرسالة التي أرادت المعلمة تبليغها إياي: أنا على علم بانه وقع عليك اختيار المفتشسن للمشاركة في الدورات التدريبية.. أهنئك على ذلك وأتمنى لك حظا سعيدا..