أنقذوا مسلمي الروهينجا

حرب العدسات: استخدام الصورة للكشف عن مآسي مسلمي الروهينجا أو للتشويش عليها

 أحمد رباص – موطني نيوز

اكتسحت الصور التي تغطي جزءا من مشاهد الإبادة الجماعية التي تعرضت لها الأقلية المسلمة المقيمة في ميانمار، المعروفة لدى الرأي العام العالمي باسم الروهينجا، وسائل الإعلام بكل أنواعها ومواقع التواصل الاجتماعي الأكثر شعبية.

أمام هذه الدينامية الفوطوغرافية، يقف المتلقي حائرا بين فريقين، كلاهما يوظف الصور المنشورة على الإنترنت، غير أن الأول يدعي أنها فعلا شاهدة على الحرب التي لا تبقي ولا تدر، والتي تشنها الغالبية البوذية ضد شريحة من المسلمين استوطنت منذ زمن بعيد ميانمار كأقلية.

أما الفريق الثاني فيمكن تلخيص دفوعاته في كون تلك الصور وظفت لفضح تورط البوذيين في قتل مواطنيهم من المسلمين والتنكيل بهم وطردهم من ديارهم، بينما هي في الحقيقة التقطت أصلا للتوثيق لمشاهد رهيبة وفظيعة ضحاياها ليسوا من مسلمي بورما وإنما أريد بها زورا أن تحيل على تلك المآسي كما لو كانت مرجعية حقيقية لها.

1
1

لكن، قبل الإقدام على الحسم في أي الفريقين يجانب الصواب وأيهما يحالفه، دعوني أحسم أولا وبعجالة في مسألة النظر إلى أزمة المسلمين في بورما من زاويتين: زاوية تاريخية نطل من خلالها على المحن التي تعرضت لها هذه الأقلية المسلمة عبر مراحل تاريخ هذا البلد ذي الأغلبية البوذية، وزاوية آنية تفضي بنا إلى الانفتاح على التطورات الأخيرة التي آلت إليها الأزمة نفسها حالا من خلال سيل من الصور تظهر فيها أقلية الروهينجا المسلمة نهبا لأنياب الموت، أما الناجون من مسلمي ميانمار هؤلاء فقد وجدوا أنفسهم في قلب المأساة عالقين على الحدود مع بنغلاديش.

انطلاقا من الزاوية الأولى، نعلم أن معظم هؤلاء المسلمين هم من شعب روينجية ذي الأصول المنحدرة من مسلمي الهند (بما فيها ما يعرف الآن ببنغلاديش) والصين (أسلاف مسلمي الصين في ميانمار أتوا من مقاطعة يونان)، وكذلك من أصلاب المستوطنين الأوائل من العرب والفرس. كما نعلم أن البريطانيين وطّنوا العديد من المسلمين الهنود في بورما لمساعدتهم في الأعمال المكتبية والتجارية. وبعد الاستقلال أُبْقِيَ على الكثير من المسلمين في مواقعهم السابقة وقد حققوا شهرة في التجارة والسياسة.

إلى هنا تبدو الأمور عادية، حيث يحصل لنا عنها انطباع بأننا أمام صورة تقدم لنا وجها مشرقا لأقلية مسلمة، بينما التاريخ الخاص بالماضي القريب حافل بمعلومات ومعطيات ثابتة دالة على عنف مورس عليها في ماندلاي سنة 1997 وفي يوانغو سنة 2001، دون أن ننسى موجة العنف الكاسح الذي تعرضت له سنة 2012.

2
2

إلى حد الآن، تطلع علينا في الكثير من المواقع الإلكترونية صور مصحوبة بتعاليق تفيد أن النازحين من مسلمي الروهينجا ينتظرون مصيرهم على الحدود مع بنغلاديش، وأن حرس الحدود ببنجلاديش منعوا الكثيرين منهم من الدخول، مما اضطرهم للوقوف على الحدود منتظرين دون طعام أو مأوى. وهذه صورة أخرى لسيدة مسلمة من الروهينجا تبكى دون مأوى.

وعلى هامش إحدى الصور نقرأ أن القوات الحدودية قامت بتقييد فتاة وهى تبكى حتى لا تتعدى الحدود البنغلاديشية. وهناك صورة يظهر فيها مسلمو الروهينجا عالقين على حدود كوكسيز بازار بالبنجلاديش ونرى فيها بين النازحين أطفالا كثرا يخافون عليهم أهاليهم من التعرض للقتل في ميانمار على أيادي المتشددين البوذيين. وهناك صورة لأطفال الروهينجا بلا طعام أو مأوى وقد هاجمهم البوذيون المتطرفون الذين يقال لهم الراخين. ثم هناك صورة أخيرة، وليس آخرة، يخرج منها المشاهد بابتسامة بطعم المرارة حيث يبدو فيها مسلمو الروهينجا الفارون من مونجدو بميانمار، وقد سرقوا وجبات طعامهم.

لعل أحسن دليل لدينا الآن على أطروحة الفريق الثاني هو تلك الصفحة المفتوحة في الفيسبوك ذات العنوان العريض (حقيقة صور “اضطهاد وإبادة المسلمين في بورما”). تتصدر هذه الصفحة الخاصة بالصور التي وضعت في الميزان مقدمة ندرك من خلالها أن الأمر يتعلق بمقال يحاول فيه صاحبه أن يكشف حقيقة عدد من الصور التي روجها من أسماهم ” الإخوان الماسون” على صفحات الإنترنت كما لو أنها صور ضحايا الاضطهاد والإبادة التي تتعرض لها أقلية المسلمين في بورما، ويقدم لقارئه وعدا بأنه سيأتي بعد ذلك على ما يريده الإخوان الماسون من هذه الصور، وما هي حقيقة الوضع هناك؟

3
3

في الجانب الأخر المتعلق بالفريق الأول، أعتقد أن خير مثال يهدي إليه هو تلك الصفحة الفيسبوكية التي عنوانها الرئيس “ملف كامل عن مأساة المسلمين في بورما”. بالطبع، يتضمن هذا الملف ألبوما كبيرا من الصور التي قد لا تبعد عن الشك أو اليقين كليهما بحيث أن عملية الفرز بينهما في تلك الصور تتطلب فريقا من ذوي الاختصاصات المتعددة. لكن، نظريا على الأقل، نلمس أن الاتجاه الثاني يستنفر كل مهاراته التقنية وملكاته الأدبية لتحقيق هدف واحد وهو الكشف عن المكر الكامن في مناورات الخصوم الايديولوجيين الذين أسماهم بـ “المسلمون الماسون” ومحاولاتهم توظيف صور لا علاقة لها بمآسي مسلمي بورما لأغراض في نفس يعقوب. وحتى وإن سلمنا بأنه ما قاله هو عين العقل والصواب، فإن ذلك لن يقدم أو يؤخر شيئا في ما يتعرض له الآن مسلمو بورما من تقتيل وتهجير.. والدليل على ما أقول هو استعداده للكشف عن حقيقة الوضع هناك، وما كتبه أحد المتفاعلين مع مقاله من أن الحقيقة التي تفرض ذاتها هي أن شعب بورما المسلم متروك لوحده في مواجهة الموت والتشرد في أحسن الأحوال.

د. مصطفى يوسف اللداوي

أنقذوا غزة وأجيروا أهلها

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي – موطني نيوز

في غزة تكسرت النصالُ على النصالِ، وسقطت الرماحُ على الرماحِ، وما عاد للسهامِ في الأجسادِ موضعٌ، ولا في الأرض لمزيدٍ من الشهداء متسعٌ، فقد جُرحَت الجروحُ ونُبِشَت القبورُ، واهترأت الأجسادُ وتمزقت، وتقطعت العروقُ وجفت، وبكت العيونُ وابيضت، وهُدِمَ المُهدَّمُ وهُشِّمَ المكسر، وقُتلَ القعيدُ واستُهدفَ المصابُ، واستنزف الجريحُ، وما نجا الطفلُ ولا أخطأ المنونُ المرأةَ، ولا تجاوز الموتُ الصغيرَ ولا سكت عن الكبير، ولا ميز العدو بين مدني وعسكري، وبين مقاومٍ وثائرٍ، وبقيت بيوتُ العزاء مفتوحة، وأشرعةُ الحزن مرفوعة، وآهاتُ الأسى مسكونة، وغصةُ الفقد مكتومة، فشهيدُ اليوم قد قدمَ بالأمس العزاء، وغداً شهيدٌ آخر.

ها هم أبناء قطاع غزة يستأنفون أوجاعهم، ويواصلون نزيفهم، ويصرون على مواصلة مقاومتهم والثبات على مواقفهم، ويمضون في طريقهم ولو كانوا وحدهم، وقد حفظوا الطريق إلى مقابرهم، وعرفوا لشدة المحنة خاتمتهم، وأدركوا أن العدو يحيط بهم، والقريب يتخلى عنهم، فما وهنوا وضعفوا، ولا استكانوا وخنعوا، ولا سقطت لهم راية ولا انحنت لهم قامة، ولا خفت صوتهم ولا خبت نارهم، وما نبا سيفهم ولا عقر حصانهم، ولا سقط عن صهوة الجياد فرسانهم، ولا تخلى عن البندقية أبطالهم، فهم على دربهم من أجل استعادة حرية وطنهم ماضون، وفي سبيل كرامتهم يضحون.

غزة أيها العرب تدفع ضريبةً كبيرة، وتؤذي ثمناً باهظاً، وتضحي بأكثر مما تستطيع، وتجود بأعظم ما تملك، فشبابها يستشهدون، وأبناؤها يصابون ويجرحون، وكثيرٌ منهم يُقعَدون ويُشَلُّون، ومستقبلهم يضيعُ ويُهدد، وحياتهم تضيق وتصعب، وتشتد وتخشن، والحرمان فيهم يزيد، والحصار يقسو والحاجة تزداد، والعدو عن قتالهم لا يتوقف، وعن الاعتداء عليهم لا يكف، فهو يرى العرب ضعفاء، ويشعر بهم قد تخلوا، وعن القضية الفلسطينية قد ابتعدوا، بل يلمس منهم موافقة ومباركة، ورضا وقبول، فلهذا مضى وتمادى، وأوغل وأوجع، واستدعى حليفه الأمريكي وحرَّكه، وطلب منه ووجهه، واستفاد من تطرفه وانتفه بسياسته، ورغم ذلك فقد صده الغزَّيون ومنعوه، وقاوموه وقاتلوه، وعطلوا جيشه وأفشلوا خططه.

لكن غزة يُستفردُ اليوم بها، ويراد بها شراً ويخططُ لها أمراً، وقد اجتمع عليها الأعداء والفرقاء، وتكالب عليها الخصوم وشذاذ الآفاق، وأغلقوا عليها المنافذ والأبواب، فغدت كالفريسة بين الوحوش والضواري ينقضون عليها، وينهشون لحمها ويمزقون أوصالها، ولا من ينتصر لها أو يهب لنجدتها، فهذا العدو يقصفها ولا يبالي، ويتآمر عليها الشقيق ولا يداري، ويتخلى عن نصرتها من انتسبت إليهم عروبةً ومن اشتركت معهم ديناً، وهي التي كانت درتهم العصماء، وشامتهم الغراء التي يفتخرون بها ويتيهون.

غزة أيها العرب لا تواجه عدواً يقصفها، ومحتلاً يقتلها، وقوةً غاشمةً تغير عليه وتعتدي، واستيطاناً يستفزها ويغتصب حقها، ولا تتحدى قوةً عظمى تتآمر عليها وتريد تصفيتها والقضاء عليها، بل تواجه حصاراً أشد لؤماً وأكثر قسوةً، وتعاني من جفوةٍ وغربةٍ، وتشكو من وحدةٍ وعزلةٍ، إذ ما اعتادت يوماً أن تكون وحدها، وأن تواجه عدوها بمفردها، بل كانت معها أمتها وإلى جانبها شعوبها، فكيف لو سكت عن العدوان إخوانٌ، وتآمر على القصفِ جيرانٌ، فهذا أمرٌ يحزنها ويزيد ألمها، ويعمق إحساسها بالخوف والقلق، إذ لا يعتقد أبناؤها أن عربياً غيوراً ومسلماً صادقاً يتركها نهباً لمصيرها، ويتخلى عنها لصالح عدوها.

اعلموا أيها العرب أن غزة هي بوابتكم إلى النصر، وهي سدكم في مواجهة السيل، وجبهتكم من أجل الصمود، وهي عصاكم التي تهشون بها عدوكم، وتنهرون بها خصومكم، وهي سلاحكم الذي به تنتصرون، وقوتكم التي إليها تلجأون، وهي حصنكم التي تحميكم من الهزيمة، وقلعتكم التي تحتمون بها عند الحاجة، فكونوا معها اليوم لتكون معكم ولكم غداً، واحموها من الغدر لتنجو بأنفسكم من مكائد العدو، واعلموا أن غزة في حاجتكم فلا تغلقوا أبوابكم دونها، ولا تتخلوا عن أهلها، ولا تنهروا السائلين من أبنائها، وثقوا بها وبرجالها، واعتمدوا على أبطالها ومقاومتها، فقد والله آذت العدو وأجعته، وأربكته وأقلقته، وشكا منها وخاف على أمنه من سلاحها، وانتابته الهواجس من قدراتها.

أيها العرب غزة التي انتصرت بالأمس لكم، ورفعت رأسكم، وأعلت راياتكم، وجعلت لكم ذكراً، وحفرت لكم اسماً، إنها اليوم تقاتل نيابةً عنكم، وهي في الخندق الأول أمامكم، تدافع عنكم، وتصد العدو دونكم، وتحمي بدمائها ثغوركم، وتصون بأرواحها أرضكم، وتذود بمهج أبنائها عن أوطانكم، ولكنها اليوم وحدها تُذبح، وأمام عيونكم تُقتل، والحصار يخنقها، والجوع يذلها، والحاجة تنغص عيشها، ولا تجد من عُمرِيَّاً يحميها، ولا معتصماً يلبيها.

غزة أيها العرب تستصرخكم فاسمعوا صرختها، وتستغيثكم فاستجيبوا لها، وتستجير بكم فلا تطردوها، وتطلب منكم النصرة فانتصروا لها وقفوا معها، فلا تتركوها وحدها، ولا تتخلوا عنها، ولا تسمحوا للعدو أن يتفرد بها، أو أن يستقوي بضعفكم عليها، فإنها والله شرفكم، وتاج وقاركم، وعنوان عزكم، فلا تتخلوا عنها فتعروا، ولا تبتعدوا عنها فتشقوا، ولا تختلفوا عليها فتضلوا، ولا تتآمروا عليها فيأتي دوركم فتندمون، وينقلب عليكم العدو فتخسرون، ويشعر بضعفكم فتُذلون، وبهوانكم فلا تُرحمون.