بعد تهديد الإرهاب لأوروبا مؤسسات أوروبية تتبنى مشروع المراجعات الإيديولوجية لإعادة إدماج المتطرفين

جتيم نورالدين – موطني نيوز

دارت رحى الإرهاب العابرة للقارات كل بلدان المعمور ، لتجد لها موطنا خصبا في قلب اوروبا ، وهي القارة التي وجدت فيها التنظيمات الإرهابية الارض الجذابة لاستقطاب المقاتلين والجهاديين المعادين للغرب والحاملين للكره لجميع الناطقين بغير الإسلام . وقد نجحت القاعدة وتنظيم الدولة داعش في تطوير أساليب الاستقطاب وتجنيد عناصر التطرف وتحويلهم الى قنابل بشرية وآلات للقتل الوحشي باسم الدين ، وصنعت منهم هياكل للتخطيط والتنفيذ ، وأوهمتهم إيديولوجيا أنهم جند الله في الأرض وأنهم حماة الدين ورجال الخلافة ، وأنهم رسل الجنة وعساكر قهر الكفار ،
هي الطرق الإعتقادية التي لقنها منظرو الفكر الإرهابي الى فئات الشباب المسلم في أوروبا ، مستغلة فراغه الروحي والعلمي والشرعي ، وبعده عن العلم والدراسة والتحصيل ، واستياءه الإجتماعي وكرهه للمؤسسات الإدارية على رأسها الأمن والساسة والحكام.
المعتقد الفكري : وهو العنصر الضارب الأساس والذي اعتمدته التنظيمات الجهادية المحور الجوهري لربح معركة الجهاد في أوروبا ، حيث أصبح القتل عند الشباب المسلم الحامل للفكر التكفيري ، غاية كبرى وليس وسيلة ، وأن القتال الدائم وبكل الطرق هو تحقيق لفريضة الجهاد والمفتاح الأكبر الى الولاء والجنة.
وبعد تمكن هذه التنظيمات من المسح الدماغي والعقيدي لعناصرها في أوروبا ، فرضت على أتباعها من الشباب المسلم بالغرب حتمية المواجهة التي بدأت بالتفجير واستعمال الرصاص الحي ، وبعدها الى القتل الميسر باعتماد انتشار عمليات الدهس والطعن التي نشرها المدعو أبي محمد العدناني الذي دعا فيها أتباعه استغلال هذه العمليات باعتبارها لاتحتاج إلى مهارات في التنفيذ وأنها تضلل الأمن وتكون نتائجها سارة على حملة الفكر الإرهابي والتكفيري.
المملكة البلجيكية والتي تجنبت عمليات الإرهاب والتفجير سنوات عديدة ، أصبحت في السنوات الأخيرة مسرحا للجرائم الجهادية كانت أخرها تفجير مطار زافنطم الدولي الذي تسببت في خسائر بشرية و مادية ادت الى اغلاق المطار شهور عديدة ,
الشيء الذي دفع بالحكومة البلجيكية اعتماد المقاربة الأمنية والعسكرية ورفع سقف الإنذار الى السلم الأعلى فبات المواطن يتجول جنبا الى جنب مع رجال الأمن والجنود ، وراحت الدبابات والعربات المدججة بالعساكر والسيارات المصفحة تتجول بين المواطنين. مما زاد من حدة الهلع والخوف بين السكان أيام عصيبة عاشتها المملكة البلجيكية بعد أحداث 22 مارس 2016 لم ينعم فيها السكان بالأمان إلا بعدما تمكنت مصالح الأمن من اعتقال الضالعين في الجرائم الجهادية، غير أن الأضرار النفسية ظلت تلازم الناس وخاصة البلجيكيون الذين غيروا نظرتهم للمسلمين في أوروبا وعن كلما من شأنه له صلة بالإسلام.
فهل انتهى الإرهاب بعد اعتقال المذنبين المتطرفين ؟وهل المقاربة الأمنية هي الحل ؟ وهل لاخوف على أوروبا بعد اليوم من تمديد الفكر الظلامي بين الشباب المسلم ،؟ وهل الجهاديون المعتقلون في السجون الأوروبية ندموا على اقترفوه من جرم ومصائب ضد الأبرياء والأسر والمجتمعات الأوروبية ؟من الفاعل الأساسي في كل هذا ؟
تلكم هي الاسئلة الدامغة التي عمق فيها بعض الخبراء والمسؤولين عن مكافحة التطرف -بشتى أنواعه- بحثهم للخروج بمعادلة عادلة ناجعة مجتمعية رشيدة تحل محل المقاربة الأمنية وتضع حدا لمعظلة التكفير والذي حل محل التفكير والوعي والفهم واحترام الآخر.
أنها منظمة ديراديان التي اجتمع فيها خيرة
الخبراء وعلماء النفس الجريمة والحروب ورجال الدين الاستراتيجيين ، هي منظمة أنزلت للواقع حلولا جذرية ومقاربات فكرية للعلاج والإصلاح ، واستحضرت بعد البحث الأكاديمي أول تجربة ميدانية تشخيصية لفكر هؤلاء الظلاميين وعما اعتمدوه من دين وشريعة وفقه لتنفيذ عمليات القتل والجهاد ضد عدو مفتعل في بلد سموه في عقولهم دار الكفر.
ركزت منظمة ديراديان
عملها من داخل سجون بلجيكا في أوساط المعتقلين الإرهابيين واعتمدت في ذلك على العلاج النفسي والسلوكي ومراجعة نظريات الفكر التكفيري لذى هؤلاء ، بعدما استحضرت, مقارعة الحجة بالحجة لتصحيح مفهوم المجمع الفقهي لذى المتطرفين واعتمدت الإقناع بالدلائل القاطعة معتبرة جلساتها الفكرية تصحيحية وليست غسيل أذمغة على اعتبار انها اكتشاف وتحليل لشخصية المتطرف وسلوكه النفسي وواقعه الإجتماعي ، تأتي بعده مرحلة فتح الحوار مع المختصين في علم النفس الإجتماعي والجنائي وعلم الجريمة ، وهي مراحل أخدت من أعضاء المنظمة
فترة مهمة قبل الوصول الى قناعات المتطرفين رغم أن هناك من يتمسك برأيه وهنا تكمن الخطورة على اعتبار أن السجون الاوروبية لم تعد تقوى على استيعاب السجناء مما يسهل خطورة نقل عدوى التطرف بين صفوف المعتقلين .
واذا ما ألفينا نظرة حسابية على عدد السجناء في أوروبا نجد: 640.520
منها 113.000 أجانب .
وفي بلجيكا لوحدها يوجد اكثر من 10.618 سجين نصفهم أجانب.
المغاربة : 1033
الجزائريون : 559
الرومانيون : 349
اما المتطرفون في بلجيكا لوحدها 400 سجين متطرف
فرنسا 1700
هولندا : 100 سجين متطرف
بريطانيا : 550 سجين إرهابي
اما عدد السجون في بلجيكا 33 سجنا.
هي أرقام تفيد المخاطر التي قد تترتب عن مسألة استقطاب إرهابيين جدد للساحة الجهادية إن لم تتدارك الحكومات الحلول العلاجية التصحيحية لفكر هؤلاء الذين يغدون منابع القتل والعداء والإرهاب في اوروبا.
لقد خلصت منظمة ديراديان
الى معالجة الأفكار المتطرفة لذى المعتقلين والتي استمدتها من زعماء وأمراء القتال الدواعش ، وكيف استجاب هؤلاء الشباب لسرعة الطرح السلفي الجهادي الرافض لحضارة الحداثة الغربية ,ورفض التسامح والاعتراف بالآخر كما جاء على لسان بعض المعتقلين الذين قضوا في معسكرات داعش أزيد من سنة يقول ويصرح لأحد اعضاء منظمة ديراديان
أنه لأول مرة يسمع نصوصا دينية تدعو الى التسامح والتعايش ، ويتساءل في ذهول لماذا كانوا يخفون عنا هذا ؟
لقد بدأت حصص المعالجة الفكرية مقتصرة على مدينة اونفيرس البلجيكية وعلى الحالات التي غادرت السجن ، وبعد نجاحها توالت الطلبات على الاشتغال على مشروع المعالجة من مدراء السجون وعائلات السجناء ، لتصل الى خمسة سجون.
ومن هنا أقرت منظمة ديراديان تعميم المشروع العلاجي ليشمل كل الحالات المستعصية ومتابعتها نفسيا وفكريا واجتماعيا أيديولوجيا ، واعتبرتها الخيط الرابط لتفكيك وإصلاح آثار الفكر الإرهابي عند عناصر التكفير والجهاد في هذه السجون كما جاء في كتاب الباحث الأكاديمي د. ابراهيم ليتوس الذي اعتبرته المؤسسات العدلية دليلا علميا لمتابعة الحالات بين أوساط المتطرفين.
وهكذا انتقلت تجربة المعالجة الى السجون التالية : اونفيرس ، دوردموند ، بروج ، هاسلت ، ولوفن ، والمراكز المغلقة بمنطقة الفلاندرن.
وحتى في حالات السراح والإفراج يتابع الشخص بالحصص العلاجية ، وتبقى دار العدالة هي الأخرى في عمق العمل تتابع نتائج الإصلاح والإدماج حتى وصول الهدف المرجو.
وختاما لا آخرا ، إن تجربة منظمة ديراديان حققت
نجاحا لاقا إقبالا باهرا من طرف المعنيين بمكافحة الإرهاب باعتبار عملها تكميلا جادا للمقاربة الأمنية التي أبلت البلاء الحسن على مستوى الاستباق والتحذير والردع ، لكن على مستوى الحد وإغلاق منافذ الإرهاب في اوساط الشباب ، تبقى المقاربة العلاجية للفكر هي المشروع الرائد الذي سيلعب دور حماية أبنائنا من المسح الدماغي التطرفي الذي تتبناه الجماعات الإسلامية الارهابية الجهادية معتبرة شباب الأمة الإسلامية خرافا سوداء تقدمهم قرابين للتفجير والقتل ضد عدو مفتعل لا وجود له إلا في قاموس الدواعش وأتباعها.
واجب الإشارة هنا في هذا الجرد التعريفي الصريح الى الإشادة بوزارتي العدل والداخلية البلجيكية على تقديم الدعم والثقة لمنظمة ديراديان ومنحها كامل التسهيلات للقيام بالمهمة التي لاقت إقبالا واستحسانا من طرف بعض المعتقلين المتطرفين و أسرهم الذين وجدوا في الحصص العلاجية منحى تصحيحي لأفكار مسمومة مغلوطة قادتهم الى ارتكاب جرائم ستبقى عالقة في تاريخ الإنسانية على أنها مذابح جنائية باسم دين يحرم القتل وينبذ العداء والكراهية ويوصي بالتسامح بين الناس باعتبارهم شعوبا وقبائل خلقها الله للتعارف والتلاحم والتعاون, وقتل نفس واحدة ظلما هي قتل للناس جميعا….