كتاب للعياشي ابي بكر حققه سعيد واحيحي التعريف والإيجاز ببعض ما تدعو الضرورة إليه في طريق الحجاز

محمد بلمو – موطني نيوز

الكتاب الذي نقدمه ليس في أصله برحلة، كما تداولته كتب الفهارس والتراجم، وسايرها الباحثون والدارسون، بل هو رسالة جوابية، وتوجيهية مختصرة، كتبها الرحالة أبو سالم العياشي إلى تلميذه، وصديقه قاضي فاس الجديد أبي العباس أحمد بن سعيد المكيلدي بتاريخ بتاريخ 28 ربيع الأول 1068هـ/ 2 يناير 1658م، لـمادخل عليه مرسول المكيليدي وهو بفناء مسجد زاويته حاملا معه رسالة، يخبره فيها عزم المكيلدي القيام بمناسك الحج من نفس العام، فتحسر لذلك العياشي كما يشير في بداية الرسالة، لما كان يرجو من مرافقته، كما تأسف بعدم مروم الركب الفاسي الذي سيرافقه المكيلدي على بلدة آيت عياش (مقر سكنى وزاوية أبي سالم العياشي)، فيفوته ما كان يريد نصحه وإرشاده عن أمور، كرحالة خبر خبايا المسالك والطرقات بتعدد رحلاته الحجازية.
ففي هذه الرسالة الجوابية يحاول الرحالة العياشي أن يرسم للمكيلدي الطريق التي يسلكها للذهاب إلى الحج، ويعرفه ببعض ما يحتاج إليه، ويذكره بما يستعين به، وما يتقي به شدائدها، وما يستشفي به من أدوائها، وينبهه إلى المواد التي يجب أن يصحبها معه في رحلته، والأسواق والمرافق التي يلقاها في الطريق، وغير ذلك من النصائح أولاها اختيار أحسن الأركاب النبوية تؤمنه من مخاطر الطرقات والمسالك، وتجنبه اعتداءات الطرق من الأعراب، وتسهل عليه مأمورية أداء مناسك الحج، وما يجب التزود به من أسلحة، وملابس، وأطعمة، وعلف البهائم، وكاغد، ودواة، وألواح، كما ذكر له فيها أسماء المسالك والطرقات التي يسلكها الحاج برا من سجلماسة إلى الحجاز، وأماكن الإستراحة ومدتها، وما يرغب في زيارته من الأولياء، والصلحاء، والعلماء؛ الأحياء منهم والأموات، وأماكن مطالعة وشراء الكتب، وتنبيهه لما يمكن أن يتعرض له الركب الحجازي من متاعب ومشاق سفرية طبيعية وبشرية.
وأشاد الرحالة العياشي في رسالته بقوة الركب الحجازي السجلماسي عن باقي الأركاب النبوية الأخرى، الفاسي، والمراكشي والشنجيطي الذين لا خبرة لهم بالطريق، وأكثر تفوقا وقوة منها.
أيضا وجب التنبيه أن رسالة العياشي كتبت قبل موسوعته الرحلة الحجازية الكبرى “ماء الموائد” بسنوات، جعلنا نعتبرها المحفز الرئيسي الذي دفع للشروع في كتابتها عند عودته من رحلته الحجازية الثالثة والأخيرة يوم الأربعاء ظهر 17 شوال 1074هـ/ 12 أبريل 1664م، والاستقرار بزاويته آيت عياش (نسبة للقبيلة الأمازيغية) متفرغا للتدريس، والتأليف إلى أن وافته المنية عام 1090ه/ 1679م، ضمنها حياته الفكرية، والعلمية، وتجربته الشخصية كعالم ورحالة، والأماكن التي زارها، والأحداث التي عاينها وعاشها.
ولعل ما شجعنا على هذا النوع من البحث العلمي اهتمامنا بتاريخ منطقة تافيلالت، وتاريخ أعلامها، وغنى المنطقة بموروث علمي في شكل مخطوطات تحتاج لمن ييسر أمر تداولها بين الباحثين والدارسين وعموم الباحثين بالشأن الفكري . وقدمنا للمتن المحقق بدراسة حول دور الرحلات الحجية السجلماسية في تمثين الروابط الفكرية بين شرق العالم الإسلامي وغربه، ثم قمنا بالتعريف لمؤلف المخطوط، والتحقيق في نسبه، والفترة التي عاش أثناءها، وجرد لآثاره العلمية. وذيلناه بمجموعة فهارس. ولتحقيق متن المخطوط اعتمدنا ثمان نسخ في المقارنة والتقابل موزعة على مختلف الخزنات العامة والخاصة،
وسنعمل عند توصلنا بنسخ الكتاب على موافاتكم بنسخة من الكتاب.
الكتاب سيتم عرضه ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب في رواق مجلة أمل
المؤلف: سعيد واحيحي، أستاذ تاريخ المغرب الحديث بكلية الاداب والعلوم الانسانية عين الشق جامعة الحسن الثاني البيضاء
تقديم: محمد معروف الدفالي، مدير مجلة أمل أستاذ التعليم العالي نفس الكلية
شكرا على تعاونكم.

عنوان الكتاب: التعريف والإيجاز ببعض ما تدعو الضرورة إليه في طريق الحجاز.

المؤلف: أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي (ت. 1090هـ/ 1679م).

تحقيق: سعيد واحيحي.

تقديم: محمد معروف الدفالي.

منشورات : مجلة أمل، للتاريخ والثقافة والمجتمع.

السنة : 2018.

الإيداع القانوني: 2018MO2307

ردمك:978-9954-721-15-5

طبع هذا الكتاب بدعم من وزارة الثقافة

قصة السرير الخارج عن التعريف المألوف لدى الفلاسفة

بقلم أحمد رباص – موطني نيوز

“مباشرة بعد انصرام سنتي الأولى (1988-1889) كمدرس للغة العربية في فرعية تابعة لمجموعة مدارس تانسيفت وتقع في ضواحي مدينة أكدز الصغيرة، حررت طلبا للانتقال إلى إحدى الوحدات المدرسية القريبة من هذا المركز الشبه حضري آنذاك. عند نهاية العطلة الصيفية، التحقت بنيابة ورزازات مستفسرا عن مصير طلبي، فوجدت أنه حظي بالقبول، وأصبحت محسوبا على مجموعة مدارس آيت خلفون التي تغطي مؤسساتها التعليمية منطقة تمتد بنحو خمسة كيلومترات بموازاة جبل كيسان على طول الضفة الأخرى لواد درعة الذي كان يسمى بواد الزيتون قبل دخول المسلمين إلى المغرب.

علمت، لدى توقيعي محضر الدخول بإدارة المؤسسة الجديدة، أن التنظيم التربوي اقتضى أن تسند إلي مهمة تدريس اللغة الفرنسية والرياضيات لثلاثة مستويات دفعة واحدة وهي الثالث والرابع والخامس، على اعتبار أن المستوى السادس لن يضاف إلى المدرسة الابتدائية إلا في السنة الموالية. تحمل الفرعية التي كانت من نصيبي اسم أحد الدواوير التي أنشئت أول الأمر لأجل تعليم صغارها.

في اليوم الأول الذي انطلق معه الموسم الدراسي الجديد، خلعت زوج حذائي ونزعت سروالي لأعبر النهر، ثم ولجت لدوار آيت حمو أوسعيد قادما إليه من أكدز. عندما بلغت المدرسة، وجدتها خاوية على عروشها عدا بعض الطاولات المعفرة بالغبار. وجدت باب أحد الأقسام مفتوحا فدلفت اليه وحططت فيه رحالي عازما المبيت هنا في انتظار بزوغ شمس الغد لتدبر أمر السكن. هكذا، انتقيت من الطاولات أربعا ونفضت ما علق بهن من نقع كثيف فقد القدرة على الطيران لانعدام الحركة، ثم قمت بوضعها على هيئة سرير. لكن هذا النوع من السرير لا يدخل في تعريف السرير عند فلاسفة ومناطقة اليونان القدامى.. من المعلوم أن تعريف أي شيء عندهم يمر من مرحلتين: الأولى خاصة بالجنس والثانية خاصة بالفصل. فمثلا، الجنس الذي ينتمي له السرير هو أثاث المنزل، أما فصله فهو أنه يستعمل للنوم.. أما وسريري مكون من طاولات تستعمل لجلوس التلاميذ، فهذا لعمري شذوذ عن جادة المنطق لم تستطع محاولات الإصلاح المتعاقبة أن تقضي عليه لحد كتابة هذه الأسطر.
في الغد، تعرفت على المعلمتين المسؤولتين عن تعليم وتعلم تلاميذ المستويين الأول والثاني، كما تعرفت على المعلم الذي سيتناوب معي لتدريس اللغة العربية ومواد أخرى بنفس اللغة لجميع تلاميذ المستويات المسندة لي كما أسلفت الذكر. اتفقت مع زميلي على المعاشرة والسكن تحت سقف واحد قصد الاستئناس والاقتصاد في مصروف الكراء. وبما أن صديقي الجديد الذي فرضته علي الوزارة الوصية، أو على الأقل النيابة المنتدبة، يتحدر من مدينة ورزازات، فقد أعفاني من مشاركته البحث عن منزل للكراء.

فعلا، تكللت محاولته الأولى بالنجاح، فأصبح لنا منزل مشيد بالطين والعيدان يقع وسط دوار خاص بالسكان الحراطنة غير بعيد عن المدرسة التي نعمل فيها.. مع توالي الأيام، اكتشفنا أن هذا البيت الطيني مظلم في الليل كما في النهار.. الحجرة الوحيدة التي كان مسموحا لنا بالإقامة فيها غير ذات نوافذ، الشيء الذي يستحيل معه أن يدخل إليها الهواء النقي وضوء الشمس البهي.. هنا تذكرت نص الموضوع الذي أمرنا أستاذ اللغة العربية ذات امتحان في الطور الإعدادي بكتابة إنشاء انطلاقا واستيحاء منه: البيت الذي تدخل اليه الشمس يغيب عنه الطبيب… لكن المصيبة لم تعد تتمثل في امتناع دخول الشمس للبيت وإنما تتجسد في امتناع حضور الطبيب..

في منتصف السنة الدراسية، زارنا مفتش اللغة الفرنسية، وفي ختام زيارته كلفني بمباشرة أنشطة البستنة في الفضاء الخارجي اللصيق بالقسم الذي أدرس فيه، معللا اقتراحه بوجود الماء بوفرة في محيط المدرسة. قبل هذه الزيارة، وبمناسبة عودتنا الى المدرسة فور انتهاء مدة عطلة ما، عاينا كيف غمرت سيول مياه المطر المنحدرة من شعاب جبل كيسان الأقسام جميعا، ولهذا السبب تعطلت الدراسة ولم تستأنف إلا في الغد بعد ساعات طوال استغرقها جرف المياه والأوحال من داخل الأقسام.

كان بالإمكان تفادي هذا الاكتساح الطوفاني الذي تعرضت له المدرسة لو أن المسؤول عن تشييدها في بادئ الأمر اتصف بأقل قدر من الذكاء لمنع وضع الأقسام جنبا الى جنب وجعل واجهاتها مقابلة للجبل.. بوحي من هذا الوضع الشاذ، تصورت المدرسة كامرأة أمازيغية متحجبة من بنات البلد تطيل النظر إلى الجبل وتتحاشى مد بصرها نحو الواحة الزاخرة بالألوان والروائح والحركات”…