الباكاص

الباكاص ومشرع بلقصيري من أجل در الرماد في العيون

عادل الدريوش – موطني نيوز

مدينة مشرع بلقصيري المدينة المنسية كما يسميها أستاذنا الفاضل الباحث في مجال التراث الغرباوي بوسلهام الكط ، باريس الصغيرة كما سماها الأجنبي وأعطى شهادة حق في ما تحفل به من خيرات .

 هاته المدينة كانت تتميز بمرافق اقتصادية واجتماعية وفنية  وصحية غير أن الحال من المحال.. قتلها ابناءها بطمعهم وجشعهم لحب الكراسي والمال والوجاهة ، واستولى على خيراتها سماسرتها وزوارها.

وتستمر مهازل الموت البطيء  بالأمس القريب اشتكى ساكنة مدينة مشرع بلقصيري  من التلوث البيئي الناتج عن انتشار الباكاص في رحاب بيوت الساكنة ، نتج عنه اثار صحية وملوثة بشكل صارخ.

وقد تحدث لنا أحد الساكنة في حوار جانبي ” وخ تغوتو .غادي يدوزو بكم غير وقت “

بالأمس خرج مسؤولون عن كوزيمار سنة 2012  في تصريحاتهم عبر القناة الاولى المغربية ” نحن واعون بهذا المشكل وقد اتخدنا مجموعة من الاجراءات …. “

واليوم تغير كل شيء ليس لأنه هناك حل لهذا المشكل ولكن الذي تغير هو المواقع والمناصب وظهرت وجوه أخرى بكوزيمار فأبدوا عن رغبة في الحل .. هاته الرغبة تغير فيها الأسلوب ولكن الموقف ظل كما هو كتصريحاتهم السابقة..

واليوم بدت اللقاءات التي تجري أشبه بدر الرماد في العيون وزوبعة ستنطفئ مع الأيام ومع انتهاء الانتخابات القادمة .

 بينما كانت الساكنة تنتظر الحل الجدري أصبح الحل في غضون 2019 .، متى كان المغربي يلتزم بموعده شهر أصبحت سنة وسنة أصبحت عشر سنوات و عشر سنوات أصبحت الله يطول في عمركم.

هروب من نوع اخر تمثل في السعي وراء عقد شركات وإصلاحات واهية تتكفل بها كوزيمار ، بينما الأصح القضاء نهائيا على الباكاص وتعويض للساكنة عن الأضرار السابقة واللاحقة الناجمة عن ذلك.

 مؤخرا كانت وقفة احتجاجية  دليل نضال  مجتمعي من أجل الحل الجدري، لكن حين أصبح النضال عبارة عن لقاءات فيسبوكية ودعوات ولقاءات جانبية وقع كل ما لحاجة في نفس يعقوب.

 دعونا نقول شيئا .. من يريد الحل لا بد له من إرادة حقيقية وليس من أجل در الرماد في العيون اليوم وليس غدا

أحمد رباص

ذكريات تقاوم النسيان مثل جمرات تحت الرماد

بقلم أحمد رباص – موطني نيوز

خلال سنتي الأولى، لم يتم استدعائي لأي لقاء تربوي من تنظيم هيأة المراقبة التربوية التي يوجد مقرها داخل أسوار المدرسة الابتدائية لأكدز المركز..كنت وأترابي من ذوي التعيين الجديد في أمس الحاجة إلى توجيهات وإرشادات السادة المفتشين، خصوصا وقد أُسْنِدَ لمعظمنا أكثر من مستوى دراسي بينما اقتصر تدريبنا في مراكز التكوين على أقسام مستقلة. كانت تلك إذن سنة بيضاء خالية من أي اجتماع مع المفتشين بهدف تزويد المعلمين المتدربين الذين بدأوا مشوارهم المهني بتعليمات ونصائح تهديهم إلى حسن تعاملهم مع الآقسام المشتركة.

في أحد أيام منتصف تلك السنة، وصلني وباقي معلمي مجمع الفكارة خبر الزيارة التي سوف يقوم بها مفتش اللغة الفرنسية لمدرستنا في صباح اليوم الموالي. علمتُ أنها ستكون زيارة غير عادية من خلال تقلص وجوه زملائي واصفرارها لكثرة التشنجات، حتى ليخال للناظر أنها خاضعة لقبضة الثلج. لأول مرة في حياتي، أعاين كيف يرتجف إنسان لمجرد علمه بقدوم إنسان آخر!

في تلك العشية، تفاقمتت ارتعاشات زملائي وانزوى كل واحد منهم في مخبئه ليراجع التحاضير والمذكرة وسجل الغياب، في حين كان عليّ والمعلم المسفيوي إعداد تحاضير الحصص الخاصة بيوم غد نظرا لكوننا مبتدئيْن.

استيقظ المعلمون باكرا، على غير عادتهم..ذهبوا إلى المدرسة قبل حلول موعد الدخول بنصف ساعة. أما أنا فقد حللتُ بالمدرسة على الساعة الثامنة ولم أغادرها إلا عندما دقتِ الساعة العاشرة.. التحقتُ بالمدرسة مجددا عندما علمتُ بحضور المفتش برفقة المدير على متن دراجة نارية في ملكية الأخير..

كان الباقي من حصصي مبرمجا في فترة ما بعد الزوال..بعد انتهاء المفتش من جولته على زملائي الأخرين وهم يؤدون واجبهم المهني، جاء لمقابلتي في قاعة مهترئة يقال لها تجاوزا مطعم مدرسي. ألقى نظرة سريعة على الوثائق التي كنتُ قد أحضرتُها معي..ردها إليّ وقال لي إنه سيزورني في القسم بعد ظهيرة هذا اليوم..

انطلاقا من الساعة الواحدة زوالا، تحول قسمي إلى خلية نحل تعج بالحركة والنشاط، ليس خوفا من المفتش وإنما لأني أولا شاب حديث العهد بالتخرج ما يعني أني كنت أؤدي عملي بحماس، ولآني ثانيا طامع في أن يقترح المفتش على المدير ترسيمي في آخر السنة الدراسية.

هاهي حصصي قد أوشكت على نهايتها ولم يأت المفتش..لا شك أنه غادر في اتجاه أكدز بعدما تناول طعام الغذاء في ضيافة واحد أو جماعة من الأهالي..في الحقيقة جاتني زوينة، لأني لم أكن أريد أن تلتقط أذناي رقصة القلب في عمق فؤادي..الله يكثّرْ خيْرو، لأنه بانصرافه إلى حال سبيله أعفاني من أن أُحَمْلِقَ بحضوره في التلاميذ، في الأوراق المشتتة كيفما اتفق على المنضدة.
في الأيام التالية، جالستُ بالمقهى هذا المفتش الأمازيغي الأصل، الأبيض البشرة والقادم من منطقة تافيلالت. لكن في أحد الأيام ونحن جالسان جنبا إلى جنب في الواجهة على مرأى من المارة طرح عليّ هذا السؤال: أشنو اللي زوين في بنادم؟

أجبته بأن الإنسان حيوان اجتماعي بطبعه، مخترع للديمقراطية كآلية للتعايش في ظل دولة، تطورت على يده التقنية من أشكالها البسيطة إلى ما نشاهده الآن من آلات منذورة للتحسن أكثر فأكثر..قلت له الإنسان مبدع للفنون بكل أنواعها ولا يمكن حصر المجالات التي تشهد على عبقريته وعظمته. رد عليّ قائلا: هاد الشي كلو ما كيعني لي والو، الانسان مجرد حيوان خرّايْ!

أدركت لتوي أن صاحبي المفتش لم يزل رهين المرحلة الشرجية كما تحدث عنها سيغموند فرويد ولم يستطع التخلص من تأثيرها رغم أنه انتقل من معلم إلى مراقب تربوي. في محاولة مني لأجعله يتخلى عن هذه الفكرة التي حكمت عليه بالعقم مدى حياته، اسْتدْرجْتُه إلى عملية اختزال تعلمناها من الرياضيات في المرحلة الإعدادية.
قلت له إذا كان الناس كلهم مضطرون في كل يوم للتخلص من الفضلات المتخلفة عن عملية هضم الأطعمة، فمن المنطقي والحالة هاته أن نشطب على هذه الضرورة البيولوجية الملزمة للجميع دون أن يقع أدنى اختلال في علاقات الاختلاف أو التماثل الموجودة بين كل فرد فرد..أوضحت له أن عملية الاختزال هاته من شأنها أن تساعدنا على تقييم كل إنسان بناء على ما لديه من قدرات ومهارات وملكات واعتمادا على ما يعوزه منها لسبب من الأسباب.

في بداية الموسم الدراسي 1993/1992، انتقلت للعمل في مدرسة آيت عبد الله البعيدة عن المدرسة المركزية بمسافة تعادل تحليقة طائر. تم تكليفي بتدريس جميع المواد لتلاميذ المستويات من الرابع إلى السادس. أول ما لاحظتُ عند رؤيتي لموقع المدرسة أنها تجانب الطريق الجبلية التي بلغني ان أشغال تعبيدها كانت جارية قبل سنة على قدم وساق والرابطة بين تامنوكالت وقنطرة تانسيخت مرورا بآيت خلفون مثلها في ذلك مثل المدرستين الفرعيتين الأخريين.

تتميز هذه المدرسة عن مثيلتيها الأخريين بكونها سليمة من حصار جبل كيسان الذي فسح المجال للآفق حالما اجتاز آيت املكت وقارب مشارف آيت خلفون.غير بعيد عنها، ينهمك عمال البناء في تشييد المقر الخاص بجماعة أفرا التي أفرزتها الاانتخابات المحلية الأخيرة والتي ترأسها صديقي المدبر لشؤون الدار الكبيرة في مجمع آيت إسحاق.

تتكون مدرسة آيت عبد الله من ثلاث حجرات دراسية جدرانها مكونة من لوحات إسمنتية مسلحة بأسياخ من الحديد وسقفها عبارة عن شبكة من عيدان خشبية مغطاة بصفائح من القصدير. يحيط بهذه المدرسة سور طيني متواضع من حيث السمك والارتفاع. المدخل المفضي إلى الساحة عبارة عن فجوة في السور طولها متران. أمام الأقسام، هناك بنايتان: الأولى عتيقة، خربة ومهجورة والثانية يحتلها لحسابه الخاص معلم جيء به من مكناس.
في أحد الأيام، دخلت إلى الدار المهجورة لأتفحص أركانها، فوجدت بها بقايا دالة على أنها كانت فيما مضى منزلا مجهزا بالتجهيزات الأساسية من ماء وإنارة ومرحاض وحمام. زميلي المكناسي استنتج أن بقايا “الدوش” تعني أن للمدرسة تاريخا عريقا، ومن المحتمل في نظره أن هذه الدار كانت مأوى لمعلمين أوربيين.

آنذاك، كنت أقيم بمفردي في غرفة ذات باب مفض مباشرة إلى الفضاء العام المترب لمجمع آيت لحسن. في أوقات فراغي، تهيئ لي بنات الدوار المجتمعات حول البئر المقابلة لكوخي مؤانسة من نوع خاص حيث تُبِدْنَ صمت المكان بأحاديثهن وضحكاتهن. استعراضهن لمفاتن أنوثتهن وجمالهن أغواني بالتلصص عليهن عبر الشقوق الفاصلة بين الخُشُبِ التي يتكون منها باب غرفتي.

لكن، كيف تأتى لي السكن في هذا البيت الصغير المجاور لكوخ أكبر لاذت به عائلة من آيت عطا أضناها الترحال وهذتها الهرولة وراء الماعز والجمال في الأودية والجبال؟
في الواقع، تعود إقامتي هنا إلى الجزء الأخير من السنة الفائتة كنتيجة للوساطة التي قام بها صديقي من آيت إسحاق، المومئ إليه سابقا وقد كان مجرد مشروع رئيس جماعة، لدى مالك الغرفة الذي كان هو الأخر مواطنا من مغاربة العالم، هاجر منذ سنوات إلى فرنسا تحديدا. لم يترك صديقي فرصة عودة المهاجر في بداية فصل الربيع الأخير لإحياء صلة الرحم والقرابة مع أهله وذويه تمر دون أن يطلب منه الإذن لي بالسكن في بيته المهجور إلا من الحشرات والقوارض.

وافق المالك على أن أسكن مجانا في محله الطيني. لكن لا بد من ترميمه ولا بد من جعل دفة لبابه حتى يكون لائقا بإيواء إنسان مطالب بتعليم الإنسان و”يْعَدّي باللي كان”.
لهذا الغرض، اتصلت برجل من آيت لحسن عرف عنه إتقانه لحرف كثيرة دون قدرة على الانفلات من قبضة الفقر، على ذكر المثل الشعبي المغربي: “سبعة صنايع والرزق ضايع”. أبان لي عن استعداده لأن يجعل الكوخ صالحا نسبيا للسكن.بعد ذلك، استقدمته إلى حيث أنوي الإقامة ليرى ما ينبغي عليه القيام به من أشغال وليحدد بالتالي المبلغ الشامل للمصاريف والأتعاب. طلب مني سبعمائة درهم فأعطيته إياها دون مساومات أو مناقصات..رجوت منه فقط أن يترك متعلقاتي وأمتعتي عنده كوديعة أريد لحظة استردادها بعد نهاية العطلة أن تكون الغرفة جاهزة.

فعلا، مرت أيام العطلة بسرعة وعادت مياه الدراسة إلى مجاريها..لم يبق أمامنا إلا شهرين أو ثلاثة ونتحرر مؤقتا، طيلة فصل الصيف، من إكراهات مهنة المتاعب المضاعفة، لاسيما بالنسبة لأمثالي الذين يعهد إليهم ارتجالا بتعليم أطفال من مستويات دراسية مختلفة. استلمت أمتعتي والمفتاح من الفلاح “البريكولور” وبت ليلتي الأولى كوافد جديد على مجمع آيت لحسن.

خلال اليام الأخيرة المتبقية من السنة الدراسية، كنت أقطع مشيا على القدمين مسافة كيلومتر تقريبا ذهاب وإيابا بين إقامتي الجديدة/القديمة ومدرسة آيت املكت. كنت أعود منها نازلا وأذهب إليها صاعدا حسب المقفضيات التي فرضتها تضاريس الجبل. أما في بداية هذه السنة، عند عودتنا من العطلة الصيفية، فقد أعفاني الانتقال الى فرعية لآيت عبد الله من الصعود والنزول.

قريبا من الكوخ الطيني الذي اتخذته سكنا، على يسار المسلك الصغير المؤدي إلى المدرسة، كان هناك محل لبيع لحم الماعز أو الغنم. اعتاد صاحب المحل أن لا يتواجد به إلا في وقت محدد يبدا مع الصباح وينتهي عند الزوال، ما عدا في أيام نهاية الأسبوع التي تحتسب ابتداء من يوم الخميس الذي يذهب فيه القرويون المحليون للتبضع من السوق الأسبوعي لأكدز. كلما انتهى من ذبح وسلخ ذبيحته، يرمي فضلاتها وأسقاطها في حفرة تقع خلف حانوته ولا يفصلها عن منزلي سوى الممر الضيق المذكور آنفا. أحيانا كنت أجلس خارج البيت لأتأمل الجردان في الحفرة وهي تقتات على النفايات العضوية.

إبراهيم أمين مؤمن

جمر تحت الرماد أو الوصية “رواية قصيرة”                          

بقلم الكاتب ابراهيم امين مؤمن – موطني نيوز                                          

 فى مستشفى الرماد بمصر الجديدة  ,حجرة العناية المركزة ,دخل والد إحسان إثر  سكتة دماغية,أخذته عربة الإسعاف من فيلته بمصرالجديدة وسط صراخ وخوف وبكاء طفلته الوحيدة إحسان التى تبلغ من العمر 4سنوات.

على الفور أُجريتْ له الفحوصات اللازمة وتيقن الوالد بوفاته اثر سماعه لأحد الممرضات من خلف الباب تقول ” يا عينى عليه الدكتور بيقول عنده سكتة دماغية أدتْ إلى تلف خلايا المخ بالكامل والشفاء له معجزة ومش هيعيش”.

وجاءه الطبيب يقول له يا … فلم يمهله والد إحسان وطلب منه بصوت متحشرج يكاد لا يخرج من حلقه  وممسكاً رأسه التى كادتْ أن تنفجر أن يتصل له  بصديق عمره عبد التواب.

قال الطبيب له بصوت حزين ملبياً :حاضر حاضر , واتصل فحضر عبد التواب على الفور.

أجلسه بجانبه ولكى يبلُغ صوته أُذُن عبد التواب إستقربه وقال له  بعبارات متهدجة بلغتْ صوت غرغرة الموت التى تدقُّ حلقه “هذا تنازل منى عن ثروتى لحين أنْ تكبر ابنتى فارعها ورد إليها أموالها إذا آنستَ منها رُشداً,”عااااا   “فلم يكمل كلمة عاهدنى وفارق الحياة.

ونادى عبد التواب على الطبيب فدخلت الممرضة وجست عنقه وأمسكتْ بيده وتفحّصت حدقة عينيه وقالت “الباقى فى حياتكم “

أقبلتْ إحسان على عبد التواب وقالتْ له “بابا هيروح عند ربنا يا عمو؟ ” فانهمردمعه و تهدج صوته حتى خنّ كل الخنين.

                      *************

  مرت أيام حتى إذا ما برد الحزن فى قلب عبد التواب,بدأتْ تتجسد له نفسه الأمارة بالسوء ويوسوس له شيطانه أن يستحوذ على الثروة و يرعى الطفلة, فباع كل شئ وحوّل المال إلى بنوك سويسرا,وأخذ إحسان  وسافر بها الى أمريكا حتى لا تشبّ  وتترعرع وسط المعارف فيعلموها بحقيقة الأمر ,هرب من نفسه الطامعة التى تحدثه بمعاملة روضة معاملة الإبنة الوريثة الشرعية له هو بعد مماته ليلبسها لباس النفس المثابة التى من حقها هذا المال مقابل رعايته لها.

لقد سيقتْ له ثروة صديقه فرآها فى عينيه حلوة نضرة تدعو إلى الطمع و الملك فامتلكها , نفسه التى أُبتليتْ بالمال فلم يستطع ردها عن غوايتها إلا أن يمتلكها فى حياة إحسان وترثه بعد مماته, هذه هى الوصاية فى دأب النفس الشقية وفى دأبه,هذا هو الضمير الذى يحاول عبد التواب رشوته لكى يَرضى فيسكن فى جسده ولا يؤنبه.

 ورغم ذلك فكان كثيرا ما يتململ فى فراشه ويطارده الماضى فى أحلامه الذى سعى بكل قوة فى طرده  ولكنه يعود ليطرق مسرح حاضره ليفزعه .

ترعرتْ روضة وشبتْ عن الطوق فى كنفه,ولم تدرك إحسان حقيقة الأمر خلال كل هذه السنين ,فكل الذى تعلمه أن عبد التواب صاحب هذه الثروة .

حصلت على بكالوريس الطب بتفوق ودرّست فى الجامعة .

و كانت تري فى عبد التواب صورة أبيها و صاحب فضل عليها,وهو يرى فيها رسالة الخلاص له من تأنيب الضمير بتربيتها ثم الزواج بها ,لم يجد غضاضة فى الزواج بها  فوجهها مشرق  وجسدها فائر متفجر يكاد يقفز من بين ملابسها.

وظلتْ تحمل له تلك المشاعر الأبوية النبيلة التى ملأتْ وجدانها حتى فاتحها عبد التواب برغبته فى الزواج منها .

نزلتْ رغبة عبد التواب فى قلبها نزول الصاعقة ,وجثم على صدرها وفائه لأبيها وحسن تربيته لها  حتى ما استطاعت الخلاص من ذاك الجثوم إلا بالموافقة والرضا.

وهكذا فبعد ان سلب مالها سلب شبابها .

والناربداخله لم تخمد بل زاد تسارعها وغيظها , نارٌشبتْ وازدات بعد الزواج بها .

واصبح ضميره اشد ضراوة وبأساٌ وتنكيلاٌ به .

مرتْ عشر سنوات على الزواج بها ,وبعدها اصبح عبد التواب لا مأرب له فى المضاجعة حيث انقطع به السبيل مع طعنه فى السن  فقد ناهز السبعين عاماً.

آثرت إحسان ان تعيش فى بلدها مصر فقررتْ العودة وشراء مستشفى هناك,فاتحته فرفض,رفض العودة ولم يعترض على شراء المستشفى,قال لها اشترِ أى مستشفى فى أى ولاية.فرفضتْ وقالتْ أحب أن أعيش فى بلدى

 و أمام رغبتها وإصرارها مع حبه إياها لم يجد بُدّاً من تلبية رغبتها .. وعادا إلى مصر

                    

                  ************

بدأت إحسان فى البحث والتقصّى ومقارنة العروض والبحث عن مزادات لشراء مستشفى .

وبدأت تستعين بذوى الخبرة فى هذا المجال حتى استقر الرأى على مستشفين أحدهما تسمى السلام  بالحى اللاتينى-اسكندرية, والثانية تسمى الرماد بمصر الجديدة .

وسافرت إلى اسكندرية أولاً وقابلتْ صاحبها وتفحصتْ المستشفى فوجدتْ أن السعر إزاء ما رأتْ مغرٍ جداً ولكنها أجلّت قرار الموافقة حتى تذهب إلى مستشفى الرماد .

وذهبتْ إليها وقابلتْ مالكها وصاحبَها إلى كل الأقسام ,وبعد المعاينة عنّ لها الأمر ,السلام والرماد متساويان فى الإمكانات ولكن فى الرماد يطلب مالكها مبلغاً كبيراً.

 هناك شئ يجرفها نحو شراء الرماد , يدفعها ويختلج صدرها ,لا تدرى بالضبط ,شئ نفسي يستنفرها على شراء الرماد,تشعر بأنَسَةٍ وكأنها أقامت فيها من قبل أو كأنها رأتها فى أحلامها , فقررتْ رفع الستار عن ذاك المجهول وضحتْ بالمال فى سبيل ذلك, واشترتها .

ذهبتْ إلى البيت وكلمتْ زوجها فى الأمر لإحضار المبلغ المطلوب والذهاب معها لتنفيذ إجراءات الدفع والتسليم ونقل الملكية وخلافه  فقال لها حاضر,أين هذه المستشفى؟

قالت :مستشفى الرماد بمصر الجديدة .

فلما سمع الإسم تسمرتْ قدماه حيث يقف ودبّ فى قلبه الخوف وامتقع وجهه ,وعندما حاول أن يتكلم أحس بصعوبة وكأنّ أحداً ممسكٌ بطرف لسانه  ثم فغر فاه مندفعاً وأطلق قذيفته مقتلعاً لسانه من سقف حلقه وقال حانقاً ريثما تمالك نفسه , إشمعنى مستشفى الرماد ؟ هو مين اللى قالك عليها؟ أكيد كدّاب.

قالت متعجبة: إهدأ إهدأ هو مين اللى كداب! أنا استريحتُ لها وعجبنى نظامها!!

ثم حرك قدماه الثقيلتين وجلس ثم حدث نفسه قائلاً:إلى متى يا عبد التواب يظل يطاردك المطرود ؟ لقد حاولتَ مراراً أن تُفرغ مسرح حياتك من الماضى ولكنه يطاردك فى الأحلام واليقظة وها هو الأن قد دنا منك أكثر واكتنفكَ والتفَّ حول رقبتك صباح مساء.

ثم التفتَ اليها وقال متوسلاً,عشان خاطرى إختارى غيرها.

قالت :لا أجد مبرراً لرفضك يا حبيبي ,عشان خاطرى وافق.

ولم يجد عبد التواب بُداً من ذلك فوافق أمام إصرارها الممزوج باستجلاب عطفه وحبه .

فلمّا وافقتُ قالتْ شكراً يا أعز الحبابيب ثم رقصتْ وأخذتْ بيدي لأرقص معها ولكنى ما أستطيع مجاراتها فهى لم تتجاوز الأربعين بعد وأنا ناهزتُ السبعين عاماً.

                        ************

واشترتها  وقررتْ عمل صيدلية مجانية فيها بالبدروم بعد إفراغه من المكاتب الإدارية والكافيتريا  .

جلستْ إحسان تفكر فى إيجاد مدير أدارى للمستشفى فدلها أحد المتخصصين على بروفيسور ثائرعبد القوى .

إتصلتْ به فحضر وما إن قابلها انتابته رعدة الشهوة ,فعلاوة على شهوته الجامحة نحو النساء يجد أمامه إمراة بارعة الشكل والقوام.

وجه صبوح وجسم فائر وبشرة ملساء واهتزاز فى مؤخرتها ونهديها أثناء السير والكلام.

عرضتْ إحسان عرضها له ولكنه  تائه فى ملكوت آخر,ملكوت مضاجعتها.

لم يسمع جاسر من عرضها شئ إذ أنه كان تائهاً فى ملكوت من أل “آآآآآآآآه ” التى تُصيب المرأه عند بلوغ ذروة الشهوة تحت تأثير عملية الإيلاج والمضاجعة.

إنه يضاجع النساء دائماً لأنه مريض بداء الجنس ولا يستريح إلا بعد ان يسمع صراخهن.

وأخرجته إحسان من غفواته الشهوانية بتكرار كلمة دكتور ؟ أستاذ ثائر موافق ..دكتور دكتور

فقال لها بصوت مضطرب وعينه تحدّقٍ فى ثديها : أيوه يا دكتورة طبعاً موافق طبعاً .

ترك جاسر المستشفى عازماً على الإيقاع بها بكل السبل وظل يفكر فى إيجاد مدخل يدخل منه اليها .

بدأ جاسر فى المواظبة على أعمال المستشفى مع محاولة منه للإحتكاك بإحسان كلما سنحتْ له الفرصة , كثيرا ما كان يحاول الخروج بها من جو العمل وجرها إلى الكلام عن الامور الشخصية والصداقة والحب والكره والمجتمع ..الخ. ولم تر إحسان مانعاً فى ذلك حتى بدأ الاثنان بالفعل الحديث سوياً فى بعض القضايا الإجتماعية والسياسية التى تجتاح مصر والعالم هذه الأيام .

حاول ذات مرة جرها إلى أدق الأمور العائلية الخاصة بها فقلت له ببسطة الحمد لله كل شئ على ما يرام ,

و لم تبادله نفس الشعور فى محاولة اقتحام خصوصياته أو ايلاج الباب له أمام خصوصياتها.

وفى يوم أجازتها استاذنتْ عبد التواب للذهاب إلى المستشفى  حتى تعمل جرد للصيدلية بالبدروم,ومن عادتها أنها تقفل الصيدلية فى هذا اليوم  وتمنح أجازة للصيدليين فيها .

وبينما ثائر يسير لتفحص حال المستشفى رأها خارجة من حجرتها مرتدية زى العمل فناداها

دكتورة دكتورة فلبته وقالت صباح الخير أستاذ ثائر أنا نازلة الصيدلية عايز حاجة؟ قال لا

فتركته وظلّ مضطرباً يذهب ويجئ واضعاً سبّابته وإبهامه أسفل شفّته السفلى يحاول ان يتمالك فكره ليأخذ قراراً صائباً آمناًً , ولكن ّ الشهوة أعمته فاتخذ قرار الحمقى بعد أن داعب قضيبه .

أسرع بالنزول إلى البدروم .

فنزل وطرق الباب ودخل  فقال لها آتى أساعدك فوافقتْ بالطبع لإن ذلك سيسرع من إنجاز الأمر ونجاحه.

وبدءا عملية الجرد فبينما هى تحملق فى الأدوية وتحصيها إذا به  يحملق فى جسدها الفائر ,وجسده يرتعش وينساب والغريزة تتوثب و تجرى فى عروقه ,وبعد برهة قال لها بصوت رخيم  مكير, ما رأيك نستريح؟ فوافقتْ.

                   **************                                                 

شعر عبد التواب ببعض الشك فى قلبه إذ هى أول مرة تذهب للعمل فى أجازتها فذهب لأول مرة إلى المستشفى وسأل عنها فدلوه فنزل إليها فوجد المفاجأة .

 وجدها بصدر عارٍ تماماً وبنطلونها مُلقىً على الارض غير أن كلوتها فى منتصف ساقها , وتلفتتْ نحو الداخل فإذا به هو عبد التواب فرفعتْ كلوتها وقالت فى رِعدة ممزوجة بالدمع  عبد التواب!!!!

ااانا , “ثائر ” قل له أنت الذى (……. ), فلم يعبأ ثائر بقولها ثم قرر الإنسحاب إذ علم أن هذا الرجل أبوها (هو ظن ثائر) وخرج من الصيدلية غير عابئ باستغاثتها له ومضى.

نظر إليها وقال لها يا خائنة وهمّ بقتلها ولكنها استطاعتْ الهرب .

سار متسنداً على جدار الحائط حتى جلس على أقرب كرسٍ مهدود البدن ذليل النفس منكّس الرأس دامع العين.

ونظر فى يده التى فارقها الكولاجين فمقتها, ونزلَ من شعره شعرة بيضاء على يده المجعّدة فرماها لاعناً  .

ذله هرمه واسترجع السنين السوالف حيث كان يرقد لا ناقة له ولا جمل فى المضاجعة , نائم بجانبها فى جنح الليالى لا حراك,وهى ترتعش بجانبه , تأخذها غريزتها المتوثبة المرتعشة وتسوقها فى لهفة وجنون الى تقبيله وملاعبته بيد أن الشهوة بداخله قد فارقته منذ سنين طوال.(بينام جنبها زى حتة خشبة).

                 ***************                                                      

وبينما هو  شارد الفكر يسترجع شريط حياته مع أبيها ومعها ,لعن اليوم الذى ذهب فيه إلى الرماد يوم دعاه أبوها وهو على فراش الموت,ولعن اليوم الذى سلب فيه مالها واليوم الذى تزوجها فيه .

تتنازعه الخواطر والأفكار ,مرة يجد فى سلبها ما يشفى امتعاضه وغليله على ما ارتكبتْ فى حقه من خيانة ولا يجد جرماً أفظع مما اقترفتْ فالخيانة طوفان متعفن والتوبه فيها خرساء لا تتكلم , ومرة يجد فى خيانتها عقاباً له من ربه فأكل مال اليتيم نار تتأجج فى بطون آكليها.

بينما هو على ذلك إذ وجد أمامه ظل ضوء خافِت ,لم يلمحه إلا لمّا رفع رأسه فتلاقتْ الأشعة بعينه,إنه ضوء كاميرا المراقبة  معلقه فى سقف الصيدلية, فمد يده يريد أن يري خيانتها ليطفئ نار أكل مالِها بجُرم خيانتها .

وكانت المفاجأة…

المفاجأة : هو مشهد مغاير تماماً لمَا كان يعتقده , دنا منها من الخلف ووضع يده على مؤخرتها حيث كانت تُحصى أدوية إحدى الفتارين فقالت إيه ده يا دكتورإنتَ مش صغير على الكلام ده عيب,إنتَ شارب حاجة ولا إيه؟

قال وعينيه تدور ودقات قلبه تتسارع ولسانه يمسح به شفتيه ,عايز أشْرَبِك وأكولكِ.

قالت: إبتعد وإلا هصرخ وافضحك و   …

قال:مش هتقدرى عشان إنتِ صاحبة المستشفى وكمان هتجنّى عليكِ واقول حاجات مش كويسة, أومال إنتِ جيتى فى يوم أجازتك ليه؟

قالت :خلاص أنا هسامحك بس إبعد ,قال:أبعد بعد ما مسكت القمر!

ودنا ثائر أكثر ونزع حمالة الصدر وهى تدفعه وما ان خلع البنطلون ثم نزع الكلوت حتى تدافعا معاً نحو الفاترينة فانكسرتْ فأمسكتْ بشريحة زجاج وكف يدها يقطر دماً ثم انزوتْ بعيدة وأخذتْ تهدده  بطعنه وهى ترفع الكلوت حتى بلغ منتصف ساقيها وهو يقول وانا احب اموت شهيد غرامك تعالِ يا حُلوة.

وحتى هذه اللحظة ظهر عبد التواب فى الكاميرا وظهر بقية المشهد المذكور آنفاً .

تفحص عبد التواب بنظره إلى الفاترينة فوجد الزجاج المكسور ثم نهض ناحية المكان الذى انزوتْ فيه فوجد قطرات الدم ما زالت سائلة لم تتجلط.,وعندئذ تيقن بصحة التصوير وتأكد من براءتها.

فتجسد له قبح غدره رغم وفائها ,وذبول هرمه رغم نضارة شبابها ,وأنانيته المفرطة إزاء عطائها .

تكتلتْ كل هذه المشاعرثم انفجرتْ فى أعماق قلبه فحس ,حس بأكبر عملية غبن عرفها التاريخ “عبد التواب يغبن إحسان”

 أخذ مالها وأعطاها رعايته,وسلب شبابها وأعطاها هرمه

وطعنها فى شرفها وهى حافظة له مستقتلة عليه علاوة على العزم على قتلها لظنه بخيانتها .

 عندئذ ٍ قرر الخلاص .

أصدر صرخة الخلاص وقال آاااه يا عبد التواب  ما عندك شئ تعطيها غير السلب والنهب,حتى رعايتك لها كان قتلك إياها.

وقرر أن يمضى ويترك كل شئ, مالها وشبابها الذى على شفا الإنهيار  فهذا أقل ما يقدمه لها  ,وترك المستشفى تاركاً جواله خلفه ومرسل عليه رسالة “انى راحل ولن اعود فلا تبحثى عنى”  ,وأنزل كاميرا المراقبة عامداً  ليعلمها أيضاً أنه عَلِم براءتها , وخرج وأقفل الصيدلية وكتب عليه “لا يفتحها إلا صاحبتها.. إمضاء عبد التواب “فترك المستشفى ومضى .

                ***************

خرجتْ إحسان من الصيدلية تجرى وتبكى حتى وصلتْ سيارتها فركبتْ ومضتْ .

ومن هول الواقعة تجسدتْ أمامها وارتكزتْ فى مخيلتها طول فترة قيادتها للسيارة ,وخاصة الفاترينة التى كُسرت ثم فرملتْ ْالسيارة فجأة كأنها تفادتْ حادثة اصطدام إنسان وقالت: الفاترينة الفاترينة .. الكاميرا كانت موجهة بالخصوص على الفتارين  .. الكاميرا , الكاميرا , الكاميرا لابد أن أرجع قبل أن يرجع ثائر ويسرقها  ليشاهد جسدى فيها وتضيع برائتى إلى الأبد ,أدارتْ السيارة واتجهتْ الى المستشفى وأمسكتْ جوالها لتتصل بعبد التواب فوجدتْ رسالته “إنى راحل ولن أعود فلا تبحثى عنى”قرءتها ثم اتصلتْ  ولكنه لم يرد , طول الطريق تقود بسرعة جنونية  وتتصل حتى وصلتْ فوجدتْ الصيدلية مغلقة ومكتوب عليها “”لا يفتحها إلا صاحبتها.. إمضاء عبد التواب ” ففتحتها دون تفكير ووجدت الكاميرا على الأرض وعليها مشهد المراودة كله ,ثم وجدتْ الجوال بجانبه 47 مكالمة لم يرد عليها .

قفلتْ الصيدلية وحملتْ كاميرا المراقبة فى السيارة وأدارتها متجهة الى البيت ونادتْ ..عبد التواب عبد التواب …لاحياة لمن تنادى..

ترددتْ على أماكن تواجده فلم تجده ,كثّفتْ البحث حتى بحثتْ عنه فى الطرقات والأقسام والمستشفيات فلم تجده , بلّغتْ البوليس للبحث عنه وأخيرا إتصلتْ بثائر تهدده وتتوعده  بخطف زوجها وأنه هو الذى أجبره على كتابة رسالته الأخيرة اليها لتنساه ويخلو له الجو  , فلما أنكر قدّمت بلاغاً تتهمه فيه بخطف زوجها ولكن النيابة أخلت سبيله على الفور اذ لم تجد اى دليل يدينه.

وبمزيد من التفكير والإستنتاج تيقنت إحسان من براءته ليس لإخلاء النيابة سبيله , بل لمّا تذكرتْ وجود الكاميرا بالأرض والتى تثبت براءتها فضلاً عن قفله الصيدلية بعد كلمته “لا يفتحها إلا صاحبتها”والجوال بداخلها.

                ***************                                    

خرج هائماً على وجهه سائراً حيث لا يعلم , المهم أن يسير بلا توقف ,الى المجهول  اى مجهول,يسير حتى تزلَّ قدماه ,حتى يفرّغ من قلبه وحشاً ظل جاثماً عبر كل هذه السنين,وحش قبيح المِرآة التهم صديقه وابنته وآن له ألان ان يُطرد .

واستطرد فى حديثه لنفسه قائلاً:

ما نِعمتَ يا عبد التواب فى حياتك لحظة واحدة ,أطفاتَ الناريوم كانت الوريثة الوحيدة لك وأصبحتْ رماداً ولكنك ما استطعتْ ان تطفئ الجمرات تحتها, فسلْبكَ هو الجمر ولا سبيل لإطفائه إلا بالخلاص ورد الأمانة إلى أصحابها.

البست َالباطلَ لباسَ الحق فانسلخ الحقُّ عنه وجرى وانتصب الباطل أمامك ولكنك كنتَ تتجاهله وتعاود الكرة وتلبسه لباساً جديداً.

لا سبيل لإلباس الباطل يا عبد التواب إلا ان تلبسه أكفان القبر.

ألان اطفاتُ الجمر تحت الرماد ,فى البدروم أسفل الرماد أطفئتُ النارلحظة ان إنتويت الرحيل ,آن لك اليوم ان تستريح,فطبب حريق قلبك الذى أحرقته نار الأطماع.

وظل هائماً يحدّث نفسه حتى ثقُلت قدماه فبدأ يجرجرها, وما انْ عجزتْ عن حمله إرتكز على سور الحديد الحاجز لكورنيش النيل وجلس على مقعدته,وما إن جلس حتى سمع صوت حشرجة عن يمينه فالتفتَ فإذا به ماسح أحذية يلفظ أنفاسه الأخيرة ,فقال له ما لك يا رجل؟

قال الماسح وهو واضع يديه على رأسه من شدة الألم:أوصيك بأطفالى فهم جياع  وهذا تيلفون أمى  فاتتتت … ما استطاع أن يكمل كلمته “فاتصل “

مات الماسح  بعد وصيته له مما أثار دهشة عبد التواب,وصية فى الشباب ووصية فى الهرم !!!

وقال لنفسه فأوفِ فى هِرمكَ علّه يصلح ما أفسدتَ فى شبابك  ,وشعر أن هذه فرصته ليكفّر عن خطاياه بالإحسان ,وظل عبد التواب يقلبه حتى يعرف عنوانه أو رقم تيلفون أحد معارفه أو زوجته او … الخ.

قلّب فى الجوال فوجد كلمة “ست الحبايب ” فعلم أنها أمه واتصل فكلمته وقالت له إنتَ فين يا ابن الجزمة “كانت تداعبه بذلك” تعال ان شاالله تجيب عيش حاف,ورغم أنها كانت تداعبه إلا أنها تلك المرة كانت توبخه على صراخ أطفاله الذى طال.

قال عبد التواب :أنا صاحْبه إنتِ ساكنة فين يا سيدتى .. فأخبرته فقرر الذهاب إليها بالطعام كما قرر وبصفة نهائية قضاء ما تبقى من عمره بجانب هؤلاء الأطفال يطعمهم ويرعاهم ليكفّر عما اجترحه فى حق صديقه وابنته.

                 ****************

قرر ان يعمل ماسح أحذية فقد كبر سنه,حتى التلميع  مسألة شاقة له  ,وفكرة ذهابه الى إحسان ومصارحتها بالحقيقة وأخْذْ بعضٍ من مالها ليعول الأطفال  لم تراوده قط ,فإحسان بالنسبة له آخر من يقصدها ,بل إنه يدبّر فى نفسه كيف يواجهها بالحقيقة فما زال كل شئ مِلْكه وما زالت زوجته ولكن ذنبه عظم فى نفسه ففتت عزيمته فى المواجهة .

سار عبد التواب بعدة تلميع الأحذية ومسح أول حذاء فى حياته ثم ذهب به إلى العنوان الذى أخبرته به السيدة وقرع الباب ودخل.

فوجد أمه تجلس على كرسٍ متحرك بسبب شللها والأطفال ينادونها “يا ستى يا ستى بابا قالك هيجى إمتى”

فذرف من عينيه دمع ساخن وناولهم الطعام .

كلمته السيدة  إبنى مات ازاى يا افندى؟ فين ابنى دلوقتى يا افندى؟

فأخبرها بالواقعة كلها .

وتعجب من العجوزة إذ أنها لم تصرخ ولم تتفاجئ وهزّتْ رأسها يميناً ويساراً وفوقاً وتحتاً وقالت بحزن والدمع على الخد  , يا حبيبي يا راضى كنتُ حاسة إنك مش هتيجى النهاردة,لكن ربنا موجود .. ربنا راضى عنك, ربنا راضى عنك يا حبيبي فى أمان الله ثم أردفت :كان بيقطع نفسه عشان يعالجنى ويأكل أولاده لكن كل حاجة غليت فى البلد دية إلا احنا يا جدع,الكبار أكلوها ولعة وتركونا ناكل فى بعض,ثم أطرقت ْبرأسها وأسدلتْ جفونها وسكنتْ.

                    ****************

رقد عبد التواب مكان راضى “ماسح الأحذية “حتى إذا انبلج الصبح حمل أدوات العمل خلف ظهره ومضى لا يدرى أين يجلس.

وما إن وجد مكاناً خالياً جلس فيه غير انه لم يمر به أحد ,فنهض وبحث عن مكان آخر فوجد فيه ماسحاً يثرثر ويصفق وينادى “تلميع تلميع “بعد أن أسقط نقوداً فضية فى حصالة صاج وشخللها بعد ان قربها إلى أذنه , أخذها من زبون منذ لحظات.

فأنزل رَحْلِه من فوق كتفه وجلس ,وسرعان ما قام إليه الرجل يضجره قائلاً :أنت جاى علىّ بروح أمك امش ِ ياض من هنا.

مشى عبد التواب حتى ابتعد عنه مسافة كافية وجلس, بينما الرجل يرمقه حتى يطمئن أنه ابتعد و ترك منطقته.

وقف عند عبد التواب رجل يتكلم فى الجوال غاضباً متأففاً صلفاً يتوعد بملاحقة الخلايا الإرهابية وإبادتهم عن آخرهم ويقول لمحدثه “بشرف أمى لأبيدهم عن إخرهم أولئك الملاعين واقصقص دقونهم واعملها مقشات أكنس بيها الزبالة ,وبعد أن أنهى مكالمته  ناوله قدمه ,فبدأ يلمّع  ونظر إليه الرجل يحملق في يديه الناعمة ووجهه الذى يبدو عليه مخايل الأرستقراطيين الأثرياء ثم أدار بصره  فى الحذاء الذى لم يحسن تلميعه و نهره صلفا متوعدا :انت منين يا شوال عضم انتَ

 لمّع كويس ولا اخلعها ونزّلها على دماغك ,هى نقصاك أنت كمان .

كظم عبد التواب غيظه حتى أنهى عمله ومضى الرجل,وقال فى نفسه الأن عرفت كيف مات اضى “ماسح الأحذية “

             ******************

مرتْ شهور وعبد التواب على حاله تلك , وكانت تراوده دائماً فكرة الذهاب الى مستشفاها ورؤيتها من بعيد , بل تراوده فكرة ملاقتها ليقول لها حقيقة الوصية ويرد لها مالها ويحررها.

ولكنه اختار الطريق السهل وهو رؤيتها من بعيد وأرجأ أمر الوصية إلى حين.

, فقرر أن يقترب منها دون أن تراه ,فيأخذ عدته ويذهب كل يوم إلى المستشفى ليلقى عليها نظرة خلسة .

ورضى بحياته تلك إلى أن جاء يوم وهو أمام المشفى ففاجأته دوخة ودوار حال دخول إحسان مستشفاها وسقط مغشياً عليه ,فتسوره الناس وحملقوا فيه وكانت رءوسهم مشرأبة وعيونهم مستطلعة واسترجعوا واستشهدوا , وقالوا الدنيا مفهاش خير فين أهل الراجل ده عشان يسبوه يمشى فى الشارع فى الحر ده بالعدة دية  ,وآخر يقول :تلقى ولاده رموه فى الشارع يا عينى ,فالتفتت إحسان إلى الناس وهم يضجّون وهرعتْ لترى ما حدث فرأته وقالت :

عبد التواب حبيبي إيديكو معايا يا ناس وكاد قلبها ان ينخلع وهى تستغيث وتصيح .

قامتْ إحسان بعمل فحوصات له وتبين أنه مصاب بسكتة دماغية فصُدمت وضَربتْ بيدها على صدرها وقالت يا خبر اسود ,عينى عليك يا حبيبي يابابايا ,أنا السبب أنا السبب.

               ****************

جلستْ بجانبه فى حسرة تغمغم وتتأوه حيث أنها تفقد اليوم الحبيب والأب,علاوة على ظنه فيها بالخيانة .

بينما يديها تتخلل لحيته البيضاء ثم تتحسس ملامح وجهه العجوز وتصفف شعره بقايا شعره الأصلع وتهذبه وتمسح عرق جبينه إذا به يستيقظ .

نظرتْ إليه بوجه ممتقع وعين سرعان ما ذرفتْ الدمع حال يقظته إذ به ينفجر فى البكاء رغم الصداع المميت فاحتضنته وقالت

معلش شدة وتزول .

 تأمل فى الحجرة ودموعه تبلل وجنتيه والعرق يتصبب من جبينه حتى السرير نظرإليه يتأمله,هو نفس السرير الذى مات فيه أبوها  ومن الصداع علم انه هو نفس المرض فقال فى نفسه “جزاء وفِاقاً يا عبد التواب “.

 ونصب وجهه تجاهها وقال مكسور النفس  :نفس المكان يا إحسان , نفس المكان .

قالت أى مكان … قال:الجريمة ,الوصية.

فتعجبتْ قائلة جريمة ,وصية .. ما لك حبيبي؟

ألان أزيح من صدرى الهم الجاثم عليه  منذ أربعين سنة.

ألان أطفئ الجمرات وأخمد النيران التى ظننتُ أنى حولتها إلى رماد.

أبوكِ كان هنا فى هذه المستشفى وهذا السرير ومات بنفس المرض الذى سأموت به ألان كان هنا من أربعين سنة.

وقص لها الحقيقة كلها مروراً بوصية أبيها والسفر إلى أمريكا ورفضه شراء المستشفى ورؤيته لكاميرا المراقبة دليل براءتها.

ذُهلت ولكنها سرعان ما تمالكت نفسها فقالت له : المهم تقوم بالسلامة يا حبيبي

فتقطع صوته من كثرة الدمع فاحتضنته ,وقال لها مسمحانى يا إحسان ,, قالت وهى تضمه إلى صدرها بقوة والدمع ينفجر من عينيها : مسمحاك يا حبيبي.

إحسان , الوصية , أوصيكِ بأطفال وسيدة عجوز فاحضريهم واجعليهم أهلاً لكِ,قالت هم أهلى وسنرعاهم معاً

وأعطاها العنوان ورقم التيلفون  وقال  ألان يحسن المنزل ويطيب الفراش و تهدأ العيون من السهر ويستكين الضمير

ثم شهق شهقة الموت .

ضّمته الى صدرها وصرخت صرخة العزاء

 

           *****************

                                                  انتهت بحمد الله فى اكتوبر 2017 : ابراهيم امين مؤمن