هيام الكناني

المحقق الصرخي والانتماء الوطني وتحقيق الآمن الفكري

هيام الكناني – موطني نيوز
مما لاريب فيه أنّ السلم هو مطمح آمال المجتمعات الإنسانية كلّها، إذ هو المناخ الذي يتحقق فيه الأمن وتشيع فيه الطمأنينة ؛ الآ أن السلم لايأتي من فراغ وليس شيئاً يُصنع أو عملاً يُمارس ؛ بل هو رغبة في النفس ومقصد من أهمّ مقاصد الإنسان السويّ، وإنّما سبيل الإنسان في تحقيق رغباته والوصول إلى مقاصده أن يبحث عن الأسباب الموصلة إلى تلك الرغبات والمقاصد، فيمارسها ويعكف على إنجازها.
لذا نجد أن الاسلام قد أوجد الإسلام أمّة رسالية صاغها على عين تعاليم الرسالة الإسلامية، واستمدّت ثقافتها من كتاب الله تعالى وسنة نبيّه المصطفى عليه أفضل الصّلاة والسلام. فقامت هذه الأمة على ثقافة الأمة الواحدة المتماسكة، ولم يلتحق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالرفيق الأعلى حتى أكمل الله الدين وأتمّ النعمة، إذ ألّف بين قلوب المسلمين وجعلهم إخوانا فنزل قول الله تبارك وتعالى في عرفة في حجة الوداع: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” (المائدة 3)، ورحل النبي عليه الصلاة والسلام عن أمته وقد تركها على المحجّة البيضاء ليلها كــ نهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. هكذا هو أسلام محمد صلى الله عليه واله وسلم وأسلام الاولياء والتابعين الصالحين .. لكن النفس ميالة للهوى والتخبط حين تنتزع من روحها جوهر الاسلام فتغوص في عمق الجهالة وتسقط خلف ادران المكذبين والمنافقين فتكون عرضة للسفال والانحطاط فتقع في مهاوي الردى وهذا ما ساعد دعاة الظلال والاظلال والتكفير والتطرف الى زرع بذور التفرقة بين ابناء الاسلام فحصدت شر اعمال الكثيرين فغلبت وعمت الفوضى ارض الاسلام ؛ ولعل المتتبّع للتّاريخ يجد أنّ المجتمعات المتنوعة لطالما عانت من انشقاقات ضربت أمنها ووحدتها وتماسكها في الصميم نتيجة للتطرّف الفكري: وتاريخنا الإسلامي حافل بالمعاناة من انشقاقات أحدثها التطرّف الفكري تصدّع منها شمل الأمة الإسلامية. ولهذا كان لزاماً على دعاة الامة الاسلامية وقادتها وعلمائها الدور الكبير والمهم في تبصير المجتمعات بسمو سماحة ويسر تعاليم الإسلام وانفتاحه على الآخر وإيمانه بالحوار أساسا للتعامل مع الأديان والحضارات والثقافات، وتبيان خطر الحركات الدينية المتطرّفة التي تستغل نزعة التديّن الفطرية النقية استغلالا منحرفا يغلب عليه الجانب السياسي..
لم تُترك الآمة سدىً بيد أئمة الضلال بل كان لأعلام الأمة ودعاتها الاثر البارز في توعية الناس من الغلو والتكفير والتطرف والتحذير منه فكان المحقق الصرخي الحسني الفكر الضارب بالحق والمنهاج القويم الذي صحح منهاج الباطل وكشف زيف الادعياء بفكره وعلمه وأخلاقه فلطالما دعا ويدعو الى المنهج المعتدل الذي يتضح من قوله في بيان (وحدة المسلمين في نصرة الدين) “إننا لا نعترض على الفكرِ وتبنّيهِ ولكنَّ اعتراضَنا على خروجه من النظرية والفكر الى العمل والتطبيق وتوظيفِه في الافتراء والافك والبهتان على الاخرين و تكفيرهم واباحة دمائهم واعراضهم واموالهم، فالخطورة ليست في الفكر النظري والبحث العلمي بل في الترجمة العملية والتطبيق الخارجي التي ترتب ويترتب عليه المهالك والقبائح والمفاسد”.
وبيّن أن سماحته لا يدعو إلى إلغاء حريات الآخرين بل يدعو للأخوة والتآلف والمحبة بقوله “نحن لا نريد الغاء حريات الاخرين واختياراتهم عندما ندعوا للاخوّة والتألف والمحبة والوحدة لان هذا غير ممكن ومستحيل، بل نريد احترام آراء الآخرين وليعتقد الإنسان المسلم بما يعتقد وعلى الآخرين احترامه واحترام اعتقاده ومذهبه بالرغم من انهم لا يعتقدون بصحة وتمامية ما يعتقده الآخر”.
نعم ايها القارىء والمتابع اللبيب حين يشقّ التطرّف الفكري طريقه في المجتمع، يتحوّل من حالة فردية إلى حالة مجتمعية قد تأخذ شكل تيار في المجتمع أو فرقة أو تنظيم، فإنّه يلعب دورا سلبيا في خلط الأوراق، والتشويش على الحقائق، والتضليل وضرب منظومة القيم والمعايير وهذا يسبّب إشكالية قد تتحوّل إلى فتنة في المجتمع، ربما تكون فتنة دينية أو سياسية أو ثقافية. وهذا مالمسناه اليوم وداعش اكبر مثال على واقعنا وقبلها الكثير ..لهذا أكد على ضرورة التمييز بين احترام رأي الاخر وبين الاعتقاد بعدم صحته قائلا: “اعتقد انه يجب علينا ان نميز بين الامرين حتى لا نعطي الفرصة للخونة العنصريين التكفيريين لتشقيق وتفكيك الامة واضعافها وتدميرها، أي لنفرق بين احترام الآخر واحترام رأيه ومذهبه ومعتقده، وبين الاعتقاد بعدم صحة رأي الآخر وعدم تماميته”.