تدمر: مجزرة ثقافية جديدة

نضال نعيسة
نضال نعيسة

نضال نعيسة – موطني نيوز

تتنازع المنطقة، ومنذ الأزل، ثقافات متعددة ومتنافسة، ومنذ أمد بعيد تحاول كل منها البقاء والاستمرار وما عملية التشظي والانقسام المذهبي والطائفي المستمر الطويل إلا الوجوه المرّة لذاك الصراع الدائم القديم. وللحرب العدوانية الشريرة والظالمة، الجارية اليوم في المنطقة تحت مسمى “الربيع” و”الثورات”، طابع ثقافي ظاهر لا تخطئه عين الناظر والمتابع لسيروراتها، وهو الأهم، ويتجلى بمحاولة إحلال منظومة قيم ومفاهيم ثقافية أحادية مغلقة مكان أخرى قائمة أكثر انفتاحاً وعقلانية سادت على مر قرون مضت، ومن هنا كان هذا الاستهداف المنظـّم للأقليات وتلكم المجموعات البشرية ذات الثقافة المختلفة، ومن هنا، أيضاً، استثنت تلكم الثورات وذاك “الربيع” تلك المجتمعات والدول والمشيخات المتصحرة للتو والمغلقة والتي تسود فيها ثقافة أحادية واحدة ووحيدة

 ولا بد للمرء والحال إلا أن يتساءل عن الرابط بين “ثورات” إصلاحية وشعبية ومتحف يضم بين جنباته مجموعة من الآثار والرُقم والمخطوطات والتماثيل القديمة؟ فلكي تحل هذه الثقافة الجديدة الوافدة لا بد من محو وطمس كل تلك الثقافات الأصيلة القائمة، والقديمة منها على الأخص، وكل ما من شأنه التذكير بكل ذاك التراث الحضاري والإنساني العريق والنبيل الفذ لشعوب المنطقة وإظهار هذه الشعوب بمظهر الشعوب الفاقدة لأي بعد أو عمق حضاري ومدني، وكل ذاك التاريخ الذي لا يحمل ثقافة وتراث الغزاة الجدد يجب أن يـُمحى من الوجود، إذ يبدو والحال أن لدى “المــُحرِّرون” عقدة نقص حضارية مزمنة ضد السكان والشعوب القديمة، ويمكن القول أن المجازر وعمليات الإبادة “الثقافية” الكبرى التي وقعت خلال هذه الحرب، لا تقل فظاعة وهولاً وإجراماً عن تلك الجرائم ذات الطابع العسكري والطائفي والعرقي. وبغض النظر عن ذات الطابع العسكري المحض والعريض للحرب والتي تركت دماراً واسعاً على صعيد البنى التحتية والممتلكات العامة والخاصة، فلم توفر هذه الحرب الظالمة كل تلك الرموز الأثرية التاريخية العريقة والفريدة والأصيلة والمحمية من اليونيسكو UNESCO، والمصنـّفة ضمن التراث العالمي والتي ليس لها أية صفة عسكرية أو يمكن أن تشكل أي خطر أمني أو حربي على المجموعات الغازية المسلحة اللهم إلا تنفيذ تلك الأجندة الثقافية الواضحة لهذه الحرب؟ وبهذا لقد كانت الأوابد التاريخية والمدن الأثرية والمتاحف واحدة من أولى الأهداف العسكرية المباشرة لقطعان “الدواعش” (الثوار)، وتـُستهدف على نحو ممنهج ومدروس

وحقيقة، ومنذ مجزرة باميان، وتدمير تمثال بوذا العظيم في أفغانستان في العام 2001، كانت الحرب على العراق في العام 2003، تمثل ذروة استهداف التاريخ والإرث الحضاري لشعوب المنطقة، وقبل استهداف الموصل ومدينة نمرود بكثير، كان المتحف الوطني العراقي من أولى أهداف الغزاة، فتم نهبه وتديره وسرقة كنوزه وما قيل يومياً عن قدوم فرق متخصصة لسرقة لوحة “السبي البابلي”، الشهيرة، واختفت من الوجود حتى يومنا هذا، والتي تحكي قصة دمار مملكة يهوذا حين غزا البابليون أورشليم واستولوا عليها، وقيام الملك البابلي الشهير نبوخذ نصر باحتلالها وتدمير الهيكل الذي بناه سليمان وسبى شعبها إلى بابل

 وشكلت فتاوى شيوخ التكفير والوهابية رديفاً إيديولوجياًُ وأعطت “الدواعش” (الثوار”، المبرر والإذن الشرعي لفعلتهم الشنعاء، وبهذا الصدد فقد هدد “دواعش” مصر، أيضاً، بهدم الكنوز الفرعونية الخالدة كالأهرامات والمعابد الفرعونية المعروفة. واستكمالاً لتلك المجازر الثقافية، ومنذ الأيام الأولى، أيضاً، للحرب على سوريا، كانت القلاع، كقلعة الحصن التي احتلتها عصابات مسلحة بتوجيه من الغرف السوداء التي تدير هؤلاء، وكان قصف قلعة دمشق واستهدافها بقذائف الهاون، وسرقة ونهب المتاحف، في الرقة، والكنيس الأقدم، والأهم في العالم، في جوبر، والمساجد القديمة، جنباً إلى جنب مع حرق “السوق القديمة”، الأروع والأجمل في مدينة حلب القديمة والذي يعكس عراقة وأصالة المدينة، إضافة لقلعتها الشهيرة، ومواقع لا يمكن حصرها ها هنا، والتي تعكس كلها وتؤكد تلك الفرادة الثقافية المتنوعة والتعددية لسوريا، وموقعها المتميز في العالم، كأكبر متحف مفتوح في الهواء الطلق في العالم

ومؤخراً، توجهت جحافل الغزاة “الدواعش” (الثوار)، صوب مملكة تدمر Palmyra المدينة الأعرق والأشهر بأوابدها ومدرجها الروماني وأعمدتها الرخامية وأسواقها القديمة والتي تقع في القلب تقريباً من سوريا والتي نافست طويلاً الإمبراطورية الرومانية القديمة، وكان سكانها يتكلمون اللغة الآرامية، لغة السوريين الأصلية، قبل احتلال العرب لسوريا أو ما يسمى بالفتح الإسلامي لبلاد الشام في العام ما بين 633-640 ميلادي حين تولّى قيادة تلك الحملات العسكرية الغازية كُلٍ من خالد بن الوليد وأبو عُبيدة بن الجرَّاح ويزيد بن أبي سُفيان. لا أهمية عسكرية تذكر لتدمر المدينة السياحية الأثرية الوادعة والهادئة في قلب البادية السورية، وليس لها وزناً استراتيجياً في معايير الحرب العسكرية وتنعدم فيها القواعد وتكاد تخلو بالعادة من تواجد قوات حكومية دائمة، وما محاولة استهدافها سوى لتكرار سيناريوهات الموصل والرقة ونمرود…إلخ وتحقيق تلك الأهداف والأبعاد وبشقـّها الثقافي للحرب المجنونة الهوجاء التي تشن على تراث المنطقة العريق والأصيل لمحوه وشطبه من التاريخ ولتغيير وتشويه الطابع والوجه الثقافي التعددي في عموم الإقليم، وطمس كل ما من شأنه أن يشير، أو يذكـّر، مستقبلاً، والثأر، ربما، لهزائم واندحار “البيزنطيين”، أسلاف وأجداد الغزاة الحاليين، أمام عظماء المحاربين القدماء الأفذاذ السوريين حين جرّعتهم “زنوبيا” الملكة والأيقونة السورية الخالدة، الذل والويلات، ولقنتهم الدرس تلو الدرس في معنى البطولات والكرامة وعزة وإباء السوريين