أحمد رباص

ذكريات تقاوم النسيان مثل جمرات تحت الرماد

بقلم أحمد رباص – موطني نيوز

خلال سنتي الأولى، لم يتم استدعائي لأي لقاء تربوي من تنظيم هيأة المراقبة التربوية التي يوجد مقرها داخل أسوار المدرسة الابتدائية لأكدز المركز..كنت وأترابي من ذوي التعيين الجديد في أمس الحاجة إلى توجيهات وإرشادات السادة المفتشين، خصوصا وقد أُسْنِدَ لمعظمنا أكثر من مستوى دراسي بينما اقتصر تدريبنا في مراكز التكوين على أقسام مستقلة. كانت تلك إذن سنة بيضاء خالية من أي اجتماع مع المفتشين بهدف تزويد المعلمين المتدربين الذين بدأوا مشوارهم المهني بتعليمات ونصائح تهديهم إلى حسن تعاملهم مع الآقسام المشتركة.

في أحد أيام منتصف تلك السنة، وصلني وباقي معلمي مجمع الفكارة خبر الزيارة التي سوف يقوم بها مفتش اللغة الفرنسية لمدرستنا في صباح اليوم الموالي. علمتُ أنها ستكون زيارة غير عادية من خلال تقلص وجوه زملائي واصفرارها لكثرة التشنجات، حتى ليخال للناظر أنها خاضعة لقبضة الثلج. لأول مرة في حياتي، أعاين كيف يرتجف إنسان لمجرد علمه بقدوم إنسان آخر!

في تلك العشية، تفاقمتت ارتعاشات زملائي وانزوى كل واحد منهم في مخبئه ليراجع التحاضير والمذكرة وسجل الغياب، في حين كان عليّ والمعلم المسفيوي إعداد تحاضير الحصص الخاصة بيوم غد نظرا لكوننا مبتدئيْن.

استيقظ المعلمون باكرا، على غير عادتهم..ذهبوا إلى المدرسة قبل حلول موعد الدخول بنصف ساعة. أما أنا فقد حللتُ بالمدرسة على الساعة الثامنة ولم أغادرها إلا عندما دقتِ الساعة العاشرة.. التحقتُ بالمدرسة مجددا عندما علمتُ بحضور المفتش برفقة المدير على متن دراجة نارية في ملكية الأخير..

كان الباقي من حصصي مبرمجا في فترة ما بعد الزوال..بعد انتهاء المفتش من جولته على زملائي الأخرين وهم يؤدون واجبهم المهني، جاء لمقابلتي في قاعة مهترئة يقال لها تجاوزا مطعم مدرسي. ألقى نظرة سريعة على الوثائق التي كنتُ قد أحضرتُها معي..ردها إليّ وقال لي إنه سيزورني في القسم بعد ظهيرة هذا اليوم..

انطلاقا من الساعة الواحدة زوالا، تحول قسمي إلى خلية نحل تعج بالحركة والنشاط، ليس خوفا من المفتش وإنما لأني أولا شاب حديث العهد بالتخرج ما يعني أني كنت أؤدي عملي بحماس، ولآني ثانيا طامع في أن يقترح المفتش على المدير ترسيمي في آخر السنة الدراسية.

هاهي حصصي قد أوشكت على نهايتها ولم يأت المفتش..لا شك أنه غادر في اتجاه أكدز بعدما تناول طعام الغذاء في ضيافة واحد أو جماعة من الأهالي..في الحقيقة جاتني زوينة، لأني لم أكن أريد أن تلتقط أذناي رقصة القلب في عمق فؤادي..الله يكثّرْ خيْرو، لأنه بانصرافه إلى حال سبيله أعفاني من أن أُحَمْلِقَ بحضوره في التلاميذ، في الأوراق المشتتة كيفما اتفق على المنضدة.
في الأيام التالية، جالستُ بالمقهى هذا المفتش الأمازيغي الأصل، الأبيض البشرة والقادم من منطقة تافيلالت. لكن في أحد الأيام ونحن جالسان جنبا إلى جنب في الواجهة على مرأى من المارة طرح عليّ هذا السؤال: أشنو اللي زوين في بنادم؟

أجبته بأن الإنسان حيوان اجتماعي بطبعه، مخترع للديمقراطية كآلية للتعايش في ظل دولة، تطورت على يده التقنية من أشكالها البسيطة إلى ما نشاهده الآن من آلات منذورة للتحسن أكثر فأكثر..قلت له الإنسان مبدع للفنون بكل أنواعها ولا يمكن حصر المجالات التي تشهد على عبقريته وعظمته. رد عليّ قائلا: هاد الشي كلو ما كيعني لي والو، الانسان مجرد حيوان خرّايْ!

أدركت لتوي أن صاحبي المفتش لم يزل رهين المرحلة الشرجية كما تحدث عنها سيغموند فرويد ولم يستطع التخلص من تأثيرها رغم أنه انتقل من معلم إلى مراقب تربوي. في محاولة مني لأجعله يتخلى عن هذه الفكرة التي حكمت عليه بالعقم مدى حياته، اسْتدْرجْتُه إلى عملية اختزال تعلمناها من الرياضيات في المرحلة الإعدادية.
قلت له إذا كان الناس كلهم مضطرون في كل يوم للتخلص من الفضلات المتخلفة عن عملية هضم الأطعمة، فمن المنطقي والحالة هاته أن نشطب على هذه الضرورة البيولوجية الملزمة للجميع دون أن يقع أدنى اختلال في علاقات الاختلاف أو التماثل الموجودة بين كل فرد فرد..أوضحت له أن عملية الاختزال هاته من شأنها أن تساعدنا على تقييم كل إنسان بناء على ما لديه من قدرات ومهارات وملكات واعتمادا على ما يعوزه منها لسبب من الأسباب.

في بداية الموسم الدراسي 1993/1992، انتقلت للعمل في مدرسة آيت عبد الله البعيدة عن المدرسة المركزية بمسافة تعادل تحليقة طائر. تم تكليفي بتدريس جميع المواد لتلاميذ المستويات من الرابع إلى السادس. أول ما لاحظتُ عند رؤيتي لموقع المدرسة أنها تجانب الطريق الجبلية التي بلغني ان أشغال تعبيدها كانت جارية قبل سنة على قدم وساق والرابطة بين تامنوكالت وقنطرة تانسيخت مرورا بآيت خلفون مثلها في ذلك مثل المدرستين الفرعيتين الأخريين.

تتميز هذه المدرسة عن مثيلتيها الأخريين بكونها سليمة من حصار جبل كيسان الذي فسح المجال للآفق حالما اجتاز آيت املكت وقارب مشارف آيت خلفون.غير بعيد عنها، ينهمك عمال البناء في تشييد المقر الخاص بجماعة أفرا التي أفرزتها الاانتخابات المحلية الأخيرة والتي ترأسها صديقي المدبر لشؤون الدار الكبيرة في مجمع آيت إسحاق.

تتكون مدرسة آيت عبد الله من ثلاث حجرات دراسية جدرانها مكونة من لوحات إسمنتية مسلحة بأسياخ من الحديد وسقفها عبارة عن شبكة من عيدان خشبية مغطاة بصفائح من القصدير. يحيط بهذه المدرسة سور طيني متواضع من حيث السمك والارتفاع. المدخل المفضي إلى الساحة عبارة عن فجوة في السور طولها متران. أمام الأقسام، هناك بنايتان: الأولى عتيقة، خربة ومهجورة والثانية يحتلها لحسابه الخاص معلم جيء به من مكناس.
في أحد الأيام، دخلت إلى الدار المهجورة لأتفحص أركانها، فوجدت بها بقايا دالة على أنها كانت فيما مضى منزلا مجهزا بالتجهيزات الأساسية من ماء وإنارة ومرحاض وحمام. زميلي المكناسي استنتج أن بقايا “الدوش” تعني أن للمدرسة تاريخا عريقا، ومن المحتمل في نظره أن هذه الدار كانت مأوى لمعلمين أوربيين.

آنذاك، كنت أقيم بمفردي في غرفة ذات باب مفض مباشرة إلى الفضاء العام المترب لمجمع آيت لحسن. في أوقات فراغي، تهيئ لي بنات الدوار المجتمعات حول البئر المقابلة لكوخي مؤانسة من نوع خاص حيث تُبِدْنَ صمت المكان بأحاديثهن وضحكاتهن. استعراضهن لمفاتن أنوثتهن وجمالهن أغواني بالتلصص عليهن عبر الشقوق الفاصلة بين الخُشُبِ التي يتكون منها باب غرفتي.

لكن، كيف تأتى لي السكن في هذا البيت الصغير المجاور لكوخ أكبر لاذت به عائلة من آيت عطا أضناها الترحال وهذتها الهرولة وراء الماعز والجمال في الأودية والجبال؟
في الواقع، تعود إقامتي هنا إلى الجزء الأخير من السنة الفائتة كنتيجة للوساطة التي قام بها صديقي من آيت إسحاق، المومئ إليه سابقا وقد كان مجرد مشروع رئيس جماعة، لدى مالك الغرفة الذي كان هو الأخر مواطنا من مغاربة العالم، هاجر منذ سنوات إلى فرنسا تحديدا. لم يترك صديقي فرصة عودة المهاجر في بداية فصل الربيع الأخير لإحياء صلة الرحم والقرابة مع أهله وذويه تمر دون أن يطلب منه الإذن لي بالسكن في بيته المهجور إلا من الحشرات والقوارض.

وافق المالك على أن أسكن مجانا في محله الطيني. لكن لا بد من ترميمه ولا بد من جعل دفة لبابه حتى يكون لائقا بإيواء إنسان مطالب بتعليم الإنسان و”يْعَدّي باللي كان”.
لهذا الغرض، اتصلت برجل من آيت لحسن عرف عنه إتقانه لحرف كثيرة دون قدرة على الانفلات من قبضة الفقر، على ذكر المثل الشعبي المغربي: “سبعة صنايع والرزق ضايع”. أبان لي عن استعداده لأن يجعل الكوخ صالحا نسبيا للسكن.بعد ذلك، استقدمته إلى حيث أنوي الإقامة ليرى ما ينبغي عليه القيام به من أشغال وليحدد بالتالي المبلغ الشامل للمصاريف والأتعاب. طلب مني سبعمائة درهم فأعطيته إياها دون مساومات أو مناقصات..رجوت منه فقط أن يترك متعلقاتي وأمتعتي عنده كوديعة أريد لحظة استردادها بعد نهاية العطلة أن تكون الغرفة جاهزة.

فعلا، مرت أيام العطلة بسرعة وعادت مياه الدراسة إلى مجاريها..لم يبق أمامنا إلا شهرين أو ثلاثة ونتحرر مؤقتا، طيلة فصل الصيف، من إكراهات مهنة المتاعب المضاعفة، لاسيما بالنسبة لأمثالي الذين يعهد إليهم ارتجالا بتعليم أطفال من مستويات دراسية مختلفة. استلمت أمتعتي والمفتاح من الفلاح “البريكولور” وبت ليلتي الأولى كوافد جديد على مجمع آيت لحسن.

خلال اليام الأخيرة المتبقية من السنة الدراسية، كنت أقطع مشيا على القدمين مسافة كيلومتر تقريبا ذهاب وإيابا بين إقامتي الجديدة/القديمة ومدرسة آيت املكت. كنت أعود منها نازلا وأذهب إليها صاعدا حسب المقفضيات التي فرضتها تضاريس الجبل. أما في بداية هذه السنة، عند عودتنا من العطلة الصيفية، فقد أعفاني الانتقال الى فرعية لآيت عبد الله من الصعود والنزول.

قريبا من الكوخ الطيني الذي اتخذته سكنا، على يسار المسلك الصغير المؤدي إلى المدرسة، كان هناك محل لبيع لحم الماعز أو الغنم. اعتاد صاحب المحل أن لا يتواجد به إلا في وقت محدد يبدا مع الصباح وينتهي عند الزوال، ما عدا في أيام نهاية الأسبوع التي تحتسب ابتداء من يوم الخميس الذي يذهب فيه القرويون المحليون للتبضع من السوق الأسبوعي لأكدز. كلما انتهى من ذبح وسلخ ذبيحته، يرمي فضلاتها وأسقاطها في حفرة تقع خلف حانوته ولا يفصلها عن منزلي سوى الممر الضيق المذكور آنفا. أحيانا كنت أجلس خارج البيت لأتأمل الجردان في الحفرة وهي تقتات على النفايات العضوية.