أحمد رباص

ذكريات شاهدة على مأساة موت معلم في الجيل

بقلم أحمد رباص – موطني نيوز

أعود في هذا الفصل من طتاب يومياتي إلى مناوشة الذاكرة للحديث عن معلم أودى بحياته الإفراط في شرب كحول “الماحيا” التي استمدت -ربما- اسمها من عبارة “ماء الحياة”. تعرفت على الهالك، زميلي قيد حياته، في السنة الثانية التي سنحت لي في مبتدئها فرصة الانتقال من فرعية الفكارة -التي لنا بشأنها عودات- الى فرعية حمو أوسعيد؛ إحدى جارات الواد الشهير (درعة) المخترق لمنطقة أكدز والتي تنتمي، كما مربنا، إلى م/م آيت خلفون.

عند انطلاق السير العادي للدراسة بهذه المدرسة التي اجتاحتها السيول المنحدرة من جبل كيسان كما جاء في حكي سابق، قيل لي بأن صاحبنا شغل السنة الماضية منصبي المسند إلي حاليا؛ وأعني به تدريس اللغة الفرنسية ومادة الحساب لمستويي الرابع والخامس. وفي أحد الأيام، خطرت ببالي فكرة تسلق القسم الذي أعمل به قصد اكتشاف ما استقر على سطح سقفه من أشياء اعتاد بصري على رؤية أشكالها كلما اقتربت من المدرسة وأنا متجه إليها انطلاقا من ضفة النهر. ما ذا وجدت فوق سقف القسم يا ترى؟ وجدت فردات نعال وأحذية وحجارة مختلفة الحجوم وأشياء أخرى غير ذات بال. لكن ثمة شيئا أثار انتباهي وبدا لي من الوهلة الأولى على أنه يصلح لأمر أجهله..كان ذلك عبارة عن خرطوم لدائني بطول متر تقريبا تتوسطة قطعة أنبوب من نحاس اتخذت شكل (v). بدافع من حب الاستطلاع، التقطت الأنبوب العجيب ودسسته في أحد جيوبي مؤجلا معرفة قصته والغاية من استعماله وكيف يتم ذلك إلى ما بعد خروج التلاميذ.

في مساء ذلك اليوم، التقيت بأحد أبناء دوار آيت حمو أوسعيد الخاص بالأمازيغ “الأحرار” المجاور لدوار تاركلمان الخاص ب”الحراطنة” والذي يقع في قلبه المنزل الطيني الذي كنت وزميلي الورزازي نقيم في إحدى غرفه المظلمة بصورة مستدامة مقابل سومة كرائية بلغت مائتي درهم عن كل شهر. في اللحظات الأولى من هذا اللقاء، أخبرت صديقي الجديد بأمر صعودي إلى سطح القسم وكيف أني عثرت هناك على شيء غريب استغلق علي كنهه وماهيته ومرماه. عندها، طلب مني أن أريه إياه. ولما تناوله من يدي وتفحصه أجابني بما يفيد أن هذا الأنبوب يستخدم في صناعة الماحيا بحيث يثبت أحد طرفيه يإحكام على متنفس غطاء طنجرة الضغط المملوءة بخليط مادته الأساسية تمر مرقد ومخمر لعدة أيام والموضوعة فوق نار هادئة، بينما يوضع الطرف الآخر بداخل عنق زجاجة لتكون وعاء ومستودعا لقطرات متتالية من الكحول الذي يبدو في قعر الزجاجة صافيا كالماء تماما. ربما لهذا السبب سمي هذا النوع من السوائل المسكرات ماحيا.

من ضمن الأشياء التي تم إخباري بها في شأن هذا المعلم بطل الحكاية كونه ضحية تنقيل تأديبي من مدرسة مجاورة لنيابة التعليم بإحدى مدن الصحراء المسترجعة إلى هذه المؤسسة على خلفية اشتباكه وتشاجره مع أحد موظفي النيابة وهو في حالة سكر طافح. علمت كذلك ان التحاقه بم/م آيت خلفون جاء متزامنا مع حلولي الأول بالمنطقة كمعلم متدرب. تواجده بين ذينك الدوارين خلال المدة التي استغرقها الموسم الدراسي الماضي كان حافلا بممارسات غريبة الأطوار لم يتورع صاحبها المعلم عن إتيانها في واضحة النهار وأمام مرأى الجميع؛ الشيء الذي أوغر صدور آباء وأولياء التلاميذ ضده وحفز الحميع على جعله محور أحاديثهم في أوقات عملهم أو فراغهم.

مرت مياه بحجم ما لا يحصى من الأمتار المكعبة تحت قنطرة تانسيخت التي تفصل منطقة آيت سدرات حيث توجد مؤسستنا التعليمية وبين بلدة تمزموط المشهورة بمركزها المروري الحاضن لسوق أسبوعي يقام كل ثلاثاء وعنده يتوقف السياح المتجهون لزاكورة من أجل التقاط صور لمشاهد تبدو لهم غريبة جدا (exotique)، فضلا عن مدرسة مركزية وبناية للبريد. في عز فصل الربيع من ذاك العام، التقيت صدفة في مركز أكدز بالمعلم الذي يصنع الماحيا من فاكهة التمر والمتحدر من مدينة برشيد وهو في حالة يرثى لها. لقد تبين لي أن حالته الصحية ليست على مايرام. وعندما سألته بأسلوب مباشر: أنت مالك؟ أجابني بأنه عائد لتوه من مدينة ورزازات حيث زار طبيبا أكد له وجود ثقوب بمعدته نتيجة إفراطه في الإدمان على الكحول ومده بوصفة من الأدوية مع مطالبته بالإقلاع بصفة نهائية عن عادته السيئة القاتلة.

كان اليوم يوم خميس، وكانت السماء ملبدة بالغيوم تجود من حين لآخر بزخات وقطرات. تمشيت صحبة زميلي المريض في اتجاه السوق وقد شغلني مآله وعاقبته بحيث أشفقت لحاله فقررت أن لآ أفارقه إلا بعد إيصاله إلى كوخه الطيني الكائن بمحيط مركزية م/م آيت خلفون. عند وصولنا إلى السوق، جلس رفيقي على ناصية الطريق وهرعت نحو بائعي ما تبقى من الخضر والفواكه فاشتريت منها قدرا يكفيني ليومين وعدت بخف حنين إلى المكان الذي تركت فيه المعلم يئن من شدة الآلام التي تعصر معدته. لم يستغرق بحثنا عن وسيلة تنقلنا إلى قنطرة تانسيخت سوى لحظات قصيرة بفضل الدينامية التي يوفرها السوق مرة في كل أسبوع. هكذا دعانا ابن البلدة العائد حديثا من ديار الغربة إلى سيارته الحمراء من نوع BMW، وما هي إلا دقائق معدودة حتى اكتمل نصاب الكورسة، فانطلقت العربة تطوي الطريق طيا قاصدة المكان المذكور.

كان من الممكن أن نعبر النهر راجلين وندخل مباشرة إلى البلدة دونما حاجة إلى تجاوزها إلى حين بلوغ القنطرة و الرجوع انطلاقا منها إلى مستقرنا في رحلة زائدة عن اللزوم. كان ذلك ممكنا لو كان صبيب واد درعة يسمح بذلك كما جرت به العادة في الأجواء العادية، أما وقد غمرت المياه سرير النهر عن آخره فقد أصبح عبوره مشيا على الأقدام مغامرة محفوفة بالمخاطر. لهذا كله، اضطررنا، لدى توديعنا لسائق السيارة الحمراء، إلى الجلوس على قارعة الطريق المؤدية رأسا إلى بلدة آيت سدرات في انتظار وسيلة نقل ثانية تعفينا من خيار المشي على الأقدام لمسافة تعد بالكيلومترات، سيما وأن صديقي قد هده المرض اللعين ولم يعد قادرا حتى على الوقوف، فأنى له القدرة على ممارسة رياضة المشي التي عادة ما ينصح بها الأطباء زبناءهم المعافين.

فجاة، توقفت سيارة بيكاب من نوع بيجو وهي محملة بكمية من المواد الغذائية ومواد التنظيف. ساعدت المعلم على الصعود من الباب الخلفي وتراءت لي أكياس الدقيق وعلب الكرتون المملوءة بالسلع قد غمرت سائر أرجاء جفنة البيكاب ما أرغمنا على اعتلاء ركام الأكياس وجسمانا ممدودان حيث استمررنا على هذا الوضع طيلة المدة التي تطلبتها المسافة. قد تكون هذه المتاعب هينة وذات تأثير عابر بالنسبة إلي أنا السليم المعافى، لكنها بالنسبة لرفيقي الذي ما انفكت آلامه تحتد وتشتد عبور لصراط جهنمي غير مستقيم. أمام البناية الطينية المتواضعة التي أتخذت كمقر لإدارة م/م آيت خلفون، توقفت البيكاب فترجلنا من عليها وودعت المعلم الذي تكفيه خطوات قصار ليصل إلى بيته في حين تنتظرني مسافة كيلومترية لا بأس بها علي قطعها راجلا بمحاذاة النهر لكي ألتحق بمقر عملي بمدرسة آيت حمو أوسعيد.

لم يكد فصل الربيع يترك مكانه للصيف حتى بلغني نبأ موت المعلم الذي اعتاد صنع الماحيا اعتمادا على التمور الموجودة هنا بوفرة تضمنها الواحة. يحكى أنه ذات صباح، استقبل معلمات ومعلمو المركزية مـتعلميهم في الوقت القانوني المناسب، إلا معلما واحدا لم يحضر وبقي تلاميذه ملتزمين صفوفهم بدون حراك وهم ينتظرون مجيئه. جاء المدير وعلم بأمر غياب المعلم فظن أن المانع من حضوره قد يكون استغراقه في النوم بعد ليلة من السهر، فأمر اثنين من التلاميذ بالذهاب لإيقاظ المعلم، لكنهما سرعان ما عادا ليقولا للمدير إنهما وجداه نائما وما أراد أن يستيقظ. انتاب المدير شك في أمر المعلم فأسرع الخطو في اتجاه كوخه ليجده جثة هامدة ممدودة أمام باب المنزل الحقير والنمل يخرج ويدخل من فيه..

أحمد رباص

ذكريات تقاوم النسيان مثل جمرات تحت الرماد

بقلم أحمد رباص – موطني نيوز

خلال سنتي الأولى، لم يتم استدعائي لأي لقاء تربوي من تنظيم هيأة المراقبة التربوية التي يوجد مقرها داخل أسوار المدرسة الابتدائية لأكدز المركز..كنت وأترابي من ذوي التعيين الجديد في أمس الحاجة إلى توجيهات وإرشادات السادة المفتشين، خصوصا وقد أُسْنِدَ لمعظمنا أكثر من مستوى دراسي بينما اقتصر تدريبنا في مراكز التكوين على أقسام مستقلة. كانت تلك إذن سنة بيضاء خالية من أي اجتماع مع المفتشين بهدف تزويد المعلمين المتدربين الذين بدأوا مشوارهم المهني بتعليمات ونصائح تهديهم إلى حسن تعاملهم مع الآقسام المشتركة.

في أحد أيام منتصف تلك السنة، وصلني وباقي معلمي مجمع الفكارة خبر الزيارة التي سوف يقوم بها مفتش اللغة الفرنسية لمدرستنا في صباح اليوم الموالي. علمتُ أنها ستكون زيارة غير عادية من خلال تقلص وجوه زملائي واصفرارها لكثرة التشنجات، حتى ليخال للناظر أنها خاضعة لقبضة الثلج. لأول مرة في حياتي، أعاين كيف يرتجف إنسان لمجرد علمه بقدوم إنسان آخر!

في تلك العشية، تفاقمتت ارتعاشات زملائي وانزوى كل واحد منهم في مخبئه ليراجع التحاضير والمذكرة وسجل الغياب، في حين كان عليّ والمعلم المسفيوي إعداد تحاضير الحصص الخاصة بيوم غد نظرا لكوننا مبتدئيْن.

استيقظ المعلمون باكرا، على غير عادتهم..ذهبوا إلى المدرسة قبل حلول موعد الدخول بنصف ساعة. أما أنا فقد حللتُ بالمدرسة على الساعة الثامنة ولم أغادرها إلا عندما دقتِ الساعة العاشرة.. التحقتُ بالمدرسة مجددا عندما علمتُ بحضور المفتش برفقة المدير على متن دراجة نارية في ملكية الأخير..

كان الباقي من حصصي مبرمجا في فترة ما بعد الزوال..بعد انتهاء المفتش من جولته على زملائي الأخرين وهم يؤدون واجبهم المهني، جاء لمقابلتي في قاعة مهترئة يقال لها تجاوزا مطعم مدرسي. ألقى نظرة سريعة على الوثائق التي كنتُ قد أحضرتُها معي..ردها إليّ وقال لي إنه سيزورني في القسم بعد ظهيرة هذا اليوم..

انطلاقا من الساعة الواحدة زوالا، تحول قسمي إلى خلية نحل تعج بالحركة والنشاط، ليس خوفا من المفتش وإنما لأني أولا شاب حديث العهد بالتخرج ما يعني أني كنت أؤدي عملي بحماس، ولآني ثانيا طامع في أن يقترح المفتش على المدير ترسيمي في آخر السنة الدراسية.

هاهي حصصي قد أوشكت على نهايتها ولم يأت المفتش..لا شك أنه غادر في اتجاه أكدز بعدما تناول طعام الغذاء في ضيافة واحد أو جماعة من الأهالي..في الحقيقة جاتني زوينة، لأني لم أكن أريد أن تلتقط أذناي رقصة القلب في عمق فؤادي..الله يكثّرْ خيْرو، لأنه بانصرافه إلى حال سبيله أعفاني من أن أُحَمْلِقَ بحضوره في التلاميذ، في الأوراق المشتتة كيفما اتفق على المنضدة.
في الأيام التالية، جالستُ بالمقهى هذا المفتش الأمازيغي الأصل، الأبيض البشرة والقادم من منطقة تافيلالت. لكن في أحد الأيام ونحن جالسان جنبا إلى جنب في الواجهة على مرأى من المارة طرح عليّ هذا السؤال: أشنو اللي زوين في بنادم؟

أجبته بأن الإنسان حيوان اجتماعي بطبعه، مخترع للديمقراطية كآلية للتعايش في ظل دولة، تطورت على يده التقنية من أشكالها البسيطة إلى ما نشاهده الآن من آلات منذورة للتحسن أكثر فأكثر..قلت له الإنسان مبدع للفنون بكل أنواعها ولا يمكن حصر المجالات التي تشهد على عبقريته وعظمته. رد عليّ قائلا: هاد الشي كلو ما كيعني لي والو، الانسان مجرد حيوان خرّايْ!

أدركت لتوي أن صاحبي المفتش لم يزل رهين المرحلة الشرجية كما تحدث عنها سيغموند فرويد ولم يستطع التخلص من تأثيرها رغم أنه انتقل من معلم إلى مراقب تربوي. في محاولة مني لأجعله يتخلى عن هذه الفكرة التي حكمت عليه بالعقم مدى حياته، اسْتدْرجْتُه إلى عملية اختزال تعلمناها من الرياضيات في المرحلة الإعدادية.
قلت له إذا كان الناس كلهم مضطرون في كل يوم للتخلص من الفضلات المتخلفة عن عملية هضم الأطعمة، فمن المنطقي والحالة هاته أن نشطب على هذه الضرورة البيولوجية الملزمة للجميع دون أن يقع أدنى اختلال في علاقات الاختلاف أو التماثل الموجودة بين كل فرد فرد..أوضحت له أن عملية الاختزال هاته من شأنها أن تساعدنا على تقييم كل إنسان بناء على ما لديه من قدرات ومهارات وملكات واعتمادا على ما يعوزه منها لسبب من الأسباب.

في بداية الموسم الدراسي 1993/1992، انتقلت للعمل في مدرسة آيت عبد الله البعيدة عن المدرسة المركزية بمسافة تعادل تحليقة طائر. تم تكليفي بتدريس جميع المواد لتلاميذ المستويات من الرابع إلى السادس. أول ما لاحظتُ عند رؤيتي لموقع المدرسة أنها تجانب الطريق الجبلية التي بلغني ان أشغال تعبيدها كانت جارية قبل سنة على قدم وساق والرابطة بين تامنوكالت وقنطرة تانسيخت مرورا بآيت خلفون مثلها في ذلك مثل المدرستين الفرعيتين الأخريين.

تتميز هذه المدرسة عن مثيلتيها الأخريين بكونها سليمة من حصار جبل كيسان الذي فسح المجال للآفق حالما اجتاز آيت املكت وقارب مشارف آيت خلفون.غير بعيد عنها، ينهمك عمال البناء في تشييد المقر الخاص بجماعة أفرا التي أفرزتها الاانتخابات المحلية الأخيرة والتي ترأسها صديقي المدبر لشؤون الدار الكبيرة في مجمع آيت إسحاق.

تتكون مدرسة آيت عبد الله من ثلاث حجرات دراسية جدرانها مكونة من لوحات إسمنتية مسلحة بأسياخ من الحديد وسقفها عبارة عن شبكة من عيدان خشبية مغطاة بصفائح من القصدير. يحيط بهذه المدرسة سور طيني متواضع من حيث السمك والارتفاع. المدخل المفضي إلى الساحة عبارة عن فجوة في السور طولها متران. أمام الأقسام، هناك بنايتان: الأولى عتيقة، خربة ومهجورة والثانية يحتلها لحسابه الخاص معلم جيء به من مكناس.
في أحد الأيام، دخلت إلى الدار المهجورة لأتفحص أركانها، فوجدت بها بقايا دالة على أنها كانت فيما مضى منزلا مجهزا بالتجهيزات الأساسية من ماء وإنارة ومرحاض وحمام. زميلي المكناسي استنتج أن بقايا “الدوش” تعني أن للمدرسة تاريخا عريقا، ومن المحتمل في نظره أن هذه الدار كانت مأوى لمعلمين أوربيين.

آنذاك، كنت أقيم بمفردي في غرفة ذات باب مفض مباشرة إلى الفضاء العام المترب لمجمع آيت لحسن. في أوقات فراغي، تهيئ لي بنات الدوار المجتمعات حول البئر المقابلة لكوخي مؤانسة من نوع خاص حيث تُبِدْنَ صمت المكان بأحاديثهن وضحكاتهن. استعراضهن لمفاتن أنوثتهن وجمالهن أغواني بالتلصص عليهن عبر الشقوق الفاصلة بين الخُشُبِ التي يتكون منها باب غرفتي.

لكن، كيف تأتى لي السكن في هذا البيت الصغير المجاور لكوخ أكبر لاذت به عائلة من آيت عطا أضناها الترحال وهذتها الهرولة وراء الماعز والجمال في الأودية والجبال؟
في الواقع، تعود إقامتي هنا إلى الجزء الأخير من السنة الفائتة كنتيجة للوساطة التي قام بها صديقي من آيت إسحاق، المومئ إليه سابقا وقد كان مجرد مشروع رئيس جماعة، لدى مالك الغرفة الذي كان هو الأخر مواطنا من مغاربة العالم، هاجر منذ سنوات إلى فرنسا تحديدا. لم يترك صديقي فرصة عودة المهاجر في بداية فصل الربيع الأخير لإحياء صلة الرحم والقرابة مع أهله وذويه تمر دون أن يطلب منه الإذن لي بالسكن في بيته المهجور إلا من الحشرات والقوارض.

وافق المالك على أن أسكن مجانا في محله الطيني. لكن لا بد من ترميمه ولا بد من جعل دفة لبابه حتى يكون لائقا بإيواء إنسان مطالب بتعليم الإنسان و”يْعَدّي باللي كان”.
لهذا الغرض، اتصلت برجل من آيت لحسن عرف عنه إتقانه لحرف كثيرة دون قدرة على الانفلات من قبضة الفقر، على ذكر المثل الشعبي المغربي: “سبعة صنايع والرزق ضايع”. أبان لي عن استعداده لأن يجعل الكوخ صالحا نسبيا للسكن.بعد ذلك، استقدمته إلى حيث أنوي الإقامة ليرى ما ينبغي عليه القيام به من أشغال وليحدد بالتالي المبلغ الشامل للمصاريف والأتعاب. طلب مني سبعمائة درهم فأعطيته إياها دون مساومات أو مناقصات..رجوت منه فقط أن يترك متعلقاتي وأمتعتي عنده كوديعة أريد لحظة استردادها بعد نهاية العطلة أن تكون الغرفة جاهزة.

فعلا، مرت أيام العطلة بسرعة وعادت مياه الدراسة إلى مجاريها..لم يبق أمامنا إلا شهرين أو ثلاثة ونتحرر مؤقتا، طيلة فصل الصيف، من إكراهات مهنة المتاعب المضاعفة، لاسيما بالنسبة لأمثالي الذين يعهد إليهم ارتجالا بتعليم أطفال من مستويات دراسية مختلفة. استلمت أمتعتي والمفتاح من الفلاح “البريكولور” وبت ليلتي الأولى كوافد جديد على مجمع آيت لحسن.

خلال اليام الأخيرة المتبقية من السنة الدراسية، كنت أقطع مشيا على القدمين مسافة كيلومتر تقريبا ذهاب وإيابا بين إقامتي الجديدة/القديمة ومدرسة آيت املكت. كنت أعود منها نازلا وأذهب إليها صاعدا حسب المقفضيات التي فرضتها تضاريس الجبل. أما في بداية هذه السنة، عند عودتنا من العطلة الصيفية، فقد أعفاني الانتقال الى فرعية لآيت عبد الله من الصعود والنزول.

قريبا من الكوخ الطيني الذي اتخذته سكنا، على يسار المسلك الصغير المؤدي إلى المدرسة، كان هناك محل لبيع لحم الماعز أو الغنم. اعتاد صاحب المحل أن لا يتواجد به إلا في وقت محدد يبدا مع الصباح وينتهي عند الزوال، ما عدا في أيام نهاية الأسبوع التي تحتسب ابتداء من يوم الخميس الذي يذهب فيه القرويون المحليون للتبضع من السوق الأسبوعي لأكدز. كلما انتهى من ذبح وسلخ ذبيحته، يرمي فضلاتها وأسقاطها في حفرة تقع خلف حانوته ولا يفصلها عن منزلي سوى الممر الضيق المذكور آنفا. أحيانا كنت أجلس خارج البيت لأتأمل الجردان في الحفرة وهي تقتات على النفايات العضوية.