الأدب و الإنسان نحو إنسان أفضل

عبد الصمد الراغي – موطني نيوز

إن التناقض الحاصل بين النفس الإنسانية و العقل و العاطفة ، يجب أن يحوّل إلى طاقة بنّاءة عن طريق استغلال إمكانياته و توجيهها إلى ما فيه خير الإنسانية . فالعقل جاف و بارد ، و العاطفة ملتهبة و مندفعة ، و لكن عند مزجهما فإن التناغم بينهما يجعل الإنسان أكثر نضجا و إقبالا على الحياة ، و أعمق فهما و إدراكا لها .

إن العمل الأدبي يوضح جليا هذا المزيج بين العقل و العاطفة ؛ فإذا كان الأديب يستغل كل إمكانياته العقلية في تشكيل عمل أدبي ، فإنه يتحتم عليه في نفس الوقت أن يترك عواطفه تجيش بذاك الإنتاج و تقولبه في شكل جمالي تضج حناياه بالحياة و الجمال .
و إلا تحول العمل الأدبي إلى قوالب تشبه المعادلات الرياضية في رتابتها و جفافها.

فعلاقة الأدب بالإنسان علاقة وثيقة من حيث أنه يجسد الصراع الذي جبلت عليه الحياة الإنسانية، و بدون هذا الصراع فإن العمل الأدبي يبقى عملا وصفيا تقريريا عن حالة ما أو وضع معين.
لذلك فضرورة الأدب قائمة على تحقيق التناغم و الاكتمال عن طريق تقديم صورة للإنسانية في غاية المثالية ،إذ أن الإنتاج الأدبي يخلق معادلا موضوعيا للطبيعة الإنسانية كما يجب أن تكون . لأن الإنسانية مهما حاولت أن تبلغ الكمال تبقى ناقصة ، و يبقى العمل الأدبي هو الذي يحقق لها كمالها كما استقرأ ذلك كل من أرسطو و طوماس إليوت Thomas Stearns Eliot–رغم الفارق الزمني بينهما-  فيما أسموه بالهارمونية البديعة .

قد حاول الروائي الإنجليزي Daniel Defoe في رواية الشهيرة “روبنسون كروزو
أن يوضح علاقة الإنسان بالأدب أو علاقة الذات بالموضوع .
إذ نجد فيها البطل يحترق شوقا للقاء بني جنسه بعد أن تحطمت سفينته و ألقى به الموج إلى جزيرة مهجورة . فكما أن الإنسان يحب ذاته و يحافظ عليها من أي مكروه فإنه يدرك أن تحقيق هذه الذات لا يمكن أن يحدث إلا من خلال الموضوع الذي يتجسد في الآخرين فهو يشعر بإنسانيته حينما يجد صداها عند الآخرين .
و معظم هذه الأعمال الأدبية الشبيهة بعمل دانييل ديفو تبلور لنا صراع البشر من أجل البقاء و من أجل إنسانية أفضل و عيش مشترك .

إن تذوق الأدب خاصة و الفن عامة، شرط أساسي لنمو الإنسان الناضج الذي يستطيع أن يستخدم عقله و أن يوظف إحساسه في استيعاب الظروف المحيطة به ، و في فهم البشر الذين يعيش معهم ، فالأدب  ليس مجرد هروب من الواقع أو تسلية ، و لكنه وسيلة للمحافظة على توازن الإنسان سواء الفكري أو الروحي . لأنه يرسي عمق البصيرة و النظر و رحابة الصدر و سعة الأفق ، كما ينمي القدرات العقلية لدى المتذوق للتجربة الأدبية بكل نواحيها و أبعادها الفكرية و الوجدانية .

و من المؤكد أن الشخص الذي يتذوق الأدب و يستشعر تلك الدفقة الشعورية في النصوص الأدبية أكثر أخلاقية من الذي لا يبالي بالأدب.
ومثال ذلك الطبيب الذي يتذوق الشعر مثلا و زميله الذي ينظر للفن على أساس أنه مضيعة للوقت ،
فالأول ينظر إلى المريض المخدر بين يديه في غرفة العمليات على أنه إنسان له آمال و طموحات و حب للجمال و الإنسانية ، و من الواجب عليه كطبيب أن يبذل كل جهده كي تستمر تلك القيم في ذاك المريض ولا تنطفئ شمعة الإنسان المقدسة و تستمر حياته بكل جمالها و عبقها .
أما الطبيب الثاني العملي فهو لا يعير أي اهتمام للتذوق الفني لمهنته وينظر إلى مريضه نظرة الزبون ، لأن بينه و بين المريض حاجزا و لا يجمع بينهما الشعور بالإنسانية. فالطبيب يؤدي عمله و المريض مريضا بسبب ظروف سيئة .ّ
و من هنا ؛ كانت و لا زالت ضرورة الأدب و الأخلاق الإنسانية إرساء و تكريس الحب و العطف و الحنان و الرقة و الذوق . و بدون هذه القيم سينتفي مفهوم الإنسانية من حياة البشر التي ستتحول إلى غابة مليئة بالوحوش الضارية.
إن الأدب هو الوسيلة الوحيدة و الواحدة التي بإمكانها الجمع و الربط بين الناس في وحدة وجدانية ، رغم اختلاف مشاربهم و أعراقهم و توجهاتهم الإيديولوجية . لأنه الوحيد القادر على توضيح سمو الإنسان و جمال الحياة و معنى الوجود . و بالتالي فإنه يضاعف من إدراكهم لمعنى العيش المشترك بالحب و الأخوة و التعاون من أجل خلق عالم يعيش فيه إنسان أفضل .
إن الأدب هو تجربة نفسية فعالة لبلوغ النضج الإنساني .

“مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي موطني نيوز”


التجسيم عند اليهود وأثره في مجسمة المسلمين

عبد الصمد الراغي – موطني نيوز

كشف القرآن حقيقة عقائد اليهود حتى يتجنبها المسلمون بعد ذلك، فقد بين الله جل جلاله نزوع اليهود لعبادة إله محسوس ملموس، فقد شاهدوا معجزة موسى عليه السلام في شق البحر بعصاه، تلك المعجزة التي تدل على عظمة الله المؤيد لنبيه موسى عليه السلام، فلم تكن معجزة شق البحر وسيلة للنجاة فقط بل دليلاً على أن موسى نبي مرسل من عند الله، وإذا كانت معجزته عظيمة فلا بد أن االله الذي اجرى المعجزة على يد موسى أعظم وأجَلّ، ومع ذلك فلم يلبثوا ان قالوا لموسى عليه السلام بعد خروجهم من البحر : ” وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ”  {7/138}  ، كما أكد القران هذه الحقيقة بقوله تعالى:” وقال تعالى: ” وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ {7/148}، حتى أن التوراة المحرفة تشهد على نزوعهم الى التجسيم فقد جاء في سفر الخروج الإصحاح  32، 1 :” ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا ” وهذا كثير في التوراة فهم يصورون الله شيئاً محسوساً، ولا تستطيع نفوسهم الخروج من انحطاط التجسيم فقد جاء ايضاً في التوراة: ” وارتحلوا من سكوت ونزلوا في طرف البرية وكان الرب يسير أمامهم نهارا في عمود سحاب ليهديهم الطريق وليلاً في عمود نار ليضيء لهم ” فهم لا ينظرون الى العلامات والإشارات باعتبارها أدلة على وجود الله وعظمته، بل يرون هذه الاشارات المحسوسة هي ذات الله، وسوف نأتي على ذكر امثلة من التوراة يشير ظاهرها الى التجسيم المحض، عندما نقارن بين فكر المجسمة وفكر اليهود.

ويقول الشهرستاني في الملل والنحل متحدثاً عن ميل اليهود الى التجسيم فيقول:” …  لأنهم وجدوا التوراة مملوءة بالمتشابهات مثل الصورة والمشافهة والتكليم جهراً، والنزول على طور سيناء انتقالاً، والاستواء على العرش استقراراً، وجواز الرؤية فوقاً وغير ذلك”.

لا شك أن اليهود كانوا اهل علم وأهل مكر ودهاء، ولمّا قويت شوكة الإسلام عمدوا كغيرهم الى التظاهر بالاسلام ليكيدوا له ولأهله من داخله، فأدخلوا كثيراً من العقائد التي تخالف نص القرآن. وإذا كان هذا قد جرى في جيل الصحابة رضوان الله عليهم، فمن باب اولى أن يجري فيمن جاء بعدهم وهم أقل فضلاً وعلماً منهم، ومن أمثلة ذلك حديث التربة الذي رواه مسلم، وحكم عليه أهل العلم أنه من الاسرائيليات المنكرة إضافة الى تضعيفه ، وأنه منقول عن كعب الأحبار عما يرويه من التوراة. لقد اشتهرت الإسرائيليات في كتب المسلمين حتى لا يكاد كتاب في التفسير يخلو منها، ومن أشد الإسرائيليات خطورة ما كان منها متعلقاً بالعقائد، ويمكن القول أن معظم الروايات المشكلة في العقائد جاءت من مسلمة أهل الكتاب، سواء من اليهود او النصاري، ولا يخفى أن هؤلاء مجسمة فأسقطوا عقائدهم على جهال المسلمين ، وفي هذا يقول الرازي:

” اعلم أن اليهود أكثرهم مشبهة، وكان بَدْوُ ظهور التشبيه في الإسلام من الروافض مثل بيان بن سمعان الذي كان يثبت لله الأعضاء والجوارح وهشام بن الحكم وهشام بن سالم الجواليقي ويونس بن عبد الرحمن القمي وأبي جعفر الأحول الذي كان يدعى شيطان الطاق، وهؤلاء رؤساء علماء الروافض، ثم تهافت في ذلك المحدثون ممن لم يكن لهم نصيب من علم المعقولات” ، ومما يدل على ذلك خروج الفكر المنحرف تجسيماً وتعطيلاً من البلاد البعيدة عن مركز الخلافة ووجود العلماء، وهذا ما أفصح عنه أبو حنيفة بقوله:” أتانا من المشرق رأيان خبيثان جهم معطل ومقاتل مشبه” ، فقد جاء التجسيم والتعطيل من البلاد التي كان يتواجد فيها اليهود المجسمة، فظهر أثرهم في الفكر الاسلامي، وقد ذكر الخطيب البغدادي ذلك صراحة عن مقاتل بن سليمان فقال: ” كانت له كتب ينظر فيها إلا أني أرى أنه كان له علم بالقرآن” .

كذلك  أشار الى هذه الحقيقة  الحافظ ابن حبان فقال عن مقاتل :” كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان مشبها يشبه الرب بالمخلوقين. وكان مع ذلك يكذب في الحديث”، وقد تأثر بسليمان بعض رواة الحديث الذين وصفهم الشهرستاني بقوله:” وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأكثرها مقتبس من اليهود فإن التشبيه فيهم طَبّاع حتى قالوا اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وإن العرش ليئط من تحته أطيط الرحل الجديد وإنه ليفضل من كل جانب أربعة أصابع “ .

ولا يجد بعض المجسمة في زماننا غضاضة في الاستناد الى نصوص التوراة ليسوِّق حديثاً منكراً وخبراً ساقطاً، قال احد رؤوس الوهابية، حمود التويجري  في كتابه الذي سماه ” عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن ” و قرّظه ابن باز   ، طبع دار اللواء – الرياض ، الطبعة الثانية ، ص/ 76:” و أيضًا فهذا المعنى عند أهل الكتاب من الكتب المأثورة عن الأنبياء كالتوراة فإن في السفر الأول منها ” سنخلق بشرًا على صورتنا يشبهنا” .وبذلك يريد اثبات الاحاديث المنسوبة الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله خلق آدم على صورة الرحمن. ثم يسوق بعد ذلك ما وافق به ابن تيمية من حجة هابطة لا تستند الى نقل أو عقل فيقول:

” …  و أيضًا فمن المعلوم أن هذه النسخ الموجودة اليوم بالتوراة و نحوها قد كانت موجودة على عهد النبي صلى الله عليه و سلم، فلو كان ما فيها من الصفات كذبًا و إفتراءً ووصفًا لله بما يجب تنـزيهه عنه كالشركاء و الأولاد لكان إنكار ذلك عليهم موجودًا في كلام النبي أو الصحابة أو التابعين كما أنكروا عليهم ما دون ذلك ، و قد عابهم الله في القرآن بما هو دون ذلك فلو كان هذا عيبا لكان عَيب الله لهم به أعظم وذمهم عليه أشد” .

ولذلك تجد أحياناً في كتب هؤلاء المجسمة كلاماً مطابقاً لما في التوراة المحرفة،  تشمئز منه العقول والفطر السليمة ،فقد ذكر ابن تيمية كلاماً عن الروايات التي وردت ومفادها أن الله يُجلِسُ النبي معه على الكرسي : ” إذا تبين هذا، فقد حدَّث العلماء المرضيون وأولياؤه المقبولون: أن محمداً رسول الله يجلسه ربه على العرش معه” . ثم يشير الى إمكانية جلوس الله وقعوده بما يخالف المتعارف عليه فيقول:

” وإذا كان قعود الميت في قبره ليس هو مثل قعود البدن، فما جاءت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم من لفظ ” القعود” و ” الجلوس” في حق الله تعالى : كحديث جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيرهما: أولى أن لا يماثل صفات اجسام العباد “، علماً أن الذي حقق الكتاب وعلق عليه ، وهو محمد بن عبد الرحمن الخميس، حكم بضعف الحديثين اللذين أشار اليهما ابن تيمية وبنى عقيدته عليها!!

من المحزن أن تجد في كتب المجسمة أفكاراً تتعلق بصفات الله مصدرها اليهود وعلماؤهم، دون أن يكون في القرآن والسنة الشريفة الصحيحة مقارب لذلك، فقد أخرج  عبد الله بن أحمد بسنده عن نوف البكالي أنه قال: ” أوحى الله عز وجل إلى الجبال أني نازل على جبل منك، قال فتطاولت الجبال وتواضع طور سيناء، وقال إن قُدِّر لي شيء فسيأتيني، فأوحى الله عز وجل إليه أني نازل عليك لتواضعك ورضاك بقدري” وأخرج  اللالكائي بسنده عن ثابت البناني أنه قال:” كان داود يطيل الصلاة ثم يركع ثم يرفع رأسه ثم يقول إليك رفعت رأسي يا عامر السماء، نظر العبيد إلى أربابها يا ساكن السماء..”

وأصبح هذا القول متكئأ لمن يريد اثبات صفة العلو، واعتبر احد المعاصرين المنافحين عن اسلافه انه: ” ..ليس في هذا اللفظ شيء من المحظور.. فقوله :” يا ساكن السماء ” معناه: يا موجوداً في السماء، أو: يا متخذا السماء حيثية وجودك، أي المكان اللائق باستقرارك” .

وأخرج عبد الله بن أحمد بسنده عن وهب بن منبه أنه قال:” إن السموات السبع والبحار لفي الهيكل  وإن الهيكل لفي الكرسي، وإن قدميه لعلى الكرسي وهو يحمل الكرسي وقد عاد الكرسي كالنعل في قدميه”

وقال المحقق:” لم أقف عليه وكلام وهب هنا لعله من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب والله أعلم، فانظر مدى التقارب بين عقائد اليهود وعقائد المجسمة حين يوصف الله بالفاظ لم ترد في الكتاب والسنة ك”يا ساكن السماء”، ثم تجدهم يلبسون على الناس بقولهم لا نصف الله الا بما وصف به نفسه ورسوله، والحق أنه لا يثبث وصف لله إذا جاء من مسلمة اهل الكتاب سواء كان هذا الوصف من وصف علمائهم أو مما احتوته كتبهم المحرفة، فكل ذلك لا يمكن أن يكون دليلاً مقبولاً في العقيدة عند أحد من المسلمين، ما لم يأت في كتاب الله وسنة نبيه.

ويمكن القول أن أكثر من تأثر بأهل الكتاب من المسلمين، هم أهل الحديث الذين جمعوا كتباً سميت غالباً بالسنة تلبيساً على المسلمين؛ لأن السنة تخالف البدعة في أذهان أكثر المسلمين، فكان اللجوء الى هذا الاسم موهماً أن ما فيه هو الحق وما يخالفه بدعة مذمومة، وقد حوت هذه الكتب كما أشرنا الى بعضها قبائح لا يصح لمسلم اعتقادها، وقد تنبه الى ذلك العلامة الكوثري فقال:

” على أنه حيث سمى كتابه (السنة) يفيد أن ما حواه  ذلك الكتاب هو العقيدة المتوارثة من الصحابة والتابعين.. فلا حاجة إلى مناقشته فيما ساقه من الأسانيد… فيتبين بذلك الفرق بين ذكر شيء في كتاب يسميه مؤلفه باسم (السنة) وبين ذكره في كتاب لا يسمى بمثل هذا الاسم، لأن الثاني لا يدل على أن جميع ما فيه مما يعتقده مؤلفه، بل قد يكون جمع فيه ما لقي من الروايات تاركاً تمحيصها للمطالع بخلاف الأول فلا نناقش المؤلف في الأسانيد بل نوجه النقد إلى المؤلف مباشرة من جهة أن ما حواه هو معتقده” .

وقد يسوق هذا أو ذاك من أهل الحديث رواية تتعلق بصفات الله وهو يعلم أنها لم ترد في كتاب الله وسنة نبيه، ولكنه يعلم أيضاً أن تسويقها سهل؛ لأن كتاباً يسمى ب”السنة” قد احتواها، وإلا فكيف يكون للجبار ثقل، وهو وصف لم تأت فيه النصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تروى عن كعب بما يحدث من الكتب المحرفة، فكعب الاحبار تابعي أعلن اسلامه في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد أخرج الدارمي بسنده عن عطاء بن يسار أنه قال: أتى رجل كعباً وهو في نفر. فقال يا أبا إسحاق حدثني عن الجبار؟ فأعظم القوم قوله، فقال كعب: دعوا الرجل فإن كان جاهلاً تعلم وإن كان عالماً ازداد علماً. ثم قال كعب: أخبرك أن الله خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن. ثم جعل ما بين كل سماءين كما بين السماء الدنيا والأرض، وكثفهن مثل ذلك. ثم رفع العرش فاستوى عليه. فما في السموات سماء إلا لها أطيط كأطيط الرحل العلافي أول ما يرتحل من ثقل الجبار فوقهن”

إن استعراض تأثير العقائد اليهودية في المسلمين يصعب الإتيان عليه تفصيلاً، أما إجمالاً فهو ظاهر لا يحتاج الى كبير جهد وعناء، فقد تأثرت مجموعات وفرق بفكر التجسيم اليهودي وكان هذا شاملاً لأهل السنة وكذلك للشيعة، وقد ظهرت في الشيعة فرق مجسمة كثيرة منها الهشامية ، وهذا الإسم في كتب محققي الملل والنحل يطلق على الفرقة المنتسبة الى هشام بن الحكم وفرقة ثانية نسجت على منوال الاولى وهي التي تنتسب الى هشام بن سالم الجواليقي، وقد عدهم الشهرستاني فرقة واحدة فقال :” الهشامية أصحاب الهشامين هشام بن الحكم صاحب المقالة في التشبيه وهشام بن سالم الجواليقي الذي نسج على منواله في التشبيه” ، وتعتبر الهشامية الأصل في التجسيم والتشبيه.

وقد ذكر ابو الحسن الأشعري في كتابه الشهير “مقالات الاسلاميين” الهشامية فقال:

” الهشامية أصحاب هشام بن الحكم الرافضي، يزعمون أن معبودهم جسم له نهاية وحد طويل عريض طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه لا يوفي بعضه على بعضه. ولم يعينوا له طولاً غير الطويل. وإنما قالوا: طوله مثل عرضه على المجاز دون التحقيق، وزعموا أنه نور ساطع، له قدر من الأقدار. في مكان دون مكان. كالسبيكة الصافية كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها.

ذو لون وطعم ورائحة. لونه هو طعمه، هو رائحته، ورائحته هي محسته. وهو نفسه لونه. ولم يعينوا لوناً ولا طمعاً هو غيره. وزعموا أنه هو اللون وهو الطعم، وأنه قد كان لا في مكان، ثم حدث المكان بأن تحرك الباري فحدث المكان بحركته فكان فيه. وزعم أن المكان هو العرش.

وذكر أبو الهذيل  في بعض كتبه أن هشام بن الحكم قال إن ربه جسم ذاهب جاء، فيتحرك تارة ويسكن أخرى، ويقعد مرة ويقوم أخرى، وإنه طويل عريض عميق، لأن ما لم يكن كذلك دخل في حد التلاشي. قال: فقلت له: فأيهما أعظم إلهك أو هذا الجبل وأومأت إلى جبل أبي قبيس قال: فقال هذا الجبل يوفي عليه، أي هو أعظم منه. وذكر ابن الراوندي أن هشام بن الحكم كان يقول: إن بين إلهه وبين الأجسام المشاهدة تشابهاً من جهة من الجهات، لولا ذلك ما دلت عليه.

وحكي عنه خلاف هذا وأنه كان يقول إنه جسم ذو أبعاض لا يشبهها ولا تشبهه، وحكى عنه الجاحظ أنه قال في ربه في عام واحد خمسة أقاويل، مرة زعم أنه كالبلورة وزعم مرة أنه كالسبيكة. وزعم مرة أنه غير ذي صورة، وزعم مرة أنه بشبر نفسه سبعة أشبار، ثم رجع عن ذلك وقال هو جسم لا كالأجسام.

وزعم الوراق أن بعض أصحاب هشام أجابه مرة إلى أن الله عز وجل على العرش مماس له وأنه لا يفضل عن العرش ولا يفضل العرش عنه” ، ولا يخفى ما في هذه المقالات من تأثر بالصورة التي رسمتها التوراة المحرفة عن الله تعالى، فلا تجد وصفاً إلا وهو مأخوذ من نص مقتبس أو نص تم تحويره من نصوص التوراة المحرفة، فكان هؤلاء الشيعة أقرب فرق المجسمة والمشبهة الى اليهود وأكثرهم تأثراً بعقيدة التجسيم.

ومما قاله الجواليقي أن ربهم على صورة الإنسان، وينكرون أن يكون لحماً ودماً، ويقولون: هو نور ساطع يتلألأ بياضاً وأنه ذو حواس خمس بحواس الإنسان، له يد ورجل وأنف وأذن وعين وفم، وأنه يسمع بغير ما يبصر به، وكذلك سائر حواسه عندهم متغايرة.

ومن فرق الشيعة التي تأثرت بعقيدة اليهود فرقة تسمى بالمغيرية، نسبة الى المغيرة بن سعيد العجلي(119 هـ) ذكره الذهبي فقال:” وكان هذا الرجل ساحراً فاجراً شيعياً خبيثاً ” ، وذكره الطبري في حوادث سنة(119 هـ)  عندما خرج في نفر من أصحابه على خالد بن عبد الله القسري وكان مما ذكره:” أما المغيرة بن سعيد فإنه كان فيما ذُكر ساحراً وكان يقول: لو أردت أن أحيي عاداً أو ثمودَ وقروناً بين ذلك كثيراً لأحييتهم” ، وذكره الخطيب البغدادي فقال عن مقالاته:

” ومنها إفراطه في التشبيه، وذلك أنه زعم أن معبوده رجل من نور على رأسه تاج من نور، وله أعضاء على صور حروف الهجاء، وأن الألف منها مثال قدميه والعين على صورة عينيه، …ومنها أنه تكلم في بدء الخلق فزعم أن الله تعالى لما أراد أن يخلق العالم تكلم باسمه الأعظم فطار ذلك الاسم ووقع تاجاً على رأسه. وتأول على ذلك قوله تعالى:” سبح اسم ربك الأعلى ” وزعم أن الاسم الأعلى إنما هو ذلك التاج. ثم إنه بعد وقوع التاج على رأسه كتب بإصبعه على كفه أعمال عباده. ثم نظر فيها فغضب من معاصيهم فعرق، فاجتمع من عرقه بحران أحدهما مالح والآخر عذب. ثم اطلع في البحر فأبصر ظله فذهب ليأخذه فطار فانتزع عيني ظله فخلق منها الشمس والقمر، وأفنى باقي ظله وقال: لا ينبغي أن يكون معي ثم خلق الخلق من البحرين فخلق الشيعة من البحر العذب النير فهم المؤمنون وخلق الكفرة وهم أعداء الشيعة من البحر المظلم المالح”

ومن فرق الشيعة الذين تأثروا بمقالات اليهود المجسمة فرقة تسمى باليونسية، نسبة الى  يونس بن عبد الرحمن القمي. مولى آل يقطين، ومن أعظم سخافاتهم في الرد على من خالفهم  في قولهم  أن الحملة الذين يحملون العرش وعليه الباري عز وجل وتطيق حمله،فقالوا جواباً على ذلك ، نعم  وشبه الملائكة بالديك، وأن رجليه تحملانه وهما دقيقتان “

ومن فرقهم المجسمة ايضاً الجواربية ، وذكره الأشعري في مقالات الاسلاميين فقال: ” يحكى عن داود أنه قال: أعفوني عن الفرج واللحية، واسألوني عما وراء ذلك فإن في الأخبار ما يثبت ذلك. وقال: إن معبوده جسم ولحم ودم ومع ذلك جسم لا كالأجسام، ولحم كاللحوم  ودم لا كالدماء، وكذلك سائر الصفات، وحكي أنه قال هو أجوف من أعلاه إلى صدره مصمت ما سوى ذلك وأن له وفرةً سوداء وله شعر قطط ”

ومن المعلوم أن الشيعة الإمامية تنكر ما نسب الى فرق الشيعة من التجسيم وخاصة ما نسب الى هشام بن الحكم،  ولكن ذلك منقوض بما ورد في كتاب الكافي حتى لو ضعَّفوا سنده فقد روى  الكليني بسنده عن علي بن أبي حمزة  أنه قال:” قلت لأبي عبد الله عليه السلام: سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم أن الله جسم صمدي نوري، معرفته ضرورة يمن بها على من يشاء من خلقه، فقال عليه السلام: سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو، ” لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ {42/11}) ، لا يحد ولا يحس ولا يجس ولا تدركه الأبصار ولا الحواس ولا يحيط به شئ ولا جسم ولا صورة ولا تخطيط ولا تحديد “، وأيضاً فقد روى الكليني بسنده عن محمد بن حكيم قال:” وصفت لأبي إبراهيم عليه السلام قول هشام بن سالم الجواليقي وحكيت له: قول هشام بن الحكم إنه جسم فقال: إن الله تعالى لا يشبهه شيء، أي فحشٍ أو خنى أعظمُ من قولٍ من يصف خالق الأشياء بجسم أو صورة أو بخلقة أو بتحديد وأعضاء، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً “

وقد روى الكليني روايات كثيرة مشابهة لهذه في كتابه الكافي، مما يدل على أن هشام بن الحكم كان من المجسمة، بل من غلاة المجسمة، وقد حاول المعاصرون نفي ذلك عنه فقد زعم السيد شرف الدين في كتابه المسمى بـ” المراجعات” أن ذلك صدر من هشام قبل تشييعه فقال: على أنه لو فرض ثبوت ما يدل على التجسيم عن هشام، فإنما يمكن ذلك عليه قبل استبصاره، إذ عرفت أنه كان ممن يرى رأي الجهمية، ثم استبصر بهدي آل محمد، فكان من أعلام المختصين بأئمتهم “

أما المجسمة من أهل الحديث فكان على رأسهم مقاتل بن سليمان ويسمى اتباعه بالمقاتلية ، وكان مقاتل يهتم بعلم التفسير حتى روي عن ابن المبارك أنه قال: ” ما أحسن تفسير مقاتل لو كان ثقة” ، ومع أن مقاتل كان يجمع الحديث ويكثر منه الا أنه  لم يجد قبولاً ” ولم يتهافت أهل الحديث على كثرة ما جمع مقاتل بل زهدوا في الرواية عنه لضعفه ولِما أظهره من التجسيم”

وقال الذهبي: ” ظهر بخراسان الجهم بن صفوان ودعا إلى تعطيل صفات الله عز وجل.. وظهر في خراسان في قبالته مقاتل بن سليمان المفسر وبالغ في إثبات الصفات حتى جَسَّمَ، وقام على هؤلاء علماء التابعين وأئمة السلف وحذروا من بدعهم “ ، وجماع ذلك كله ما ذكره ابن حبان بقوله:” كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث “

ومن المجسمة الكرامية، التي تنسب الى محمد بن كرام السجستاني في القرن الثاني الهجري، وعاصرت الخلافة العباسية، وكان مؤسسها يدعو الى تجسيم معبوده، وساعد على انتشار هذه الفرقة التي استطاعت أن تجمع حولها الاتباع والانصار، ما كانت تلقاه من دعم السلاطين امثال السلطان محمود بن سبكتين وابنه محمد، فقد كان اتباع الكرامية يدينون بالولاء للسلاطين الذين يسيرون وفق تعاليمها، كذلك كان للمظهر الصوفي والزهد والتنسك الذي يظهر من مؤسسها سبباً في انخداع العامة بهم، وقد حدثت للرازي معهم فتنة ذكرها اصحاب السير كثيراً، فقد ناظرهم وابطل حججهم في التجسيم، وكان من ذلك ما ذكر عن المناظرة التي جرت بين الرازي واحد اقطابهم ما نصه:

”  وابتلي الإمام الفخر الرازي بمناظرة الكرامية بعد ابن فورك وأبي إسحاق، وكان رأس الكرامية في زمانه مجد الدين بن عمر المعروف بابن القدوة وهو الذي تسبب في محنة الفخر الرازي مستغلاً مكانته عند الغوريين الذين خلفوا آل سبكتكين في حكم بلادهم.  وحدثت بذلك فتنة عظيمة ذكرها ابن الأثير في حوادث (595هـ) فقال: ” وفي هذه السنة حدثت فتنة عظيمة بعسكر غياث الدين ملك الغور وغزنة ..وسببها أن الفخر محمد بن عمر الرازي كان قد قدم إلى غياث الدين فأكرمه واحترمه وبنى له مدرسة بهراة ،  فقصده الفقهاء من البلاد فعظم ذلك على الكرامية وهم كثيرون بهراة، وأما الغورية فكلهم كرامية…فاتفق الفقهاء من الكرامية والحنفية والشافعية عند غياث الدين للمناظرة وحضر الفخر الرازي وابن القدوة وهو من الكرامية الهيصمية وله عندهم محل كبير لزهده وعلمه وبيته، فتكلم الرازي فاعترض عليه ابن القدوة، وطال الكلام فاستطال عليه الفخر الرازي وسبه وشتمه وبالغ في أذاه، وابن القدوة لا يزيد على أن يقول: لايفعل مولانا، وأخذك الله، وأستغفر الله، فانفصلوا على هذا، وقام ضياء الدين ،  في هذه الحادثة وشكر إلى غياث الدين وذم الفخر الرازي ونسبه إلى الزندقة ومذهب الفلاسفة فلم يصغ غياث إليه. فلما كان الغد وعظ ابن القدوة بالجامع فلما صعد المنبر قال بعد أن حمد الله وصلى على النبي: لا إله إلا الله، ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين، أيها الناس إنا لا نقول إلا ما صح عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما علم أرسطاليس وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي فلا نعلمها، فلأي شيء يُشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله وعن سنة رسول نبيه، وبكى وضج الناس وبكى الكرامية واستغاثوا…وثار الناس من كل جانب وامتلأ البلد فتنة وكادوا يقتتلون ويجري ما يهلك فيه خلق كثير فبلغ ذلك السلطان فأرسل جماعة من عنده إلى الناس وسكَّنهم ووعدهم بإخراج الفخر من عندهم وتقدم إليه بالعودة إلى هراة فعاد إليها”

وتعتبر اهم مقالات الكرامية زعمهم أن معبودهم جسم له حد ونهاية، وسبق ان بينّا ان هذا ما يقوله ابن تيمية والوهابية، ويزعمون ان نهاية معبودهم من تحته هي الجهة التي يلاقي منها العرش

ثم اختلف أصحابه في النهاية فمنهم من وافقه، ومنهم من أثبت النهاية له من ست جهات، ومنهم من أنكر النهاية له وقال هو عظيم.

ولهم في معنى العظمة خلاف فقال بعضهم معنى عظمته أنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته، وهو فوق ذلك على الوجه الذي هو فوق جزء منه. وقال بعضهم معنى عظمته أنه يلاقي مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد وهو يلاقي جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم”

ثم كان واضحاً تأثر اهل الحديث بالتجسيم، وخاصة من لم يكن منهم فقيهاً أو مشتغلاً بالفقه، فقد عُرِفَ من أهل الحديث من ينكر التجسيم وينهى عن التحديث بروايات ظاهرها التجسيم، كما هو حال الامام مالك والإمام احمد الذي ثبت عنه التأويل والتفويض، لذلك فالمقصود بالذين تأثروا من اهل الحديث بالتجسيم، هم الذين رووا روايات ساقطة سنداً ومتناً، فجاءوا بروايات تخالف العقل الصريح والنقل الصحيح، زاعمين بأن هذا هو رأي السلف.

إن كثيراً من العوام وطلبة العلم المقلدين بدون دليل، اعتقدوا ان كل ما جاء في كتب الحديث ولا سيما في موضوع الاسماء والصفات يصعب مخالفته والقول بغيره، ظناً منهم أن رد هذه الاحاديث هو رد لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا  يقبلون نقداً للاحاديث الا ما كان متعلقاً بالسند، دون نظر الى المتن، ولا يلتفتون مثلاً الى أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها انكرت روايات سندها صحيح؛ لأنها تخالف كتاب الله جل جلاله، وقد ألَّف الامام الزركشي كتاباً في ذلك سمّاه ” الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة”، وهذا يقودنا الى الإجابة عن السؤال الكبير: أيهما يؤخذ الدين منه، المحدث أم الفقيه؟

في البداية لا بد من الإشارة الى أن الوهابية اشاعوا بين اتباعهم واوهموا العوام أن بعض الفقهاء يرفضون حديث رسول الله، واتهموهم بالزندقة والبدعة، وخير شاهد على ذلك موقف الوهابية واسلافهم في كتبهم من ابي حنيفة رحمه الله، لأنه خالف بعض الاحاديث سواء في الاعتقاد أو الاحكام، وهذا فيه تدليس لا بد من كشفه، فَرَدُّ بعض الفقهاء لحديث ما، لا يعتبر رداً لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله، بل ذب عن سنته عليه السلام، وتنقية لها مما علق بها نتيجة النقل دون فقه، فليس كل نقل يحتج به عند الفقهاء، وهذا يدل عليه تعريف الحديث الصحيح الذي يحتج به في الاحكام العملية دون العقائد عند كثير من الفقهاء، فالحديث الصحيح هو الحديث المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط الى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، فقد يجد الفقيه علة أو شذوذاً في سند الحديث أو متنه يمنعه من الاخذ به، وهذا الأمر قد يغفل عنه المحدث الذي لم يشتغل بالفقه، وهذا ما دعا الفقهاء الى رفض احاديث صحيحة في سندها الا ان متنها فيه علة أو شذوذ، وقد أشرنا في سياق البحث الى حكم ابن باز على حديث التربة الذي في مسلم؛ بأنه من الاسرائيليات، وهكذا كثير من الأحاديث صح متنها ولكن الفقيه ينكرها، وهذا حال السلف، وهو منسجم مع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ” نضر  الله امرأً سمع منا حديثا ، فبلغه كما سمعه ، فرب مبلغ أوعى من سامع ” وقوله:” نضر  الله رجلا سمع منا كلمة فبلغها كما سمع ، فإنه رب مبلغ أوعى من سامع ” وهذا دليل على التفريق بين المحدث الذي لا قد لا يفهم احياناً فقه الحديث ومقاصده، وبين الفقيه الذي يصله الحديث فيتأمله ويفهمه ويبحث عن علله ويقارنه بغيره من نصوص الكتاب والسنة، لذلك نجد مثلاً رسالة “مسالك الحنفا في والدي المصطفى” للإمام السيوطي رداً على حديث مسلم :” أبي وأباك في النار” ، فقد ساق السيوطي رحمه الله الأدلة من الكتاب والسنة على ما يخالف هذا الحديث.

 

  الملل والنحل211

  إن الله خلق التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة

  انظر  البخاري في التاريخ الكبير 1/413-414 ، والحافظ يحيى بن معين نقله عنه ابن تيمية في “التوسل والوسيلة” ص 173

  من ذلك جديث الجساسة الذي يرويه تميم الداري واخرجه مسلم من حديث فاطمة بنت قيس. انظر اقوال محمد رشيد رضا وموافقة ابن عثيمين له

  اعتقادات فرق المسلمين والمشركين 34 وانظر في الفرق بين الفرق، البغدادي ص 28

 انظر تاريخ بغداد 13/164 وسيرأعلام النبلاء 7/202

  13/161 من تاريخ بغداد

   المجروحون 2/15 وانظر نحوه في وفيات الأعيان 5/255 والضعفاء لابن الجوزي 1/136.

  الملل والنحل ص 106

  انظر  حمود التويجري ،عقيدة أهل الإيمان في خلق ءادم على صورة الرحمن، ص  77

  انظر مجموع الفتاوى 4/374

  انظر كتاب شرح حديث النزول ص 400

  انظر حاشية الصفحة السابقة من الكتاب

  اعتقاد أهل السنة 3/400

  استدل به ابن قدامة في(اثبات صفة العلو) ص 1/96، وابن القيم في اجتماع الجيوش الاسلامية ص 169،

  انظر اسامة القصاص في شرحه على كتاب اثبات علو الله على خلقه2/323

  السنة  2/477

  مقالات الكوثري ص 326

  الرد على الجهمية ضمن (عقائد السلف) 277، والذهبي في العلو 2/866

  الملل والنحل ص 184

  مقالات الإسلاميين 208 وانظر مقالته في الفرق بين الفرق، البغدادي 51 و 115

 انظر المصدر السابق  34ص و ص 209

  سير اعلام النبلاء 9/323

  تاريخ الطبري 4/147

  انظر الفرق بين الفرق 231-233 و 214، وانظر الفصل لإبن حزم 4/141 والملل والنحل للشهرستاني 176 والكامل لابن الأثير 4/429

  مقالات الاسلاميين للاشعري ص 35

وهم أتباع داود الجواربي.  رأس في الرافضة   أخرج اللالكائي بسنده عن وكيع بن الجراح أنه قال: (وصف داود الجواربي – يعني الرب- فكفر في صفته فردَّ عليه المريسي)  وذكر أيضاً أن أهل واسط أتوا أميرهم وأخبروه بمقالته في التجسيم وأجمعوا على قتله إلا أنه مات قبل أن يصلوا إليه

  الملل والنحل105. وانظر مقالته في التبصير في الدين للاسفرائيني 71 والفصل لابن حزم 4/139 والبدء والتاريخ للمقدسي 5/140 واعتقادات فرق المسلمين للرازي 63. وسير أعلام النبلاء 10/544.و انظر لسان الميزان لابن حجر 5/300.

  الكافي للكليني 1/104

  المصدر السابق 1/105

  المراجعات لعبد الحسين شرف الدين  420

  مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخراساني ، أبو الحسن البلخي، نزيل مرو، كذبوه وهجروه، رمي بالتجسيم، مات سنة (150)هـ .

  انظر تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13/163 ، وميزان الاعتدال للذهبي 4/173

  انظر التاريخ الكبير للبخاري 8/14 والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 7/345 وميزان الاعتدال للذهبي 4/172 وقال الذهبي في السير 7/202: (أجمعوا على تركه).

  انظر طبقات الحنابلة  1/159

المجروحون  2/15 وانظر نحوه في التعديل والتجريح للباجي 1/197 والضعفاء لابن الجوزي 1/136 ووفيات الأعيان لابن خلكان 5/255

 

    الكامل 10/262 وانظر البداية والنهاية   13/19

  انظر في هذا المعنى الملل والنحل للشهرستاني 108، والفرق بين الفرق للخطيب الغدادي 203

 الملل والنحل للشهرستاني ص 111

مرتكزات الخطاب الديني "التنويري"

عبد الصمد الراغي
عبد الصمد الراغي

عبدالصمد الراغي – موطني نيوز
  يجب علينا كمسلمين في القرن 21م  و باحثين أن نحدد دواعي سلكنا هذا المسلك ” تجديد الخطاب الديني ”  .
إن ما تراه أعيننا من ترهات و تخاريف  في الإعلام العمومي و على منابر الجمعة من قبل شيوخ و علماء يدفع كل ذي عقل إلى التساؤل عن المغزى من ذاك الخطاب و من أين يستمد شرعيته ؟ هذا الخطاب التقليدي الذي يمكننا وصفه بالغبي أو الغير الواقعي ، و الذي يدعوا في مجمله إلى الكراهية و العنف تحت راية الإسلام ، و بحجة أن هذا الأنموذج هو الذي يريده الله للبشر .

و من تتبع جذور هذا الخطاب و عاد إلى منشئه التاريخي ، سيجده متأصلا في الأمة منذ القرن الأول الهجري في الصراع حول السلطة ، وقد تجدّر بالخصوص في الصراع بين الدولتين الأموية و العباسية . إذ أن كل راغب في السلطة أو مدافع عن تربعه على عرشها كان يبحث عن أساليب تبرر له أفعاله إزاء خصومه ، و كان أقرب شيء و أنجعه هو استخدام السلطة الدينية ، من خلال تفسيرات لأحاديث و آيات قرآنية تعزز وجهة نظر مستخدمها .
و يؤكد الكثير من الدارسين لعلوم الحديث على أن الصراع بين الطرفين ( الدولة الأموية – الدولة العباسية )  دفع بهم لإستخدام فقهاء و علماء محدثين ليضعوا أحاديث منسوبة كذبا إلى رسول الله.(1)
هذه الشبهات و غيرها فتحت الباب آنذاك لإذكاء التعصب المذهبي و العنف الدموي و التكفير… و بقيت مصاحبة للمسلم الفقيه إلى عصرنا هذا .

بهذه الإطلالة على التاريخ ، يتضح جليّا مصدر هذه الخطابات الدينية التي نراها طاغية على الساحة الدينية ، و التي مصدرها (فتوى) مرّ عليها الدهر فأصبحت تراثا مقدسا بل و صارت مرجعا موثوقا .

كيف نقدم خطابا دينيا مقنعا ؟
إن المفروض من خطابنا التنويري أن يستهدف فئة معينة من الناس ، و هم المقدِسون للتراث الفقهي . و لكن ؛ أول خطأ يقع فيه حامل هذا الخطاب “التنويري” ، هو وصف علماء و فقهاء ترسخت مكانتهم في قلوب المستهدَفين بأوصاف دونية ،بل و الاستهزاء بأقوالهم و فتواهم التي أوردوها في كتبهم . و مثل هذه الطرق في الخطاب تؤدي إلى تنفير المستهدَف بل و إلى حمل ضغينة و حقد منه و من العوام أيضا .

 لدى فيجب على حامل همّ  التنوير، أن يكون خطابه يتوخى بالدرجة الأولى تصحيح المفاهيم المغلوطة التي تشوّه الإسلام .و بابتعاده عن ازدراء التراث و تسفيه الفقهاء يمكنه تحقيق نجاح كبير في إقناع الناس بخطابه . و له في هذا مسلكين :

1 – الإقرار بأن فقهاء العصور الأولى قدموا اجتهادات بشرية صالحة لبيئتهم و زمانهم و مكانهم. و تلك الاجتهادات نابعة من فهمم للنصوص بآليات ذلك الزمان . فَهُم لا يلامون فيما قدموه.
و لكن ضرورة تغيّر الزمان و المكان و البيئة تتطلب اجتهادا آخر يساير التراكم المعرفي و التقدم العلمي المذهل .
غير أن الاجتهاد لا يجب أن يدخل في حيّز العبادات التابثة بالنصوص القرآنية القاطعة الدلالة ، و لا فيما تواتر عن النبي صلى الله عليه و سلم فعله ، خاصة فيما يتعلق بتفاصيل أداء العبادات ، كالطهارة و الصلاة … كقوله صلى الله عليه و سلم ” صلّوا كما رأيتموني أصلي ” (2).
 و بعيد عن هذه التوابث القطعية التبوث و الدلالة ، فكل ما يتعلق بالحياة اليومية يتغير بتغير الزمان و المكان و الإطار الأخلاقي . و لذلك قال صلى الله عليه و سلم ” أنتم أعلم بأمور دنياكم”  (3) .
2 – التفصيل في أن السنة النبوية تنقسم إلى قسمين : سنة العبادة ، و سنة العادة  .
أما الأولى فهي ما فعله النبي لبيان طريقة و أسلوب عبادة من العبادات كالصلاة و الصوم … .
أما سنة العادة فتدخل فيها ممارسة النبي لحياته اليومية من مظهر  و ملبس و مأكل و تداوٍ ، و يدخل فيها احترامه لأعراف قومه و عاداتهم التي تتماشى مع الدين ، و كل ما هو بشري .
و سنة العادة هذه ليست مكملة لما جاء في القرآن وليست من مرتكزات الدين .
لهذا فكلها سلوك بشري مرتبط بالمجتمع و الزمان و المكان ، و هي ضرب من ضروب الماضي و لا يلتزم الملسم بأن يعود للماضي و العيش فيه ، بل يلزمه مواكبة التطورات العلمية و الثورات المعلوماتية .
ما هو الدافع للخطاب التنويري ؟ و ما أهدافه ؟
من المتفق عليه أن وجود علماء الدين في المجتمع أمر ضروري، واحترامهم أمر مطلوب . بدليل قوله تعالى : ” فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ” (سورة التوبة الآية 122) .
و لكن من أسوأ الأخطار التي تصيب الدين هي الافتراء عليه من داخله، أي من العلماء الذين يعتبرهم الناس مصدراً لتعاليم الدين وأحكامه، فيصدرون للناس فتاوى وآراء تخالف قيم الدين ومصلحة الأمة، بدوافع مصلحية، لخدمة الذات، أو انحيازاً لمصلحة فئة ما، أو تعصباً لمذهب واتجاه ما .
وقد رأينا في عصرنا الحاضر كيف أدّت بعض الفتاوى والآراء إلى نشوء توجهات إرهابية، تمارس العنف ضد الأبرياء، وتستبيح الدماء، وتنتهك الحرمات، خارج الأمة وداخلها.

كما رأينا مواقف التعبئة والتحريض الطائفي بعناوين دينية، كحماية العقيدة، ومحاربة الشرك والبدع، والدفاع عن المذهب، وما أنتجته من مشاريع فتن وتمزيق ونزاع.

وفي داخل المذاهب تحصل صراعات تستخدم فيها الفتاوى الدينية بين الأطراف المختلفة في الرأي أو المصلحة، مما يتنافى مع حقوق الأخوة الإيمانية، ويتعارض مع احترام حق الاجتهاد واختلاف الرأي، ويجعل مجتمع المؤمنين ساحة نزاع وصراع.
 إن حدوث مثل هذه الحالات والظواهر أمراً متوقعاً، لأن أفراد هذه الشريحة -علماء الدين- ليسوا ملائكة ولا معصومين، وليسوا بعيدين عن التأثر بأوضاع وأجواء محيطهم الاجتماعي .
 فكان لزاما على ذوي الألباب من هذه الأمة أن يجدوا آليات للحد من هذه الظواهر السلبية و تحصين المجتمع من الأفكار السوداوية.
 و أن يعتمدوا على  فتح باب النقد البناء من قبل علماء لعلماء الدين ، و نهج مقاربة تشاركية في إصدار الفتوى من عالم الدين وعالم الاجتماع و الفيزيائي و الرياضياتي … .
 و ذلك هو المراد بقوله تعالى : ” وشاورهم في الأمر “(سورة آل عمران 159)  و قوله تعالى “وأمرهم شورى بينهم “( السورة الشورى 38)  .
كذلك العمل على إجلاء التقديس المفرط للشيوخ و علماء الدين ، لأنه غير مأمون عليهم تباتهم على مواقفهم ، و كما قال رسول الله ” إن الحي لا تؤمن عليه الفتنة “(4) ، و قوله ” ويل لأمتي من علماء السوء يتخذون العلم تجارة يبيعونها لا أربح الله تجارتهم  “(5) . كما أن الله تعالى حذر أمة نبيّه محمد من خلال ضرب مثل لهم في القرآن بالأحبار و الرهبان ، في قوله تعالى : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ” ( سورة التوبة 34) .

و في الختام فإن الهدف الأسمى هو جعل الإنسان يستخدم عقله لتقويم العلماء، و حفظ الدين من الناقمين عليه .
فاللهم صلّ على سيدنا محمد الذي ملأت قلبه من جلالك و عينه من جمالك .

تم و لله الحمد

هوامش :
(1) – من أمثال المناصرين لبني أمية على سبيل المثال لا الحصر ، الإمام الأوزاعي ؛ إذ أنه حرّم معارضة حكام بني أمية .
و في الطرف الآخر نجد عبد الله إبن الأشعت و أبو البحتري العابد الذي خرج في البصرة قائلا : أيها الناس، قاتلوهم على دينكم، ودنياكم، فوالله، لئن ظهروا عليكم، ليفسدن عليكم دينكم، ودنياكم .
أنظر كذلك كتاب : طبيعة الدعوة العباسية لفاروق عمر .
(2) – رواه البخاري / الحديث رقم 1101 .
(3) ورد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم مر بقوم يلقحون. فقال “لو لم تفعلوا لصلح” قال فخرج شيصا. فمر بهم فقال “ما لنخلكم؟ ” قالوا: قلت كذا و كذا. قال “أنتم أعلم بأمر دنياكم” .
(4) رواه ابن عبد البر في “جامع بيان العلم وفضله” (2/947ـ رقم 1810) ، وفي إسناده ضعف  إلا أنه أثر مشهور متداول .
(5) في المستطرف:1/51 والفردوس:4/398 ، وربيع الأبرار/655، وكنز العمال:10/205.

شبهة وردت "حـول عـلم الكـلام"

 

عبدالصمد الراغي
عبدالصمد الراغي

عبدالصمد الراغي-موطني نيوز

من الشبهات التي أثارها المجسمة قديماً وحديثاً، أن علم الكلام بدعة، ويسوقون شبهتهم هذه على ضعاف العقول فيقولون كما ذكر شبهتهم الإمام الأشعري في رسالته ” استحسان الخوض في علم الكلام”  فقال:

” … فإن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين، ومالوا الى التخفيف والتقليد، وطعنوا على من فتش عن أصول الدين ونسبوه الى الضلال، وزعموا أن الكلام في الحركة والسكون والجسم والعرض والألوان والأكوان والجزء والطفرة وصفات الباري عز وجل، بدعة وضلالة؛ وقالوا: لو كان ذلك هدى ورشاداً لتكلم فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخلفاؤه وأصحابه! قالوا: ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمت حتى تكلم في كل ما يحتاج اليه من أمور الدين وبينه بياناً شافياً، ولم يترك بعده لأحد مقالاً فيما للمسلمين اليه حاجة من أمور دينهم وما يقربهم الى الله عز وجل ويباعدهم عن سخطه؛ فلما لم يرووا عنه الكلام في شيء مما ذكرناه علمنا أن الكلام فيه بدعة والبحث عنه ضلالة؛ لأنه لو كان خيراً لما فات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ولتكلموا فيه، قالوا: ولأنه لا يخلو ذلك من وجهين: إما أن يكونوا علموه فسكتوا عنه، أو لم يعلموه بل جهلوه؛ فإن كانوا علموه ولم يتكلموا فيه وسعنا أيضاً نحن السكوت عنه كما وسعهم السكوت عنه، ووسعنا ترك الخوض كما وسعهم ترك الخوض فيه؛ لأنه لو كان من الدين  ما وسعهم السكوت عنه، وإن كانوا لم يعلموه وسعنا جهله كما وسع أولئك جهله؛ لأنه لو كان من الدين لم يجهلوه، فعلى كلا الوجهين الكلام فيه بدعة والخوض فيه ضلالة. فهذه جملة ما احتجوا به في ترك النظر في الأصول”

لقد رد الأشعري رحمه الله على هذه الشبهات المتهافتة رداً مفحماً في رسالته التي ساق في بدايتها تلك الشبهة وسماها” استحسان الخوض في علم الكلام “؛ لذلك وقبل الإجابة والرد على تلك الشبهات لا بد من تناول امور عن علم الكلام بما يليق به باعتباره أحد العلوم الشرعية.

أولاً : تعريف علم الكلام : تشير التعريفات المختلفة لعلم الكلام الى أنه أحد العلوم الدينية لأنها تؤكد أن موضوعه هو الأصول  الاعتقادية، فهو يتناول هذه الأصول بإثباتها عقلاً ونقلاً والدفاع عنها ودحض شبهات المعارضين، فكل من يستند الى أدلة عقلية في طرح عقائد الاسلام واثباتها والدفاع عنها فهو داخل في مسمى المتكلمين، وقد اختلفت التعريفات لهذا العلم الجليل فقيل فيه :” إعلم أن الأحكام الشرعية منها ما يتعلق بكيفية العمل، وتسمى فرعية وعملية، ومنها ما يتعلق بالاعتقاد، وتسمى أصلية واعتقادية، والعلم المتعلق بالأولى يسمى علم الشرائع والاحكام … والثانية علم التوحيد والصفات” . وذكر ابن خلدون في مقدمته عن عقائد الاسلام التي هي موضوع الأيمان ما نصه :” واعلم أن الشارع وصف لنا هذا الايمان الذي هو المرتبة الأولى، الذي هو تصديق، وعيَّن اموراً مخصوصة كلفنا التصديق بها بقلوبنا، واعتقادها في انفسنا مع الإقرار بالسنتنا، وهي العقائد التي تقررت في الدين. قال صلى الله عليه وسلم، حين سئل عن الايمان فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ، وهذه هي العقائد المقررة في علم الكلام”. وقال الايجي مبيناً سبب اقتصار علم الكلام على بحث العقائد والدفاع عنها دون العمليات من الشرع، ما نصه:” والكلام علم يُقتدرُ معه على اثبات العقائد الدينية بايراد الحجج ودفع الشُبَهْ. والمراد بالعقائد ما يقصد فيه نفس الاعتقاد دون العمل، وبالدينية المنسوبة الى دين محمد عليه السلام” . وبذلك لا تختلف التعريفات في كونه العلم الذي يبحث فيه عن اثبات اصول الدين الاسلامي بأدلة تفيد القطع واليقين، فهو علم يبحث ويدرس مسائل العقيدة الاسلامية الحقة وذلك بإيراد الأدلة وعرض الحجج على اثباتها، وكذلك مناقشة الأقوال والآراء المخالفة لها، ومحاكمة ادلة تلك الاقوال والآراء، والغاية من ذلك إثبات بطلانها ودفعها بالحجة والبرهان. فنحن مثلاً نلجأ الى طرق علم الكلام واساليبه لاثبات وجود الله ونبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن القرآن كتاب منزل من عند الله، وكذلك الرد على شبهات المجسمة من اليهود ومن تابعهم من المسلمين. ومما يستدل به على ذلك قول الله تعالى :” فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ {47/19} فالآية قدمت معرفة الله والعلم به وهو الأصل، على الفرع العملي وهو الاستغفار، واعتبار الآية دليل محله: أن صيغة “فاعلم” هي صيغة أمر، ومعلوم أن صيغة الأمرة المجردة عن القرائن تفيد الوجوب ، فيكون العلم بالله واجباً، وهو الأصل الذي يترتب عليه العمل، وهذا منسجم مع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:” أنا اعلمكم بالله وأخشاكم له ” . وكذلك يمكن الاستدلال لعلم الكلام بقوله صلى الله عليه وآله وسلم عند نزول قوله تعالى :” إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دابّة وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ”  {2/164} حيث قال:” ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكر بها” ففي الآية دليل على وجوب النظر والاستدلال على عظمة الله من خلال البحث في مخلوقات الله، وقد رتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذماً لمن لم يتفكر وينظر ويعتبر، ومفهوم المخالفة يفيد المدح لمن نظر وتفكر وتدبر ، كما أن في الآية دليلاً على ذم التقليد في العقائد؛ لأنه يكون بلا تفكر ونظر واعتبار، وهذا هو علم الكلام. كذلك يمكن الاستدلال بقوله تعالى:” اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا” {65/12}، فالآية فيها إشارة الى الغاية من خلق السماوات والأرض وهي معرفة قدرة الله تعالى وكذلك معرفة علمه جل جلاله.

ثانياً : نشأة علم الكلام: لم يكن علم الكلام بعيداً عن النصوص الشرعية التي اوجبت الاستدلال على العقيدة ودفع شبه المخالفين، وهي النصوص التي تُشكل جوهر علم الكلام قبل بروزه باعتباره علماً مستقلاً، أما نشأته كعلم فقد كانت لاعتبارات كثير منها ما هو داخلي ومنها ما هو ناتج عن اعتبارات خارجة عن الأمة الاسلامية، أما الداخلية فتتمثل بكون القرآن قد عرض لعقائد المخالفين ورد عليها، قال تعالى: ” إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {2/62} وقال :” إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {5/69} فذكر هذه الطوائف لا بد أن يثير تساؤلات حول هذه الطوائف والفِرَقْ  والفَرْقُ بينها وبين الاسلام؛ لضرب الاساس الفكري الذي قامت عليه تلك العقائد. كذلك ذكر القرآن بعض الأفكار المنحرفة ورد عليها فقال عن الدهرية أنهم يقولون وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ {45/24}”، ورد على الذين عبدوا الكواكب وجعلوها آلهة فقال:” فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ {6/76} فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ {6/77} فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ {6/78} وذكر منكري النبوات ورد عليهم فقال:” وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً {17/94} قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً {17/95} قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا {17/96} ورد على منكري البعث فقال:” يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ {21/104}.

هذه الآيات وأمثالها كثير، شكلت الأساس الذي انطلق منه علم الكلام في عرض وطرح العقائد الاسلامية واقامة الدليل عليها، وكذلك من العوامل الداخلية على نشأة علم الكلام، ظاهر بعض الآيات التي إذا ذكرت منفردة أشكلت على العقول مثل قوله تعالى: ” وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا {18/23} إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا {18/24) وقوله تعالى:” وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا {18/29} فكأن المشيئة مرة متعلقة بالله ومرة متعلقة بالانسان، فنشأ الخلاف فيما يعرف بالجبر والاختيار، أي هل الانسان مخير ام مسيَّر.

كذلك وردت آيات متعلقة بصفات الله فتوقف بعضهم في ففهمها وفوضوا معناها الى الله، وفَهِمَها بعضهم على ظاهرها، كالآيات التي ذكرت اليد والوجه والاستواء وأولها آخرون تنزيهاً لله استناداً الى قوله تعالى :” لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ” على اعتبار ان أخذها على ظاهرها فيه تشبيه وتجسيم. فأما السلف:” فغلبوا أدلة التنزيه لكثرتها ووضوح دلالتها، وعلموا استحالة التشبيه، وقضوا بأن الآيات من كلام الله، فآمنوا بها، ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل. وهذا معنى قول الكثير منهم: اقرأوها كما جاءت، آي آمنوا بأنها من عند الله، ولا تتعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها، لجواز أن تكون ابتلاء، فيجب الوقف والإذعان له”، ولا يضر شذوذ من شذ حتى قالوا بالتشبيه، وممن اعتبر ذلك شذوذاً ابن خلدون بقوله:” … وشذ لعصرهم مبتدعة اتبعوا ما تشابه من الآيات، وتوغلوا في التشبيه…” . لقد مضى زمن النبوة والمسلمون على عقيدة واحدة هي ما جاء في كتاب الله، لأنهم كما اشار طاش كبرى زاده بقوله: ” أدركوا زمان الوحي وشرف صحبة صاحبه، وأزال نور الصحبة عنهم ظلم الشكوك والأوهام”، إلا أن هذا الإنسجام ما لبث أن تغير بعد وقت قصير، فقد اختلف الأمر في أواخر عهد الصحابة رضوان الله عليهم؛ إذ بدأ الاختلاف في أمور عقائدية ناجمة عن فهم بعض الآيات، وذكر الخطيب البغدادي ما نصه:” ثم حدث في زمان المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر والاستطاعة من معبد الجهني وغيلان الدمشقي والجعد بن درهم، وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة، كعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك وعبد الله بن أوفى وعقبة بن عامر الجهني وأقرانهم” ، وقد جعل حجة الاسلام الغزالي رحمه لله  المتكلمين رداً على المشوشين على عقيدة اهل الحق فقال: ” القى الله سبحانه وتعالى الى عباده على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم عقيدة هي الحق على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار. ثم القى الشيطان وساوس المبتدعة اموراً مخالفة للسنة فلهجوا بها، وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها، فأنشأ الله سبحانه وتعالى طائفة المتكلمين، وحرك دواعيهم لنصرة السنة المأثورة بكلام مرتب يكشف تلبيسات اهل البدعة المحدثة على خلاف السنة المأثورة، فمنه نشأعلم الكلام وأهله “.

ولم يكن الاختلاف حول النصوص العقائدية السبب الوحيد، بل كانت السياسة أيضاً سبباً من اسباب الاختلاف؛ فقد اختلف المسلمون في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم استقر الأمر على خلافة أبي بكر رضي الله عنه، فأصبحت الخلافة أو الإمامة من الأمور التي تناولها علم الكلام.

ثالثاً : فائدة علم الكلام: اعتبر المتكلمون من أهل السنة (الأشاعرة) أن أول واجب على المكلف هو النظر الموصل معرفة واجب الوجود وهو الله، فكانت الحاجة ماسة الى علم الكلام لمعرفة اصول الدين، وتظهر فائدة علم الكلام الى أمور منها:

01 المعرفة اليقينية لأصول الدين، والتي تقوم على أساس الدليل والبرهان.

02 امتلاك القدرة على إثبات قواعد العقائد بالدليل والبرهان.

03  القدرة على دحض شبه المخالفين التي تثار حول اصول العقائد.

وقد ذكر الايجي خمس فوائد لعلم الكلام فقال مجيباً على سؤال لماذا يستحسن الخوض في علم الكلام؟ فقال:

  1. الأولى: الترقي من حضيض التقليد الى ذروة الإيقان “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات”
  2. الثانية:ارشاد المسترشدين بايراد الحجة، وإلزام المعاندين بإقامة الحجة.
  3. الثالثة:حفظ قواعد الدين من أن تزلزلها شبه المبطلين.
  4. الرابعة: أن يبنى عليه العلوم الشرعية، وإليه يؤول أخذها واقتباسها.
  5. الخامسة: صحة النية والاعتقاد؛ إذ بها يرجى قبول العمل، وغاية ذلك كله الفور بسعادة الدارين”

ومن هنا يعلم أن علم الكلام يهدف الى الدفاع عن اصول الدين والتصدي للخصوم، مستخدماً كل ما يوصل الى الغاية المقصودة من أدلة نقلية وعقلية، من خلال اثبات العقائد على الغير من اصحاب الشبهات. وما انتشر النفاق الا عندما توقف المسلمون عن الدعوة الى الاسلام بالاقناع واكتفي في مراحل كثيرة بقوة السيف، ونحن في هذا الزمان أحوج الى علم الكلام؛ لأن ابناء المسلمين عرضة لتيارات الحادية وعلمانية تغزوه عبر الفضائيات ومواقع الإنترنت. ولا يتعارض ذلك مع ما قرره الغزالي من الجام العوام عن الخوض في علم الكلام، فالعوام في زمانه رحمه الله غير العوام في هذا الزمان، حيث انتشرت القراءة ووسائل المعرفة وتحصيل المعلومات لدى أكثر الناس، وخاصة أنهم يتعرضون كما اشرنا لانواع كثيرة من الغزو الفكري المشكك في العقيدة الاسلامية؛ فإن لم تكن لديهم حصانة بمعرفة اساسيات علم الكلام، فإنهم عرضة للتأثر بشبهات المخالفين.

رابعاً: علاقة علم الكلام بالفقه وأصول الفقه: من الملفت للإنتباه أن نجد كثيراً من الذين ألفوا في اصول الفقه هم من أهل اكلام، وهذا يثبت التكامل بين الفقه واصول الفقه وعلم الكلام، وكان ابن خلدون ممن أشار الى جهود المتكلمين في مجال الفقه وأصوله حين قال: ” وكملت صناعة الفقه بكماله، وتهذيب مسائله، وتمهدت قواعده، وعني الناس بطريقة المتكلمين فيه، وكان من احسن ما كتب فيه المتكلمون كتاب” البرهان” لإمام الحرمين، و” المستصفى” للغزالي، وهما من الأشعرية، وكتاب “العهد” لعبد الجبار وشرحه “المعتمد” لأبي الحسن البصري، وهما من المعتزلة، وكانت الأربعة تمثل قواعد هذا الفن وأركانه، ثم لخص هذه الكتب الأربعة فحلان من المتكلمين المتأخرين، وهما فخر الدين ابن الخطيب في كتاب ” المحصول” وسيف الدين الآمدي في كتاب ” الاحكام” ، ويقول الزركشي في البحر المحيط: ” وجاء من بعده-أي الشافعي- فبينوا وبسطوا وشرحوا، حتى جاء القاضيان، قاضي السنة ابو بكر بن الخطيب، وقاضي المعتزلة عبد الجبار، فوسعا العبارة، وفكا الإشارات، وبينا الإجمال، ورفعا الإشكال، واقتفى الناس بآثارهم وساروا على لاحب نارهم” . ويمكن القول بأن اصحاب المذاهب الأربعة كانوا على علاقة بعلم الكلام، حتى لو روي عنهم النهي عن الخوض فيه، فمما ينسب الى الإمام مالك قوله:” الاستواء معلوم والكيف مجهول” فهذا القول يبدو ظاهرياً مخالفة لعلم الكلام ولكنه جواب على المشبهة والمجسمة وقول بالتفويض في الاستواء، بل يمكن القول أن أساس فكر الأشعري يقوم على عبارة الامام مالك، التي ظهر فيها التنزيه مع التفويض. وقد نسب الرازي الى الإمام الشافعي انه تعلم علم الكلام فقال:” لقد دخلت فيه-أي في علم الكلام- حتى بلغت مبلغاً عظيما” وله كثير من الابواب التي تصنف بأنها من ابواب علم الكلام مثل التوحيد والقضاء والقدر والايمان .اما الإمام أحمد فإنه برده على الجهمية يكون قد لجأ الى علم الكلام في الرد على الخصوم، أما ابو حنيفة فلا يحتاج الى دليل بأنه من أهل الكلام.

علاقة علم الكلام بموضوع الإمامة:

عندما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حدث اول اختلاف بين المسلمين فيمن يخلفه، وكان هذا الاختلاف السياسي قد تحول لاحقاً الى خلاف عقائدي، أدى الى نشوء فرق وطوائف كالشيعة والخوارج والمرجئة وغيرهم، وقد انقسم المسلمون في شأن الامامة أو الخلافة الى قسمين : قسم يقول بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يعين خليفة له، وأن هذا الامر يندرج تحت القواعد العامة التي نص عليها القران والسنة، فكانت شورى بين المسلمين استجابة لفهمهم من قوله تعالى:” وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ … {42/38} ” وهذا شأن اهل السنة جميعاً من الاشاعرة والمعتزلة وقول الخوارج، أما القسم الآخر فهم الذين قالوا بالتعيين والنص، وابرزهم الشيعة الامامية التي ترى النص على اثنى عشر اماماً من عليّ رضي الله عنه الى محمد بن الحسن العسكري الامام الغائب عندهم.

إن ما حصل في سقيفة بني ساعدة يدل على أنه لم يكن هناك تعيين لأحد بعد رسول الله، اما تعلق الشيعة بالحديث الذي رواه البخاري  بقوله: ” حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن معمر وحدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس رضي الله عنهما قال : لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلى الله عليه وسلم هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده فقال عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وسلم كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا قال عبيد الله فكان بن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم” ، فلا حجة لهم به على أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه منع النص والتعيين على إمامة علي بن ابي طالب رضي الله عنه، لأنه لا يخلو من أمرين : الأول: إما أن يكون تعيين علي من الدين، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مأمور بتبليغه ثم تنكب عن ذلك استجابة لرأي عمر، وهذا فيه ما فيه من الطعن بتبليغ النبي عليه السلام لما كُلِّفَ بتبليغه، ويعارضه قول الله تعالى :”   الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {5/3}” فقد اكتمل الدين قطعاً، وحيث أن القطعي يقدم على الظني، فكيف إذا عورض القطعي باحتمال، وهو قول الشيعة باحتمال ان يكون الكتاب الذي اراده النبي صلى الله عليه وآله نصٌ على إمامة علي، ولو فعلنا ذلك لما بقي لهذا الدين من أصول يوثق بها.  والأمر الثاني: يتعلق بعلي رضى الله عنه، فإنه بعد مبايعته لأبي بكر رضي الله عنه وذلك بعد ستة أشهر اي بعد وفاة زوجه فاطمة بنت رسول الله، فقد اجاب على منتقديه بالبيعة فقال:” كنا نرى لنا فيها حقاً ” اي انه لم يستدل بنص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا كان معصوماً فقد أخفى ما كلف به وهو إظهار هذه الجزئية من الدين وهي النص على إمامته، ومن هنا لا يخفى أن الخلاف بين الفِرَق كان في بدايته خلاف سياسي حول الامامة ثم تطور الى خلاف عقائدي، احتاج كل طرف الى نصب الأدلة على صحة موقفه وفي ذات الوقت نقض حجج المخالفين، ومن هنا كان علم الكلام متصلاً اتصالاً وثيقاً بموضوع الإمامة، وقد اثبت الاشاعرة عقلاً ونقلاً أن الامامة من أمور الدنيا التي لا يستقيم أمر الخلق بدونها، ولا تكون الا عن مشورة بين المسلمين.  لقد اهتم علماء الأشاعرة بموضوع الإمامة أو الخلافة بنفس المستوى الذي اهتموا فيه بأمور العقيدة؛ لأنه قد اتفق المسلمون جميعاً على أهميتها، والسبب الثاني كان غلو الشيعة في موضوع الإمامة واعتبارها من أصول الدين، فكان رد الأشاعرة أن الإمامة ليست من أصول الدين ، وأنها من الفرعيات، وهذا اول اقوال الأشاعرة في الامامة ” و في هذا المبحث الهام هو قولهم: إن الإمامة ليس من الأصول، بل هي من الفروعيات” ، فالدين عندهم ينقسم الى قسمين: شرائع وعقائد، والمتكلم في العقائد كان أصولياً، والمتكلم في الشرائع كان فروعيا، فالأصول هي موضوع علم الكلام والفروع هي الفقه، ولكن أهمية موضوع الإمامة جعلته يصنف في باب الأصول، وهذا ما أشار اليه غير واحد من علماء الأشاعرة، قال التفتازاني واصفاً الإمامة : ” هي رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا، خلافة النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه في الفروع. إلا أنه لما شاعت من أهل البدع اعتقادات فاسدة مخلة بكثير من القواعد، أدرجت مباحثه في علم الكلام”  .

وبالعودة إلى الشبهة التي ردها الإمام ابو الحسن الأشعري في رسالته ” استحسان الخوض في علم الكلام” نقول :

أولاً : أراد ابو الحسن الأشعري رحمه الله أن يبين تهافت اشكالهم وتهاوي شبهتهم، فقال لهم على سبيل الإلزام والتهكم، ضمن إجابة من ثلاثة أوجه أحدها:  ” قلب السؤال عليهم بأن يقال: النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل أيضاً إنه من بحث عن ذلك وتكلم فيه فاجعلوه مبتدعاً ضالاً فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعة ضُلالاً؛ إذ قد تكلمتم في شيء لم يتكلم فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وضللتم من لم يضلله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ” وطريقة الأشعري في قلب السؤال عليهم تدل على أنه أراد للعقول المغلقة أن تتفتح، فهناك أمور كثيرة لم يتحدث عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا تحدث عنها الصحابة الكرام ولكنا نتكلم بها، فأين تجد في اقوالهم : ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب، والجرح والتعديل في علم الحديث، وتعريف أصول الفقه، وتعريف الحكم الشرعي وغير ذلك كثير، فليست هذه القواعد والعلوم من الابتداع المذموم؛ لأنها في الحقيقة صياغة اصولية وفقهية لنصوص الكتاب والسنة، فقد كانت معروفة ولكنها لم تكن قد جاءت بصياغة تتناسب مع الزمن الذي ظهر فيه الاصوليون والفقهاء، وهذا  ما أشار اليه الاشعري في جوابه الثاني فقال: ” الجواب الثاني: أن يقال لهم: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجهل شيئاً مما ذكرتموه من الكلام في الجسم والعرض والحركة والسكون والجزء والطفرة، وإن لم يتكلم في كل واحد من ذلك معيناً، وكذلك الفقهاء والعلماء من الصحابة، غير أن هذه الاشياء التي ذكرتموها معينةً، أصولها موجودة في القرآن والسنة جملة غير مفصلة . فأما الحركة والسكون والكلام فيهما فأصلهما موجود في القرآن وهما يدلان على التوحيد، وكذلك الاجتماع والافتراق، قال تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه في قصة أفول الكوكب والشمس والقمر وتحريكها من مكان الى مكان ما دل على أن ربه عز وجل لا يجوز عليه شيء من ذلك، وأن من جاز عليه الأفول والإنتقال من مكان الى مكان فليس بإله” ا.هـ ، وهذا ظاهر لكل عاقل؛ إذ هذا الحديث  عن الحركة والسكون والانتقال والتغير والأفول، جاء مجملاً في سياق الآيات التالية، قال تعالى:” وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ {6/75} فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ {6/76} فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ {6/77} فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ {6/78} إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {6/79}، وهذا الإجمال بالنص او الإشارة يحتاج الى صياغته بأدلة عقلية عندما يكون المخاطب من غير المؤمنين بالله، وبما أن الدعوة الاسلامية للمشركين والملحدين، فهم يحتاجون الى أدلة على التوحيد إن كانوا مشركين ، وأدلة على وجود الله إن كانوا ملحدين، وكل ذلك يحتاج في جدالهم الى أدلة عقلية تتخذ من الحركة والسكون والأفول والحدوث أدلة على وجود الله وتصلح أدلة على التوحيد، فلا يكون الاجمال مانعاً من التفصيل المنسجم مع الأصول المقررة في الكتاب والسنة .  ويضيف الأشعري رحمه الله : ” أما الكلام في أصول التوحيد فمأخوذ أيضاً من الكتاب، قال تعالى :”  لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ {21/22} وهذا الكلام موجز منبهٌ على الحجة بأنه واحد لا شريك له، وكلام المتكلمين في الحجاج في التوحيد بالتمانع والتغالب فإنما مرجعه الى هذه الآية وقول الله عز وجل :” مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ {23/91} الى قوله تعالى:” أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ {13/16}، وكلام المتكلمين في الحجاج في توحيد الله إنما مرجعه الى هذه الآيات التي ذكرناها، وكذلك سائر الكلام في تفصيل فروع التوحيد والعدل إنما هو مأخوذ من القرآن، فكذلك الكلام في جواز البعث واستحالته الذي اختلف فيه عقلاء العرب ومن قبلهم من غيرهم فيه حتى تعجبوا من جواز ذلك فقالوا: : أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ {50/3} وقولهم ”  هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ” {23/36} وقولهم :” مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ” {36/78} وقوله :” أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ {23/35} وفي نحو هذا الكلام منهم إنما ورد في الحجاج في جواز البعث بعد الموت في القرآن تأكيداً لجواز ذلك في العقول، وعلَّم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولقنه الحجاج عليهم في إنكارهم البعث من وجهين على طائفتين: منهم طائفة أقرت بالخلق الأول وأنكرت الثاني، وطائفة جحدت ذلك بِقِدَم العالم، فاحتج على المقر منها بالخلق الأول بقوله :” قُلْ
يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ {36/79} وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {30/27} وقوله:” كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ {7/29}، فنبههم بهذه الآيات على أن من قدر أن يفعل فعلاً على غير مثال سابق فهو أقدر أن يفعل فعلاً محدثاً، فهو أهون عليه فيما بينكم وتعارفكم، وأما الباري جل ثناؤه وتقدست اسماؤه فليس خلق شيء بأهون عليه من الآخر”. وهكذا يسير الأشعري رحمه الله في الاستدلال على علم الكلام من كتاب الله تعالى مع الشبهة والاعتراض المذكور الى ان يصل الى الجواب الثالث فيقول :” والجواب الثالث: أن هذه المسائل التي سألوا عنها قد علمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يجهل منها شيئاً مفصلاً غير انها لم تحدث في أيامه معينةً فيتكلم فيها او لا يتكلم فيها وإن كانت أصولها موجودة في القران والسنة. وما حدث من شيء فيما له تعلق بالدين من جهة الشريعة فقد تكلموا فيه وبحثوا عنه وناظروا فيه وجادلوا وحاجوا، كمسائل العَوَل والجدات من مسائل الفرائض وغير ذلك من الأحكام… وكالمسائل في الحدود والطلاق مما يكثر ذكرها، مما حدثت في أيامهم ، ولم يجيء في كل واحدة منها نص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه لو نص على جميع ذلك ما اختلفوا فيها، وما بقي الخلاف الى الآن .

نعم إن الدين أصول وفروع فما كان من الفروع يقاس على اصول سمعية وما كان من الأصول العقلية فإنه يقاس على بابه، هذا ما يقرره الأشعري رحمه الله ثم يقول لهم:” … النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصح عنه حديث في أن القرآن غير مخلوق أو هو مخلوق، فَلِمَ قلتم: إنه غير مخلوق؟ فإن قالوا : قد قاله بعض الصحابة وبعض التابعين، قيل لهم: يلزم الصحابي والتابعي مثل ما يلزمكم من أن يكون مبتدعاً ضالاً؛ إذ قال ما لم يقله الرسول صلى اله عليه وآله وسلم. فإن قال قائل: فأنا أتوقف في ذلك فلا أقول :مخلوق ولا غير مخلوق، قيل له: فأنت في توقفك في ذلك مبتدع ضال؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل: إن حدثت هذه الحادثة بعدي توقفوا فيها ولا تقولوا فيها شيئاً، ولا قال: ضَلّلوا وكَفّروا من قال بخلقه أو من قال بنفي خلقه…. وكذلك لو قال قائل : هذا ربكم شبعان أو ريّان أو مكتس أو عريان، أو مقرور أو صفراوي أو مرطوب أو جسم أو عرض أو يشم الريح أو لا يشمها او هل له أنف وقلب وكبد وطحال، وهل يحج في كل سنة، وهل يركب الخيل أو لا يركبها، وهل يغنم أم لا ؟ ونحو ذلك من المسائل، لكان ينبغي أن تسكت عنه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يتكلم في شيء من ذلك ولا أصحابه ، أو كنت لا تسكت، فكنت تبين بكلامك أن شيئاً من ذلك لا يجوز على الله عز وجل وتقدس كذا وكذا بحجة كذا وكذا.

فإن قال قائل: أسكت عنه ولا اجيبه بشيء، أو أهجره أو أقوم عنه أو لا أسلم عليه أو لا أعوده إذا مرض أو لا اشهد جنازته اذا مات. قيل له: فيلزمك أن تكون في جميع هذه الصيغ التي ذكرتها مبتدعاً ضالاً؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل: من سأل عن شيء من ذلك فاسكتوا عنه، ولا قال : لا تسلموا عليه، ولا تقوموا عنه، ولا قال شيئاً من ذلك، فأنتم مبتدعة إذا فعلتم ذلك، ولِمَ لَمْ تسكتوا عمن قال بخلق القرآن، ولِمَ كفرتموه، ولم يرد عن النبي صلى اله عليه وآله وسلم حديث صحيح في نفي ذلك وتكفير من قال بخلقه. فإن قالوا: لأن أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال بنفي خلقه وتكفير من قال بخلقه، قيل لهم: ولِمَ لم يسكت أحمد عن ذلك بل تكلم فيه ؟ فإن قالوا : لأن العباس العنبري ووكيعاً وعبد الرحمن بن مهدي وفلاناً وفلاناً قالوا إنه غير مخلوق، ومن قال بأنه مخلوق فهو كافر، قيل لهم: ولم لم يسكت أولئك عما سكت عنه صلى الله عليه وآله وسلم. فإن قالوا:لأن عمرو بن دينار وسفيان بن عيية وجعفر بن محمد رضي الله عنهم وفلاناً وفلاناً قالوا: ليس بخالق ولا مخلوق. قيل لهم: ولم لم يسكت أولئك عن هذه المقالة، ولم يقلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فإن أحالوا ذلك على الصحابة أو جماعة منهم، كان ذلك مكابرة، فإنه يقال لهم: فلم لم يسكتوا عن ذلك، ولم يتكلم فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا قال : كفروا قائله، وإن قالوا: لا بد للعلماء من الكلام في الحادثة ليعلم الجاهل حكمها، قيل لهم: هذا الذي أردناه منكم. فلم منعتم الكلام، فأنتم إن شئتم تكلمتم حتى إذا انقطعتم قلتم: نهينا عن الكلام، وإن شئتم قلدتم من كان قبلكم بلا حجة ولا بيان، وهذه شهوة وتحكم”ا.هـ .

وبذلك تسقط شبهة المخالفين للأشاعرة؛ فإن الظروف التي نشأ فيها علم الكلام وتم تقعيد قواعده وتحرير مسائلة، كانت غير تلك الظروف التي نشأت فيها الدعوة الاسلامية، وإن كانت كل مسائل علم الكلام مكنونة في بحر الاسلام العظيم ممثلاً في الكتاب والسنة، فغاص في اعماقها علماء الاشاعرة يستخرجوا كنوزها ولآلئها، فاكرمهم الله بالدفاع عن عقيدة التوحيد، متمسكين بكل أصيل وجديد فسهَّل الله بهم الصعب وقَرَّب البعيد، اما من جلس على شواطئ الجهل والتقليد وألف الخفيف واستنكف عن حمل التكاليف، فإنه لا يحسن الا التبديع والتفسيق لكل من خالفه.

 انظر التفتازاني، شرح العقائد النسفية  ص 9 – 11

 انظر علم الكلام وبعض مشكلاته للدكتور ابو الفا الغنيمي التفتازاني ص 4

 انظر المواقف لعضد الدين الايجي  ، الموقف الاول في المقدمات

 راجع الاختلاف في ذلك من كتب اصول الفقه

 رواه البخاري

  انظر علم الكلام وبعض مشكلاته للدكتور ابو الوفا التفتازاني ص 10 

 انظر مقدمته ص 325

 انظر تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية ص 272

 انظر الفرق بين الفرق ص 14-15

 انظر المنقذ من الضلال للغزالي ص 6

 انظر كتاب المواقف ص 51 ، ط مطبعة   السعادة، 1325 هـ

 ابن خلدون : المقدمة ص 455

 نقله الشيخ مصطفى عبد الرازق في كتابه تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية ص 249

  الرازي، مناقب الشافعي، طبعة مصر، بدون تاريخ، ص 40

 رواه البخاري في كتاب المرضى  باب قول المريض قوموا عني

  أبكار الأفكار في أصول الدين، للإمام سيف الدين الآمدي، 5/120 تحقيق أ.د أحمد محمد المهدي، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، مركز تحقيق التراث القاهرة 2002.

  ) شرح المقاصد للإمام مسعود بن عمر الشهير بسعد الدين التفتازاني 5/232 تحقيق د. عبد الرحمن عميرة.طبعة عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى 1989.

ابن تيمية ونظرية الحد لله تعالى

عبدالصمد الراغي
عبدالصمد الراغي

عبد الصمد الراغي – موطني نيوز

تعتبر مسألة الايمان بأن لله حداً من أعظم البلايا التي شابت فكر المجسمة؛ إذ كل لوازم التجسيم منبعها نظرية الحد، فمقتضى الإيمان بالحد أن تؤمن بأنه تعالى في جهة وهذا ما يثبته المجسمة، وكذلك إذا كان الله تعالى محدوداً فمعنى ذلك أن له بداية ونهاية، وقبل مناقشة المجسمين وعلى رأسهم ابن تيمية في هذا الأمر لا بد من معرفة معنى الحد في اللغة.

الحد: الحاجز بين الشيئين، كذا اورده  ابن فارس في كتاب مجمل اللغة.

أما ابن منظور في اللسان فقال: الحد : الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر، او لئلا يتعدى أحدهما على الآخر، وجمعه حدود ، وفصل كل ما بين شيئين : حد بينهما. ومنتهى كل شيء: حده. ومنه أخذ حدود الأرضين وحدود الحرم.

ولو نظرنا في كل اقوال أهل اللغة والاصطلاح لوجدناها متفقة على المعاني السابقة، فالحد لا يخلو أن يكون علامة فاصلة بين شيئين للتمييز بينهما، وفي حال الامتزاج والوحدة التامة بين شيئين ، امتزاجاً تزول معه ذات كل منهما وصفاتهما، لم يعد للحد معنى، فالحد دلالة وإشارة على الانفصال بين شيئين أو ربما أكثر، وإشارة الى مبتدأ شيء ومنتهاه، وكذلك هو ما يمنع الشيء من الامتداد خارج حده، سواء كان هذا الحد متناهياً في الصغر أو متعاظماً في الكبر، فحده يمنعه من الأمتداد خارج هذا الحد.

هل قال ابن تيمية بالحد، أنظر اليه يسوق قول عثمان بن سعيد في كتابه المعروف الذي سماه نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد قال:

” باب الحد والعرش “: وادعى المعارض أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية، قال: وهذا هو الأصل الذي بني عليه جهم جميع ضلالاته واشتق منها أغلوطاته وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهماً إليها أحد من العالمين فقال له قائل ممن يحاوره قد علمت مرادك أيها الأعجمي تعني أن الله لا شيء لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه إسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفة وأن لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة، فالشيء ابدا موصوف لا محالة ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية وقولك لا حد له تعني أنه لا شيء” ، فهو يسوق هذا القول في مجال الاثبات للحد لله تعالى، ويعتبر أن انكار الحد لله تعالى هو نفي لوجود الله، وطبيعي ان لازم ذلك هو تكفيرمن قال به، ويقتضي ذلك تكفير جمهور المسلمين، عوامهم وعلماءهم الذين ينكرون الحد في حقه تعالى، ويعتبر ذلك صريحاً منه أنه يؤمن بالحد، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فالحد مكان يشغله المحدود، والمكان من خلق الله، وقد كان الله قبل خلق المكان، فكيف احتاج وجوده الى مخلوق خلقه الله.

ويلجأ ابن تيمية كما هي عادته في التلبيس؛ بأن حد الله لا يعرفه ولا يعله الا الله، وطبيعي أن هذه الإضافة لا تلغي الايمان بالحد لله تعالى، فهو يسوقه مرة ثانية ويقول:

” قال أبو سعيد: والله تعالى له حد لا يعلمه غيره ولا يجوز لأحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه ولكن نؤمن بالحد ونكل علم ذلك إلى الله ولمكانه أيضا حد وهو على عرشه فوق سماواته فهذان حدان إثنان . قال وسئل إبن المبارك بم نعرف ربنا قال بأنه على عرشه بائن من خلقه قيل بحد قال بحد حدثناه الحسن بن الصباح البزار عن علي بن الحسن بن شقيق عن أبن المبارك قال فمن ادعى أن ليس لله حد فقد رد القرآن وادعى أنه لا شيء لأن الله تعالى وصف حد مكانه في مواضع كثيرة من كتابه” .

ويقول ابن تيمية:

” الوجه السابع أن ما به يعلم أنه لا بد لكل موجود في الخارج من صفة وخاصة ينفصل بها ويتميز بها عما سواه يعلم أنه لا بد لكل موجود من حد ومقدار ينفصل به عما سواه إذ كل موجود فلا بد له من صفة تخصه وقدر يخصه وليس المراد بالحد هنا الحد النوعي فإن ذلك هو القول الدال على المحدود وهو كلي لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه وإذا أريد بالحد نفس المحدود وحقيقته فليس في الخارج محدود كلي بشرط كونه كليا بل يقال حقيقة هذه تشبه حقيقة هذا فالحدود على هذا تتشابه وتتماثل إذا عني بها حقيقة الموجودات الخارجية ولا بد لكل موجود من هذه الحدود والحقائق كما ذكرنا وتقدير موجود قائم بنفسه ليس له صفة ولا قدر هو الذي يراد بالكيفية والكمية كتقدير موجود ليس قائما بنفسه ولا بغيره وهو الذي يراد بالعرض والجوهر ولهذا كان السلف والأئمة يقولون إن الكيف غير معقول وغير معلوم ويقولون إن لله عز وجل حدا لا يعلمه إلا هو فهم دائما ينفون علم العباد بكيفية الرب وكيفية صفاته وبحده وحد صفاته لا ينفون ثبوت ذلك في نفسه بل ينفون علمنا به”

ثم يعود الى تقرير بدعته التي يتمسك بها هو واتباعه من أدعياء السلفية، وهي تكفير من يخالف بدعتهم فيقول:

” فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله ” فهو مرة أخرى يكفر جمهور المسلمين الذين ينزهون الحق تبارك وتعالى عن لوازم الجسمية والقول بالحد في حق الله تعالى.

ثم يعود لفهمه السقيم لحديث الجارية ليثبت أن الله في السماء، وما دام في السماء فهو محدود عنده، وهنا أراني مضطراً لسوق اقوال بعض العلماء الاعلام في حديث الجارية وأن دلالته ليست قطعيه على ان الله في السماء مكاناً.

النووي في شرح صحيح مسلم الجزء الخامس كتاب المساجد ومواضع الصَّلاة باب تحريم الكلام في الصَّلاة ونسخ ما كان من إباحته “هذا الحديث من أحاديث الصِّفات، وفيها مذهبان تقدَّم ذكرهما مرَّات في كتاب الإيمان :أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه، مع اعتقاد أنَّ الله ليس كمثله شيء، وتنـزيهه عن سمات المخلوقات.والثَّاني: تأويله بما يليق به. فمن قال بهذا قال : كان المراد امتحانها هل هي موحِّدة تقرُّ بأنَّ الخالق المدبِّر الفعَّال هو الله وحده، وهو الَّذي إذا دعاه الدَّاعي استقبل السَّماء، كما إذا صلَّى المصلِّي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنَّه منحصر في السَّماء، كما أنَّه ليس منحصراً في جهة الكعبة، بل ذلك لأنَّ السَّماء قبلة الدَّاعين، كما أنَّ الكعبة قبلة المصلِّين، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان الَّتي بين أيديهم، فلمَّا قالت: في السَّماء علم أنَّها موحِّدة وليست عابدة للأوثان . قال القاضي عياض : لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدِّثهم ومتكلِّمهم ونظَّارهم ومقلِّدهم أنَّ الظَّواهر الواردة بذكر الله في السَّماء كقوله تعالى : ” أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ”، ونحوه ليست على ظاهرها بل متأوّلة عند جميعهم”  انتهى.

وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي في كتابه ” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم “وقيل في تأويل هذا الحديث : إن النبي صلى الله عليه وسلم سألها بأين عن الرتبة المعنوية التي هي راجعة إلى جلاله تعالى وعظمته التي بها باين كلَّ مَن نُسبت إليه الإلهية وهذا كما يقال : أين الثريا من الثرا ؟! والبصر من العمى ؟! أي بعُدَ ما بينهما واختصت الثريا والبصر بالشرف والرفعة، على هذا يكون قولها في السماء أي في غاية العلو والرفعة وهذا كما يقال : فلان في السماء ومناط الثريا”.

وقال الرازي أيضا في كتابه أساس التقديس:  “إن لفظ أين كما يُجعَلُ سؤالا عن المكان فقد يجعل سؤالا عن المنـزلة والدرجة يقال أين فلان من فلان، فلعل السؤال كان عن المنـزلة وأشار بها إلى السماء أي هو رفيع القدر جدا”.

وفي كتاب إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للإمام محمد بن خليفة الأُبي: “وقيل إنما سألها بأين عما تعتقده من عظمة الله تعالى، وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلاله في نفسها، فقد قال القاضي عياض لم يختلف المسلمون في تأويل ما يوهم أنه تعالى في السماء كقوله تعالى :” ءأمنتم من في السماء ” ومثله في كتاب مكمل إكمال الإكمال شرح صحيح مسلم للإمام محمد السنوسي الحسني.

وقال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح سنن الترمذي “أين الله؟ والمراد بالسؤال بها عنه تعالى المكانة فإن المكان يستحيل عليه” .

وقال الحافظ ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه بعد رواية حديث معاوية بن الحكم:     ” قلت قد ثبت عند العلماء أن الله تعالى لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها” .

وقال الباجي :” لعلها تريد وصفه بالعلو، وبذلك يوصف كل من شأنه العلو فيقال فلان في السماء بمعنى علو حاله ورفعته وشرفه”.

وقال البيضاوي “لم يرد به السؤال عن مكانه فإنه منـزه عنه والرسول أعلى من أن يسأل ذلك”.

وقال الإمام الحجة تقي الدين السبكي في رده على نونية ابن قيم الجوزية المسمى بالسيف الصقيل:  “أما القول فقوله صلى الله عليه وسلم للجارية: أين الله؟ قالت في السماء وقد تكلم الناس عليه قديما وحديثا والكلام عليه معروف ولا يقبله ذهن هذا الرجل لأنه مشَّاء على بدعة لا يقبل غيرها”.

قال الفخر الرازي “وأما عدم صحة الاحتجاج بحديث الجارية في إثبات المكان له تعالى فللبراهين القائمة في تنـزيه الله سبحانه عن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات، قال الله تعالى: ” قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ …{6/12}” وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملك لله تعالى، وقال تعالى: وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {6/13}  ” وذلك يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى، فهاتان الآيتان تدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنـزيه الله سبحانه عن المكان والزمان”.

وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي المفسر في كتاب التذكار في أفضل الأذكار:  “لأن كل من في السموات والأرض وما فيهما خلق الله تعالى وملك له وإذا كان كذلك يستحيل على الله أن يكون في السماء أو في الأرض إذ لو كان في شىء لكان محصورا أو محدودا ولو كان كذلك لكان محدثا وهذا مذهب أهل الحق والتحقيق وعلى هذه القاعدة قوله تعالى :” أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء … {67/16}” وقوله عليه السلام للجارية: أين الله ؟ قالت في السماء، ولم يُنكر عليها وما كان مثله ليس على ظاهره بل هو مؤول تأويلات صحيحة قد أبداها كثير من أهل العلم في كتبهم”.

وقال بعض العلماء إن الرواية الموافقة للأصول هي رواية مالك وفيها أن الرسول قال لها ” أتشهدين أن لا إله إلا الله ” قالت: “نعم” قال: “أتشهدين أني رسول الله” قالت: “نعم”. أخرجها الإمامان، إماما أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل ومالك بن أنس رضي الله عنهما.ا

أما أحمد فأخرج عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمَةٍ سوداء فقال “يا رسول الله إن عليَّ رقبه مؤمنة فإن كنت ترى هذه مؤمنة فأعتقها ” فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: ” أتشهدين أن لا إله الا الله ” قالت: “نعم”، قال: “أتشهدين أني رسول الله” قالت: ” نعم “، قال: ” أتؤمنين بالبعث بعد الموت ” قالت: ” نعم “، قال: ” أعتقها “، ورجاله رجال الصحيح.

وفي رواية لابن الجارود بلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم، قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم، قال: اتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم، قال: اعتقها فإنها مؤمنة. وهي رواية صحيحة.

ومنها ما رواه الإمام ابن حبان في صـحيحـه عن الشريد بن سويد الثقفي قال قلت يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال: ادع بها فجاءت فقال: من ربك؟ قالت: الله، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة. ورواه أيضا بهذا اللفظ النسائي في الصغرى وفي الكـبرى والإمام أحمد في مسنده والطبراني والبيهقي ورواه أيضا بهذا اللفظ ابـن خزيمة في كتابه الذي سماه كتاب التوحيد من طريق زياد بن الربيع عن بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن الشريد.

قال بعض العلماء  : ظاهر هذا الحديث الذي فيه حكم على الجارية بالإسلام لأنها قالت : في السماء يخالف الحديث المتواتر الذي رواه خمسة عشر صحابيا. وهذا الحديث المتواتر الذي يعارض حديث الجارية قوله عليه الصلاة والسلام “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله”.

هذا الحديث فيه أنّ الرسول لا يحكم بإسلام الشخص الذي يريد الدخول بالإسلام إلا بالشهادتين، فمن أصول الشريعة أن الشخص لا يحكم له بقول ” الله في السماء ” بالإسلام لأن هذا القول مشترك بين اليهود والنصارى وغيرهم وإنما الأصل المعروف في شريعة الله ما جاء في الحديث المشهور “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله” ولفظ رواية مالك : أتشهدين ، موافق للأصول.

فإن قيل : كيف تكون رواية مسلم : أين الله ، فقالت : في السماء ، الى آخره مردودة مع إخراج مسلم له في كتابه وكل ما رواه مسلم موسوم بالصحة ، فالجواب : أن عددا من أحاديث مسلم ردها علماء الحديث وذكرها المحدثون في كتبهم كحديث أن الرسول قال لرجل : إن أبي وأباك في النار، وحديث إنه يعطي كل مسلم يوم القيامة فداء له من اليهود والنصارى، وكذلك حديث أنس: صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر فكانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم . فأمّا الأول ضعفّه الحافظ السيوطي، والثاني رده البخاري، والثالث ضعّفه الشافعي ولو صح حديث الجارية لم يكن معناه أن الله ساكن السماء كما توهم بعض الجهلة بل لكان معناه أن الله عالي القدر جدا، وعلى هذا المعنى أقر بعضهم صحة رواية مسلم هذه.

ونقول للمشبهة لو كان الأمر كما تدعون من حمل آية  ” الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى” على ظاهرها وحمل حديث الجارية على ظاهره لتناقض القرآن بعضه مع بعض، والحديث بعضه مع بعض، فما تقولون في قوله تعالى : ” فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ” فإمّا أن تجعلوا القرآن مناقضاً بعضه لبعض والحديث مناقضاً بعضه لبعض فهذا اعتراف بكفركم لأن القرآن ينـزه عن المناقضة وحديث الرسول كذلك، وإن أولتم ءاية:” فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ” ولم تأولوا آية الاستواء فهذا تحكّم، أي قول بلا دليل.

وقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إذا كان أحدكم في صلاته فإنه يناجي ربه فلا يبصقن في قبلته ولا عن يمينه فإن ربه بينه وبين قبلته”، وهذا الحديث أقوى إسنادا من حديث الجارية. وأخرج البخاري أيضا عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنه معكم إنه سميع قريب، تبارك اسمه وتعالى جده”

وفي مسند الامام أحمد “أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم ما تدعون أصماً ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا ان الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته “. فيقال للمعترض إذا أخذت حديث الجارية على ظاهره وهذين الحديثين على ظاهرهما لَبَطَلَ زعمك أن الله في السماء وإن أَوَّلْت هذين الحديثين ولم تؤوِّل حديث الجارية فهذا تحكم ـ أي قول بلا دليل ـ ويصدق عليك قول الله في اليهود ” أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ” . وكذلك ماذا تقول في قوله تعالى : ” فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ” فإن أوَّلته فلِمَ لا تؤول حديث الجارية. وقد جاء في تفسير هذه الآية عن مجاهد تلميذ ابن عباس “قِبلَةُ الله”، ففسر الوجه بالقبلة، أي لصلاة النفل في السفر على الراحلة. وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. فأكثروا الدعاء”.

هذه النقول الطويلة يقصد منها اثبات أن علماء الأمة الأعلام لا يفهمون من حديث الجارية ان الله في السماء كجهة، وما فهمه المجسمة من ذلك الحديث، ومن لوازم فهمهم أنه سبحانه محدود. وقد اتفقت الأمة على الايمان بما جاء في العقيدة الطحاوية ولو إجمالاً، وقد قال الطحاوي رحمه الله:” وتعالى عن الحدود والغايات ، والأركان والأعضاء والأدوات ، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات “ ومعلوم أن الأمة تلقت العقيدة الطحاوية بالقبول والتسليم، ولم يخالف في ذلك الا المجسمة، فهم في شروحهم للعقيدة الطحاوية ، خاصة المعاصرين منهم، يدلسون في المواقع التي تخالف رأيهم، ويوحون أن ما في ” الطحاوية” موافق لآرائهم الفاسدة، وقد رأيت أحدهم يقول عجباً في شرحه للطحاوية عندما يصل الى قول الطحاوي رحمه الله :” وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات ، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات” فتراه يقول : ” إن هذه الالفاظ التي ساقها الإمام  الطحاوي فيها إجمال، ولكن يحمل كلامه على الحق؛ لأنه من أهل السنة والجماعة، ولأنه من أئمة المحدثين، فلا يمكن ان يقصد المعاني الباطلة” .

إذن الدكتور يريد أن يوهم القاريء أن كلام الامام الطحاوي فيه اجمال بحيث لا يصح أن يحمل على ظاهره الذي يؤكد أن الله ” تعالى عن الحدود” مما يوحي أن الطحاوي لا يريد أن ينفي عن الله الحد، وهذا كلام متهافت؛ لان السؤال الذي يرد على الكاتب المحترم: إذا كان هذا الكلام الذي ساقه الامام الطحاوي مجملا فأين المفصل من كلامه بحيث نصرفه الى غير الظاهر المجمل، ومعلوم أن المجمل يبقى مجملاً ما لم يفصل، بشرط أن يكون المفصِّل هو نفسه الذي أجمَلْ، وحينها نحمل المُجْمَل على المُفَصَّل، وهذا مبسوط في كتب الأصول، فليراجع في مظانه.    ثم يحاول الكاتب أن يوحي بأن مقصود الطحاوي موافق لاعتقاده في اثبات الحد، ويعتبر ذلك هو الحق، وبما ان الامام الطحاوي من أهل السنة والجماعة التي ينتسب اليها الكاتب زوراً وبهتاناً؛ فلا بد أنه لم يقصد ما قاله بان الله  ” تعالى عن الحدود ” ، فنفي الحد الذي جاء في ” الطحاوية” باطل ولا يمكن للامام الطحاوي أن يقول ذلك. ومعلوم كما أشرنا سابقاً أن العقيدة الطحاوية هي التي تمثل عقيدة سلف الامة وخلفها في موضوع الصفات، الا من شذ عن الحق من المجسمة.

ويحاول ابن تيمية نسبة القول بالحد الى المسلمين والكافرين بأن الله له حد، ويرد عليه شيخ الحنابلة ابو الفضل التميمي عن الامام أحمد بقوله: ” والله تعالى لا يلحقه تغير ولا تبدل، ولا تلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش  وكان ينكر- اي الامام أحمد – على من يقول : إن الله في كل مكان بذاته ؛ لأن الامكنة كلها محدودة” .

وقال في الموافقة عن أبي سعيد الدارمي وموافقاً له ما نصه:

” والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهم  في  نفسه، ولكن يؤمن بالحد ويكل علم ذلك الى الله، ولمكانه أيضاً حد وهو على عرشه فوق سماواته، فهذان حدّان اثنان” ثم قال :” فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله” .

ثم اشار الى هذا المعنى مرة اخرى فقال:

” ويقولون لهم قد دل الكتاب والسنة على معنى ذلك كما تقدم احتجاج الإمام أحمد لذلك بما في القرآن مما يدل على أن الله تعالى له حد يتميز به عن المخلوقات وأن بينه وبين الخلق انفصالا ومباينة بحيث يصح معه أن يعرج الأمر إليه ويصعد إليه ويصح أن يجئ هو ويأتي كما سنقرر هذا في موضعه فإن القرآن يدل على المعنى تارة بالمطابقة وتارة بالتضمن وتارة بالالتزام وهذا المعنى يدل عليه القرآن تضمنا أو التزاما” .

ونقول بأن هذا من اعظم الافتراءات على الإمام أحمد ومن أعظم الافتراءات على القران، فلا ندري أين جاء في القرآن ما يدل على اثبات الحد لله تعالى سواء بدلالة المطابقة أو دلالة الالتزام، علماً أن دلالات المطابقة والالتزام ظنية وليست قطعية، وهذا مبسوط في كتب الأصول فليراجع. وهنا يبرز السؤال الذي لا بد منه، هل تثبت صفات الله تعالى بالظن أم باليقين، فإذا افتقر ابن تيمية الى نص قطعي في ثبوته ودلالته يفيد بأن الله له حد يتميز به، فهل يجوز الاستناد الى دلالة ظنية سواء كانت الدلالة مطابقةً او التزاماً. إن من أعظم الأسئلة التي توجه الى أهل التجسيم هو: هل تثبت صفات الله بالظن، وإذا كانت لا تثبت الا بالقطع واليقين فلماذا اختلف علماء المسلمين بين النفي والإثبات ؟

إن العقل والشرع متطابقان هنا، فالشرع لم يدل على أن لله حداً، والعقل ينفي جازماً أن يكون الله محدود، لأن الحد من صفات الأجسام التي لا تنفك عنها، والله تعالى ليس جسماً فلا تلحقه صفات الأجسام، ويبقى قول الله تبارك وتعالى ” لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ” دليلاً يصرخ في  وجهة المجسمة، الا أن ابن تيمية ومن وافقه جعلوا الله محسوساً بالحواس، وينكرون على مخالفيهم ذلك، فقد أورد الدارمي في كتابه الذي يرد فيه على المريسي, وهو من الكتب المعتبرة عند ابن تيمية، فقد ذكر ابن القيم في كتابه اجتماع الجيوش الاسلامية ما نصه:

” كتابا الدارمي- النقض على بشر المريسي، والرد على الجهمية- من أجلّ الكتب المصنفة في السنة وأنفعها، وينبغي لكل طالب سنة، مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة أن يقرأ كتابيه. وكان شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله  يوصي بهما أشد الوصية، ويعظمهما جداً، وفيها من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما” . ومما في هذا الكتاب الذي يجله ويعظمه ويوصي به ابن تيمية، مثبتاً خضوع الله تعالى للحواس، ما يلي:

“فمن ذلك: ما حدثنا موسى بن اسماعيل عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” آتي يوم القيامة باب الجنة، فيفتح لي، فارى ربي وهو على كرسيه، أو سريره، فيتجلى لي، فأخر ساجداً ” فهذا أحد الحواس وهو النظر بالعين والتجلي … ومن ذلك: ما حدثنا عمر بن  شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن يزيد ابن ابي زياد عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال ” إذا تكلم الله بالوحي سمعوا له مثل صلصلة الحديد على الصفوان ” وهذا الحواس الثاني، باسماع الملائكة على رغم بشر” وفي كتاب ” الاربعين في دلائل التوحيد ” للهروي يضع عنوانا فيه” اثبات الحد لله” . وحيث أن ذلك من اساسيات العقيدة عند الدارمي والمجسمة عموماً ومنهم ابن تيمية الذي يوصي بهذا الكتاب فيكون المخالف كافراً قطعاً عندهم، ومن هنا قلنا مراراً وتكراراً أن الفكر الوهابي المستند الى فكر ابن تيمية كان على الدوام حاضنة مناسبة للفكر التكفيري المنحرف، فالدارمي يعتبر أن من لا يؤمن بحد لله فهو كافر، حيث يقول بعد اثبات الحد ما نصه:” … فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله ”

 انظر تلبيس الجهمية ص  675

 الصفحة السابقة من تلبيس الجهمية

  تلبيس الجهمية ص 265

  رواه البخاري ( 2830 ) ومسلم ( 2704 )

 انظر العقيدة الطحاوية تحت عنوان رؤية الله حق

 التوضيحات الجلية على العقيدة الطحاوية للدكتور محمد بن عبد الرحيم الخميس ج 1ص 486

 انظر اعتقاد الامام احمد ص 6

 انظر الموافقة 2/ 29 وتلبيس الجهمية 1/427

 تلبيس الجهمية  1/ 362

 انظر اجتماع الجيوش الاسلامية لابن قيم الجوزية ص 143 ط  دار الكتب العلمية بيروت- لبنان

 ص 14 من كتاب رد الدارمي

  انظر  ص 19  العنوان رقم 15

 رد الدارمي ص 24