عودة "الحزب السري" إلى المغرب

علي أنزولا
علي أنزولا

علي أنزولا – موطني نيوز

منذ فترة يتحدث فاعلون سياسيون مغاربة عما يسمونه بـ “الحزب السري” الذي يتحكم في دواليب السياسية في الخفاء.مصطلح “الحزب السري” يرمز في الأدبيات السياسية المغربية إلى وزارة الداخلية، التي ظلت تتحكم في رسم الخارطة السياسية في المغرب منذ عدة عقود، وتحصي وتعد أنفاس الناس إن لم تكتمها بالمرة.

أول من أطلق هذا المصطلح هي المعارضة اليسارية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، لانتقاد طريقة اشتغال وزارة الداخلية في عهد إدريس البصري، الوزير الذي ظل على رأس الوزارة التي توصف أيضا في المغرب بـ”أم الوزارات” زهاء ربع قرن.

وطيلة تلك السنوات كانت الداخلية تتحرك وتعمل داخل الساحة السياسية كحزب حقيقي، لكنه حزب غير مرئي لذلك لقب بـ”الحزب السري”، له ممثلوه داخل البرلمان والمجالس المنتخبة بالطريقة التي ترضى عنها وزارة الداخلية. وحتى داخل الأحزاب المعارضة، وأغلبها كان مخترقا، كان لهذا الحزب ممثلوه وأصواته التي تدافع عن رؤيته.

إن استحضار الحديث عن هذا الحزب القديم الجديد يدل على استمرار الوجود القوي للدولة العميقة في المغربلكن، ذلك زمن ولى لأمة لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. فما الذي يجعل اليوم الفاعلين السياسيين يعودون إلى الحديث وبقوة عن وجود “حزب سري” مازال يتحكم في دواليب الدولة يوجه الأحزاب ويكتم على أنفاس الناس؟

المفارقة ما بين الأمس واليوم، هو أن “الحزب السري” بالأمس رغم أنه كان يوصف بالسري فهو كان مرئيا ظاهرا للعيان، له رمز أو رموز وله أتباع وأحزاب وأجهزة، وله أساليب لا تخطئها العين. وما نعته بـ”الحزب السري” إلا تجنبا من الدخول في مواجهة مباشرة معه. لذلك كان في الإشارة إليه بهذا اللقب نوعا من درء شره وتجنب بطشه. أيضا. في الماضي كانت الصورة شبه واضحة، والاصطفاف يكاد يكون متفق عليه إن لم يكن منظما. صف المعارضة وصف أصحاب “الحزب السري”.

اليوم ” اخْتلط الخَاثِرُ بالزُّبَّاد” كما يقال، فاختلط الأمر على الناس، ولم يعودوا يعرفون من هو وما هو هذا “الحزب السري” الذي يشتكي من قوة نفوذه من يوجدون في سدة الحكم وبرضى منه، ومن يصنفون في صف معارضته الرسمية وبموافقة منه.

بالنسبة لعبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة والأمين العام لحزب “العدالة والتنمية”، هذا الحزب يجسده “تيار التحكم”، يصفه أحيانا بـ”التماسيح” وأحيانا أخرى بـ”العفاريت” وأحيانا أخرى بـ”الشيطان”. وعندما يريد أن يقرب الصورة أكثر إلى الناس يتحدث عن غريمه حزب “الأصالة والمعاصرة” الذي يصفه أتباعه بـ”حزب الدولة”، باعتباره التجسيد الحزبي لتيار التحكم على أرض الواقع.

أما بالنسبة لإلياس العماري، الأمين العام لحزب “الأصالة والمعاصرة”، متزعم المعارضة الرسمية، فالمقصود بـ”الحزب السري” الذي يقول بأنه مازال موجودا، هو رغبة الهيمنة غير المعبر عنها التي يجسدها حزب “العدالة والتنمية”، ولكنه هو أيضا تعبير عن صراع التيارات القوي داخل المربع الصغير للحكم، والتي لا يراها عموم الناس لكنهم يتأثرون بنتائجها، تماما مثلما يتأثرون بـ”ثقب الأوزون”. يتأثرون به ويخافون من نتائجه وانعكاساته ولا أحد منهم سبق أن رآه.

إن استحضار الحديث عن هذا الحزب القديم الجديد يدل على استمرار الوجود القوي للدولة العميقة في المغرب. الوضع يشبه إلى حد كبير جبل الثلج العائم ما يتفاعل في عمقه غير المرئي هو الذي يفرز هذه النتوءات التي تعبر عنها تصريحات متضاربة ومتناقضة حول الوجود الخفي لحزب يريدونه سريا ونراه ونسمعه ونتأثر به جهرا.