كتاب عبد الصمد وسايح

كتاب ”الجنس، المجتمع، و السيدا” أول إصدار لعبد الصمد وسايح

رئيس التحرير – موطني نيوز

الجنس، المجتمع، و السيدا، هو أول إصدار لعبد الصمد وسايح، الفاعل الجمعوي الذي راكم خبرة كبيرة لا تقل عن 25 سنة في مجال محاربة السيدا و التعفنات المنقولة عبر الجنس في صفوف الشباب و المراهقين، ينتقد فيه بشدة المجتمع و طريقة تعاطيه مع الجنس، و الأشخاص المصابين و المتعايشين مع المرض، و التمييز الذي يطال المرأة عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن رغباتها الجنسية، وغيرها من القضايا المثيرة للجدل المتعلقة بالسيدا و الجنس.

الكتاب ، باللغة العربية ، من 76 صفحة، موجه لصناع القرار والفاعلين في المجتمع المدني وأيضًا لجيل الألفية، من أجل حثهم على الالتزام الدائم بالوقاية من فيروس العوز المناعي البشري، أكبر تحدي يواجه المنظومة الصحية و الثقافية و الإجتماعية للمجتمع و الذي قد تعاني من أثار كبيرة و مهولة إذا استمر المرض في الانتشار.

و في نفس السياق يعتبر الكاتب أنه من حق الأجيال أن تساهم في اتخاذ القرارات و إحداث التغييرات التي ستؤثر بالإيجاب على حياتهم الجنسية و تضمن له حياة جنسية أمنة، سليمة، ومستقرة.

للإتصال بالكاتب عبد الصمد وسايح “0600318888″

تاريخ قبائل زعير

الرماني : توقيع كتاب يعنى بتاريخ قبائل زعير

المصطفى المصدوقي – موطني نيوز

عرف المجمع التربوي 16 نونبر “دار الشباب ” الرماني بتاريخ 07 ابريل الجاري على الساعة العاشرة صباحا ، حضورا متميز حيث غصت قاعة العروض التي تسع 360 مقعدا تقريبا بمثقفي زعير “دائرة الرماني ” بمناسبة قراءة والتوقيع على كتاب لمؤرخ زعير بامتياز بوعبيد التركي الكتاب يحمل عنوان “وثائق لدراسة تاريخ قبائل زعير ” من عهد السلطان المولى سليمان إلى عهد السلطان المولى محمد بن يوسف ” الكتاب يدخل ضمن إصدارات التاريخية للتعريف بتاريخ قبائل زعير هنا وجب توضيح التحديد الجغرافي لزعير والتي تمتد من اثنين بني خيران إقليم وادي زم إلى حدود وادي أبي رقراق بالرباط وتشمل زعير أيضا عين العودة ، الصخيرات و تمارة  .اللقاء الذي حضره ثلة من مثقفين أبان أن الفئة المثقفة بدائرة الرماني بخير وتبشر به .

الندوة تاريخ قبائل زعير
الندوة تاريخ قبائل زعير

الكتاب تضمن حوالي 1000 مستند رسمي أغلبها نشر لأول مرة وتضمن الكتاب 707 صفحة من حجم 24 سم على 17 سم  ، للمرحلة الممتدة من عهد السلطان مولي سليمان ما بين 1206هــ ــ إلى 1238 هجرية – 1790 إلى 1822 ميلادية إلى عهد السلطان المولي محمد بن يوسف  والفترة الممتدة ما بين 1346 ــ إلى 1380 هجرية – 1927 إلى 1961 ميلادية منها ظهائر ورسائل قام الكاتب بتلخيص بعضها وهي الفترة التي عرفت تعاقب ثمان سلاطين من الدولة العلوية .وهذا ما يؤكد أن الأستاذ الباحث المتخصص في دراسة تاريخ قبائل زعير بوعبيد التركي جد وكد وثابر وتحمل العناء لسنوات من أجل جمع معلومات قيمة .

الندوة تاريخ قبائل زعير
الندوة تاريخ قبائل زعير

التنظيم كان جيدا بتضافر الجهود لشباب وفاعلين  من طينة جمال مدراوي ، احمد رحمون و الأستاذ هشام بلحارتي وآخرون كانوا بحق في مستوى الحدث ووفروا للحاضرين الجو المناسب  لإنجاحه .

الطاهر الطويل

الطاهر الطويل يصدر كتابا بعنوان “مرايا النفس المهشمة: قراءة في رواية خطبة الوداع لعبد الحي مودن”

محمد بلمو – موطني نيوز

نزل إلى المكتبات المغربية، حديثا، كتاب “مرايا النفس المهشمة” الصادر عن “مكتبة سلمى الثقافية” بمدينة تطوان، لمؤلفه الكاتب والناقد والإعلامي الطاهر الطويل.

يقترح المؤلف مقاربة شاملة لمكونات الخطاب الروائي لنص الأديب عبد الحي مودن “خطبة الوداع” الصادر سنة 2003 عن دار أبي رقراق، وذلك بعد رواية “فراق في طنجة” للمؤلف نفسه والصادرة سنة 1996 عن دار الرابطة.

ومما يثير الانتباه أن الطويل حاول ــ في دراسته هذه ــ اعتماد منهج يقوم على استلهام معطيات السرديات وكذلك السيموطيقا ونظرية التلقي، دون أن ينسى استحضار المقولات الكبرى للتحليل النفسي في دراسة الشخصيات الروائية، معتمدا في ذلك على مراجع أساسية عربية وغربية ذات قيمة أكاديمية كبرى.

يمكن أن يُطلق على “خطبة الوداع” رواية المكان، باعتبارها تستنطق فضاء مفعما بالدلالات والرموز والدلالات، إنه مدينة القنيطرة في فترة زمنية تمتد من أواسط الستينيات حتى نهاية التسعينيات، حيث يلتقي المتخيّـل بالواقعي في إطار شعرية للسرد محكمة العناصر، تنضح بعشق ثاو يسكن مؤلف الرواية تجاه تلك المدينة.

من جانب آخر، تندرج رواية “خطبة الوداع” ضمن الأعمال الأدبية التي استلهمت جانبا من الذاكرة الجماعية المغربية، عبر المساهمة في التناول الإبداعي لما يُطلق عليه “سنوات الجمر والرصاص”؛ وهو ما سعى الدارس الطاهر الطويل إلى سبر أغواره وثناياه عبر رصد معاناة إحدى شخصيات رواية عبد الحي مودن مع الاعتقال والتعذيب والمطاردة والاختفاء، نتيجة التشبع بأفكار تمردية.

يبحث مؤلف الكتاب كثيرا في أسلوبية الرواية موضوع التحليل، ويغوص في ثنايا خطابها وتمفصلاتها الأساسية والتي تدخل في علاقة جدلية تجاه الثالوث المحرم: الدين، السياسة، الجنس. ليختم دراسته باقتراح رؤى تأويلية للرواية، بحثا عن ظلال المعنى. ومن ثم، نكون بإزاء دراسة يمكن أن تستهوي القارئ العادي بجانب المتخصص، لكونها تتجنب الغوص في التباسات المصطلحات وتعقيداتها، رغم الصرامة النقدية التي تفرضها مثل هذه المقاربات لعالم الرواية المليء بالألغاز وعناصر التشويق والالتباس.

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
بوعبيد التركي

الرماني : إبراز تاريخ قبائل زعير في كتاب لبوعبيد التركي

المصطفى المصدوقي – موطني نيوز

تعتبر جمعية أولاد خليفة الجنوبية للتنمية القروية الرماني مرشوش من بين الجمعيات النشيطة بدائرة الرماني ، فهي الوحيدة التي توفر النقل المدرسي على مدار السنة في إطار محاربة الهدر المدرسي ، إلى جانب عدة أنشطة أخرى ، الجمعية تضم بمكتبها المسير أطرا وكفاءات قادرة على خلق الحدث في كل مرة .

الجمعية وفي إطار سلسلة أنشطتها تنظم لقاء من أجل قراءة والتوقيع على كتاب لمؤرخ زعير بامتياز بوعبيد التركي الكتاب يحمل عنوان : وثائق لدراسة تاريخ قبائل زعير : من عهد السلطان المولى سليمان إلى عهد السلطان المولى محمد بن يوسف الكتاب يدخل ضمن إصدارات التاريخية للتعريف بتاريخ قبائل زعير .

بوعبيد التركي الذي كرس حياته وبحثه في تاريخ قبائل زعير جد وكد وسافر حتى الديار الفرنسية في عدة مناسبات من أجل جمع المعلومات والوثائق  ويتوفر الأستاذ بوعبيد التركي على  أهم المراجع التاريخية بعد مسح  شامل للوثائق المحفوظة بالخزانة الحسنية ومديرية الوثائق الملكية والمكتبة الوطنية للمملكة المغربية  ومكتبة آل سعود بالدار البيضاء.

الدار الشباب الرماني – المجمع التربوي 16 نونبر – يوم الأحد سابع ابريل 2019 على الساعة العاشرة صباحا سيكون على موعد مع هذا الحدث الذي اعتبره العديد من المتتبعين للشأن المحلي بالهام والتاريخي ،

اللقاء سيعرف مشاركة وازنة بحضور الأساتذة  الأفاضل ميلود الهاشمي – علال الخديمي – صالح شكاك و مولود عشاق .

ملصق ندوة
ملصق ندوة
أحمد رباص

حديث الذاكرة : شذرات من كتاب حياتي في الجنوب المغربي

بقلم أحمد رباص – موطني نيوز

وبينما أنا على أهبة استئناف حديث الذاكرة، تبين لي أن الطريقة التي أسرد بها يومياتي شبيهة بالطريقة التي يتبعها الفلاح أثناء حرث حقله. أكيد أن كل من عاين عن قرب الفلاح وهو يقود جراره المجهز بمحاريث لا بد وان يلاحظ أن الفلاح الحارث يشرع في عملية الحرث انظلاقا من أحد أطراف حقله لكنه سرعان ما يتجه الى أبعد طرف من فدانه لحرثه ثم يقفل راجعا الى الجهة التي بدأ فيها عمله.

في بداية السنة الدراسية (1991-1992) من مسيرتي في دنيا التدريس، التحقت بالمدرسة الفرعية لآيت املكت لأجل الحلول محل معلمة انتقلت للتدريس بإحدى المدارس القريبة من المنطقة التي يقيم فيها أهلها وذووها. لا يختلف دوار آيت املكت في شيء عن باقي دواوير “الحراطنة” على طول وادي درعة، إلا أنه الدوار الوحيد الأقرب من جهة الشمال إلى دوار آيت خلفون، القلب النابض لبلدة أفرا-آيت سدرات وموطن المقر المتواضع لإدارة م/م آيت خلفون ولمدرستها المركزية.

تقع مدرسة آيت ملكت في سفح جبل كيسان. أمامها يمتد بلاط الطريق غير المعبدة الرابطة بين سائر دواوير الضفة الشرقية للنهر والمؤدية رأسا إلى قنطرة تانسيخت.تتكون هذه المدرسة من ثلاث حجرات دراسية مسقفة بالزنك وجدرانها مكونة من صفائح مصنوعة بالإسمنت المسلح وقابلة للتفكيك, هذا، وقد اصطفت الحجرات جنبا الى جنب في وضع جعلها مقابلة للواحة الشاسعة الأطراف والدائمة الاخضرار والتي كانت تظهر لي بكامل معالمها بفضل الرؤية البانورامية التي كان يسمح بها ارتفاع الجبل عن مجرى النهر.بهذه المدرسة، أربعة معلمين، بمن فيهم عبد ربه، ولا يتوفر بها سوى سكن وظيفي واحد يقيم فيه معلم أعزب، وهذا ما جعلنا نحن الثلاثة نخوض تجربة البحث عن سكن قريب من المدرسة. أسفرت محاولتنا عن نتيجة تمثلت في إيجاد منزل طيني حديث البناء يقع خلف المدرسة في مكان من الجبل قريب من المدرسة وأكثر ارتفاعا.

قبل البداية الفعلية للدراسة بأيام معدودة، سمح لي عون المؤسسة بالمبيت مؤقتا في إحدى زوايا مطعم المدرسة المركزية. في غمرة الاستعداد للدخول المدرسي الجديد، طلبت من صديقي الحارس التوسط لفائدتي لدى السكان من أجل البحث عن سكن يقع في محيط المدرسة. قبل العون أن يمد لي يد المساعدة وبدأ عملية البحث عن السكن مستثمرا لصالحي إلمامه بمعطيات ومعلومات توفرت لديه بحكم نشأته بهذه البلدة. وهكذا تكللت مساعيه بالنجاح حيث استطاع إقناع امرأة عجوز كانت قيد حياتها مقيمة بدوار آيت إسحاق الخاص بالأمازيغ من ذوي البشرة البيضاء.

كبر الحارس في عيني وتيقنت من علو مكانتي لديه خصوصا لما أخذني معه إلى البيت الذي سأسكن فيه على سبيل الكراء لألقي عليه نظرة ولكي أرى إن كان يليق بمقامي. عندما دخلنا منزل المراة العجوز، وجدته قديما كقطعة أثرية ذات تاريخ موغل في القدامة. صعد الحارس إلى الطابق الأول فتبعته ثم فتح بابا ودخلنا بيتا صغير المساحة، غير أني وجدته وافيا لغرض إيوائي فقبلت عن رضى وطواعية الإقامة فيه وقد استقر في خلدي الإحسان لمالكته التي تسكن فيه بمفردها ومعاملتها بالتي هي أنسب لسنها..

عند خروجنا من المنزل، أعطاني الحارس مفتاح المنزل واتفقنا على أن نقل الأمتعة إليه لن يتم إلا في المساء تحسبا لنظرات ووشوشات الفضوليين “البركاكة”. لكن طمأنينتي على هذا المستوى لم تعمر طويلا، إذ سرعان ما عاد إلي العون ليأمرني بان أعطي إياه المفتاح مادا لي في نفس الوقت ورقة من فئة مئة درهم كنت قد أرسلتها للعجوز كعبربون وتسبيق. كان صديقي الحارس جادا في كلامه غير مازح ما جعلني أسرع في تسليمه المفتاح. ولما سألته عن سبب تراجع العجوز الشمطاء عن الاتفاق الذي جرى بيني وبينها على الكراء، أجابني بأن جماعة من ساكنة دوار آيت إسحاق رفضوا تواجدي بين ظهرانيهم بسبب كوني أعزب ورغم خلو سابق عهدي بالمنطقة من أي سابقة تنم عن سوء أخلاقي وقلة تربيتي..

يلاحظ القارئ لهذه المذكرات أنها لا تخضع لسرد خطي ينطلق من بداية كي يؤول إلى نهاية سعيدة أو حزينة وفق كرونولوجيا تتابع أحداثها وإحداثياتها تتابعا يتماشى مع المسار الطبيعي للزمن، بل هناك جيئة وذهاب بين أحداث ووقائع مختلفة مكانا وزمانا، وإن كان الفضاء المجالي الأوحد يحتضن دينامية السرد ومادته الخام. ولوجهة النظر هاته مايبررها واقعيا، إذ أن الإنسان في حياته اليومية ملزم بالضرورة بالتنقل في اليوم الواحد بين أمكنة متعددة تفصل بينها مسافات قد تطول أو تقصر. أفكر هنا في تلك الرحلات اليومية المكوكية التي يقوم بها أساتذة التعليم الابتدائي العاملين في مدارس العالم القروي بين مقرات عملهم ومقرات سكناهم الكائنة غالبا في المدينة التي شهدت مسقط رأسهم إذا كانت المسافة تسمح بذلك أو في أقرب قرية أو مدينة صغيرة يتوفر فيها الحد الأدنى من ضروريات العيش الكريم.

هذا الاختيار المنهجي مناسب لما أنا بصدده الآن، سيما وأنه يتيح لي العودة إلى تفاصيل البداية التي قفزت عليها فيما سبق من سطور دشنت بوح الذاكرة. وهذا، بالطبع، ما يخول لي استئناف الحديث عن ما تم تأجيله ضمنيا بدافع من ضمان وحدة الموضوع في الحلقة الآولى التي أشرت في ثناياها إلى اسم وموقع الدوار الذي توجد فيه المدرسة الفرعية التي قضيت فيها سنتي الأولى كمعلم متدرب في انتظار الترسيم.

عندما نزلت من الحافلة ووطأت قدماي لأول مرة تراب أكدز وأنا أحمل في محفظتي وثيقةتعييني بمجموعة مدارس تانسيفت، تسلمت من مساعد السائق متعلقاتي بما فيها مقتنياتي من جامع الفنا التي كلفتني كل ما كان بحوزتي من دراهم وتم اقتيادي في الحين إلى فندق صغير غير مصنف يعتلي مقهى ذات واجهتين. حدد ثمن الغرفة للمبيت فيها خلال ليلة واحدة بعشرين درهم، ومع ذلك وجدت الغرفة التي قضيت فيها ليلتي الأولى نظيفة نسبيا بفضل المجهودات التي تبذلها أمرأة ضخمة الجثة يبدو من لكنتها أنها من نفس البلدة. لحد الساعة، لم يكن لي أي علم بالمنصب الذي سوف يسند إلي ولا بالمكان الذي سأعمل فيه. وحدهم المفتشان ومدير المؤسسة يعلمون ما أجهله الآن بحكم سهرهم القبلي على هندسة التنظيم التربوي للمجموعة المدرسية ككل. غدا، سادس عشر شتنبر 1988 سوف يكون يوما حاسما في حياتي العملية التي أنا مقبل على الشروع في خوض غمارها مع أناس لم يسبق لي أبدا أن عاشرتهم وفي أرض لم أتصور التواجد على أديمها ولو في الأحلام. غدا، سوف تلتقي عناصر طاقم التدريس بالمدرسة المركزية لأجل التوقيع على محضر الدخول برسم الموسم الدراسي الجديد وسوف يعرف الأساتذة، خاصة الجدد منهم، أماكن عملهم والمستويات المسندة إليهم.

استيقظت في الصباح حوالي السابعة، حزمت حقائبي بإحكام وخرجت قاصدا المقهى لتناول وجبة الفطور. خرجت من الفندق ولفت انتباهي وجود فوج من السياح المتجهين إلى زاكورة وهم يكتشفون لأول مرة مثلي جغرافية المكان ومورفولوجيته، كما عاينت عددا غفيرا من المعلمين ومن المعلمات بنسبة أقل وهم على أهبة الالتحاق بمؤسساتهم لأجل نفس الغرض. لما انتهيت من وجبة الفطور، أخذت أبحث عن وسيلة نقل متجهة الى حيث توجد إدارة م/م تانسيفت فتم إرشادي إلى ستافيت بيضاء تستخدم كناقلة بدون رخصة. لا زمت العربة وانتظر سائقها إلى أن تكدست بأكبر عدد من الركاب بمن فيهم معلمو المنظقة المراد الإحلال فيها قبل أن يدير مفتاح الديمارور. انطلقت العربة وفي جوفها ركاب تجاوز عددهم سعة حمولتها إلى درجة لم تجد جماعة كبيرة وأنا واحد منهم بدا من الذهاب على متنها وقوفا بشكل إجباري لا خيار فيه. اجتزنا قوس النصر القريب من بناية سرية الدرك الملكي واتجهت بنا السيارة نحو بلدة تانسيفت عبر مسلك جبلي غير معبد يخترق التلال والوديان ويتميز بكثرة المنعرجات ما تسبب لنا -نحن الواقفين- في محنة مقاومة التزحلق وإيجاد التوازن لأوضاع أجسامنا التي أصبحت تتمايل ذات اليمين وذات الشمال عند كل منعرج، ناهيك عن الاهتزازات والارتطامات عند عبور الشاحنة لكل أخذوذ يبدو كندبة تركها جريان ماء المطر على وجه الطريق.

استمرت الرحلة زهاء ساعة من الزمن، وفي نهايتها لفظتنا الناقلة المهترئة وتنفسنا الصعداء بعد الاصطبار على ما تجشمناه بداخلها من صنوف العذاب. بطريقة من الطرق، علمت أن المعلم المكلف بإدارة المؤسسة شاركنا نفس وسيلة النقل وعانى مما عانيناه، لذا فقد تعقبت خطواته لأكتشف من خلاله المكان الذي تتواجد به المدرسة المركزية. نحن الآن في قلب دوار بنيت اغلب منازله بالطين وشكلت تجمعا سكانيا خالدا على بؤسه، يشهد على ذلك عدم ارتباطه بشبكة الكهرباء الوطنية واقتصار سكانه في جلب الماءالشروب من آبار بعيدة الغور اعتمادا على وسائل بدائية تقتضي بالضرورة بذل مجهودات عضلية مضنية. بعد لحظات، اجتمعنا تحت قيادة رئيسنا المباشر، فوقع التعارف وتجديد صلة الزمالة بين سائر المعلمين الذين لا حظت انه لا توجد بينهم ولو معلمة واحدة. هنا أدركت مدى صعوبة ظروف العمل بهذه المنطقة، وهي صعوبة فرضت على السلطات التربوية المعنية أن تحجم عن تعيين معلمات ليدرسن هاهنا.

انفض الاجتماع بعد المرور على نقط جدول أعماله نقطة بنقطة. أنا الآن على علم بمدرستي الفرعية التي كانت من نصيبي وبالمستويات التي سأعمل في إطارها كمدرس للغة العربية وما يدرس بها من مواد أخرى. المدرسة الفرعية كانت الفكارة وما أدراك ما الفكارة! والمستويات هي الثالث والرابع+الخامس. لم أعد أذكر نوع وسيلة النقل التي امتطيتها أثناء رحلة العودة إلى أكدز. المهم أني تمكنت بمساعدة زميل لي في نفس الفرعية من استئجار سيارة أجرة يتحدر صاحبها من الدوار الذي كان مقصدنا في مساء اليوم الذي وقعنا فيه على محضر الدخول. طلب السائق من كل واحد منا مبلغ أربعين درهما مقابل الذهاب معه على متن سيارته إلى دوار الفكارة. قبلنا عرضه ووضعنا أمتعتنا في الصندوق الخاص بها.

انطلقت بنا السيارة في رحلة هي الأولى من نوعها بالنظر إلى مسارها الذي نجهل معالمه وطبيعته وبالنظر إلى توقيتها الذي صادف بداية إرخاء الليل لسجوفه. الطريق كثيرة الالتواءات مثل ثعبان ضخم، الظلام دامس يحجب رؤية الطريق والمناظر الطبيعية التي تصاحبها، وحدها مصابيح سيارة البوجو البيضاء تحاول إبادة الظلام الكثيف من أمام السائق الذي يبدي من حين لآخر عدم رضاه عن وعورة المسلك ووفرة المخاطر التي يسببها لسيارته العزيزة عليه وكانه يؤكد لنا على مدى تضحيته المادية الجسيمة عندما قبل بإيصالنا إلى دوارهم مقابل ذلك الثمن الزهيد. نحن الآن على مشارف الدوار بحسب ما أفاده بنا السائق. تطلعت إلى الأفق عبر الزجاجة الأمامية..بدا لي الأفق معتما لا يكاذ يبن عن معالم أو تضاريس، ولكني استطعت أن أدرك بحاستي السادسة أن الدوار يقع في وهدة كأنها حفرة أو وادي عميق. في هذه اللحظة، انفجرت إحدى عجلات السيارة وأصم دوي انفجارها أذاننا. عندها، توقفت العربة ونزل السائق ليستبدل العجلة المفشوشة بأخرى سليمة وهو يتفوه بكلمات تترجم سخطه على ما آلت اليه الكورسة من خسارة بائنة وكانه يطلب منا تعويضه عما حل به من كساد. لم نتجاوب مع مونولوجه الابتزازي، وانتظرنا خارج السيارة حتى فرغ من عمله واستانفنا المسير إلى أن ولجت بنا السيارة قلب الدوار حيث كان في استقبالنا عون السلطة الذي أضافنا في بيته وقدم لنا الأكل والشراب مع إمتاعنا بمشاهدة أحد أفلام سيلفستر ستالون الحركية.

في صباح الغد، قدم لنا عون السلطة – مشكورا – وجبة الفطور وأمرنا بأن نتبعه الى حيث مستقرنا الدائم مع طمأنتنا بشأن أمتعتنا التي تكفل بنقلها بوسيلة من الوسائل. بالفعل، مشينا -أنا وزميلي المتحدر من آسفي- وراء العون الذي سوف نكتشف فيما بعد أنه يمارس التجارة في حانوته اللصيق بمنزله. سار بنا المقدم عبر زنقة رئيسية في الدوار وشاهدنا المنازل المتواضعة المحاطة غالبيتها بأكوام من حطب السدر الشائك وكأنها زريبات مخصصة للقطيع من ماعز أو غنم وليست ملاذا للبشر..توقف بنا الرجل الدليل عند مسجد الدوار وأدخلنا الى حجرة كبيرة مبنية بالتابوت ومسقفة بالقصب والعيدان الغليظة. وجدنا بداخلها معلما يتحدر من قلعة مكونة المشهورة بموسم قطاف الورود.

الغرفة التي جيئ بنا إليها جزء لا يتجزأ من”لكصر” الذي يضم، فضلا عن المسجد ومرفقه الصحي، مجموعة من العلب الطينية التي تفتقد في غالبها للنوافذ. تقع هذه الغرفة الكبيرة الحجم أمام باب المسجد ويتوسطهما بئر بعيدة القرار. في الجهة الأخرى المقابلة لبوابة المسجد، تقع غرفة صغيرة الحجم يقيم فيها معلم متحدرمن أقليم أزيلال ويحمل من الأسماء العائلية ما يعني العصا بالأمازيغية. وبجانب المسجد على يمينه، هناك غرفة أخرى بدا لنا بابها الحديدي مغلقا بإحكام.

ظننت في بادئ الأمر أن الغرفة المقابلة للمسجد سوف تكون مشتركة بيننا نحن المعلمين الثلاثة وسوف نقضي بها السنة الدراسية كلها نظرا لكبرها من حيث العرض والطول. لكن، مع مرور الأيام الأولى تبين لي أن المعلم السابق إلى المبيت فيها يريد الاسئثار بها لوحده ولم يتورع عن إخبارنا بأن مبيتنا معه لن يكون إلا بشكل مؤقت، في انتظار أن يجد كل واحد منا غرفة خاصة به. حل المساء وخيم الظلام على المكان فغاب الكهرباء وحضر الشمع كبديل متهافت..اللهم العمش ولا العمى..المعلم صاحب البيت عن طريق الاستيلاء الأول رتب له سريرا واختار أن يضعه قبالة الباب، فيما انزويت أنا بين الركنين الشماليين مفترشا حصيرا وبطانية، أما زميلي الآخر الذي جاء معي من أكدز فقد فعل مثلي حيث رتب فراشه في الجهة المقابلة لجهتي.

منذ الوهلة الأولى، علمت أن المعلم المستحوذ على البيت الكبير كان تابعا لنيابة الناظور وجاء إلى هنا كنتيجة لاستفادته من الحركة الانتقالية الوطنية التي جرت أطوارها في نهاية السنة الفارطة وذلك من أجل العمل في إقليم ورزازات الذي تنتمي إليه قلعة مكونة مسقط رأسه. كان يملك دراجة نارية نفاثة من نوع ياماها، كانت هذه الدراجة عنده أعز من عينيه، ولهذا كان يصر على ركنها داخل الغرفة قريبا من مرقده غير مبال بما ينبعث من خزانها ومحركها من رائحة بترولية خانقة للأنفاس. بعد تناولنا لوجبة عشاء مشتركة، التحقت بفراشي وبدأت أقرأ على ضوء الشمع في كتاب لم أعد أذكر موضوعه ولا مؤلفه. وما هي إلا لحظة حتى هاجمتني حشرات دموية وشغلتني لسعاتها الأليمة عن القراءة وشرعت أحك الأمكنة من جسدي التي غرزت فيها حشرات البق والباعوض خراطيمها اللاترى بالعين المجردة لغاية امتصاص الدم الذي يعتبر غذاءها الأثير.

لم أتعرض لوحدي لهذه المحنة، بل لا جظت أن زميلاي الآخرين يعانيان من نفس المشكل من خلال انهماكهما في حك أطرافهما التي تعرضت للسعات الحشرات اللعينة..
المصيبة وقعها لم يكن هينا ولو أنها عمت وطالت الجميع..تعرضنا لنفس الحصة من التعذيب وبنفس الآلام جعلنا نتبادل فيما بيننا التشكي والتظلم من اعتداءات الحشرات الرهيبة على أجسامنا والتي يحلو لها إزعاجنا في وقت أردنا الخلود للنوم والراحة بعد يوم عمل في المدرسة التي استقبلنا فيها التلاميذ بمختلف مستوياتهم واعمارهم وأمددناهم بلوائح اللوازم المدرسية التي على آبائهم وأولياء أمورهم شراؤها من السوق الذي يقام في أكدز ابتداء من ليلة الأربعاء-الخميس من كل أسبوع. ونظرا لبعد هذا الدوار عن مركز أكدز، ترى سكانه يشدون الرحال إليه يوم الأربعاء على أساس المبيت هناك والتبضع من السوق في اليوم الموالي (الخميس).

Les secrets des becs crochus au Maroc

حفيظ حنفاوي يغني المكتبة المغربية بكتاب مهم في تربية الطيور بعنوان “Les secrets des becs crochus au Maroc”

عز الدين شجعاني – موطني نيوز

سيعرف المعرض الدولي للنشر والكتاب بمدينة الدار البيضاء يوم غد الأربعاء 13 فبراير 2019 ، حفل توقيع كتاب يتحدث على الارنيطولوجيا، بل يعتبر متنفسا لمحبي وعشاق الطيور لكاتبه “حنفاوي حفيظ” تحت عنوان Les secrets des becs crochus au Maroc، على الساعة الثانية بعد الزوال، كما سيعرف هذا التوقيع حضور وازن لعشاق الطيور بالاضافة إلى محبي الكتاب ورجال الاعلام.

Les secrets des becs crochus au Maroc
Les secrets des becs crochus au Maroc

وتجدر الإشارة إلى أن حفيظ حنفاوي كاتب من مواليد سنة 1975 بمدينة خريبكة. متزوج أستاذ اللغة الفرنسية. عضو بالاكاديمية الارنيطولوجية الفرنسية و مؤسس موقع فرونكوفوني لتربية الببغاوات الذي صنف سنة 2007 أول موقع على الصعيد العالمي، من المربين القلائل الذين استطاعوا تربية و تفريخ الببغاوات.

كما يشغل منصب الكاتب العام من 2006 الى 2010 لجمعية الطائر الذهبي بخريبكة و نائب الرئيس لنفس الجمعية الى حدود الأن كما  ساهم السيد حفيظ حنفاوي في كتابة مجموعة من المجلات الفرنسية و البلجيكية التي تعنى بتربية الطيور كما عمل على تنشيط مجموعة من المنتديات و التكوينات محليا وطنيا و دوليا.

دون أن ننسى اهتمامه الكبير بتربية الكثير من فصائل الطيور النادرة و المستوردة و العمل على تفريخها و تحسين سلالاتها.

حفيظ حنفاوي
حفيظ حنفاوي

كتاب للعياشي ابي بكر حققه سعيد واحيحي التعريف والإيجاز ببعض ما تدعو الضرورة إليه في طريق الحجاز

محمد بلمو – موطني نيوز

الكتاب الذي نقدمه ليس في أصله برحلة، كما تداولته كتب الفهارس والتراجم، وسايرها الباحثون والدارسون، بل هو رسالة جوابية، وتوجيهية مختصرة، كتبها الرحالة أبو سالم العياشي إلى تلميذه، وصديقه قاضي فاس الجديد أبي العباس أحمد بن سعيد المكيلدي بتاريخ بتاريخ 28 ربيع الأول 1068هـ/ 2 يناير 1658م، لـمادخل عليه مرسول المكيليدي وهو بفناء مسجد زاويته حاملا معه رسالة، يخبره فيها عزم المكيلدي القيام بمناسك الحج من نفس العام، فتحسر لذلك العياشي كما يشير في بداية الرسالة، لما كان يرجو من مرافقته، كما تأسف بعدم مروم الركب الفاسي الذي سيرافقه المكيلدي على بلدة آيت عياش (مقر سكنى وزاوية أبي سالم العياشي)، فيفوته ما كان يريد نصحه وإرشاده عن أمور، كرحالة خبر خبايا المسالك والطرقات بتعدد رحلاته الحجازية.
ففي هذه الرسالة الجوابية يحاول الرحالة العياشي أن يرسم للمكيلدي الطريق التي يسلكها للذهاب إلى الحج، ويعرفه ببعض ما يحتاج إليه، ويذكره بما يستعين به، وما يتقي به شدائدها، وما يستشفي به من أدوائها، وينبهه إلى المواد التي يجب أن يصحبها معه في رحلته، والأسواق والمرافق التي يلقاها في الطريق، وغير ذلك من النصائح أولاها اختيار أحسن الأركاب النبوية تؤمنه من مخاطر الطرقات والمسالك، وتجنبه اعتداءات الطرق من الأعراب، وتسهل عليه مأمورية أداء مناسك الحج، وما يجب التزود به من أسلحة، وملابس، وأطعمة، وعلف البهائم، وكاغد، ودواة، وألواح، كما ذكر له فيها أسماء المسالك والطرقات التي يسلكها الحاج برا من سجلماسة إلى الحجاز، وأماكن الإستراحة ومدتها، وما يرغب في زيارته من الأولياء، والصلحاء، والعلماء؛ الأحياء منهم والأموات، وأماكن مطالعة وشراء الكتب، وتنبيهه لما يمكن أن يتعرض له الركب الحجازي من متاعب ومشاق سفرية طبيعية وبشرية.
وأشاد الرحالة العياشي في رسالته بقوة الركب الحجازي السجلماسي عن باقي الأركاب النبوية الأخرى، الفاسي، والمراكشي والشنجيطي الذين لا خبرة لهم بالطريق، وأكثر تفوقا وقوة منها.
أيضا وجب التنبيه أن رسالة العياشي كتبت قبل موسوعته الرحلة الحجازية الكبرى “ماء الموائد” بسنوات، جعلنا نعتبرها المحفز الرئيسي الذي دفع للشروع في كتابتها عند عودته من رحلته الحجازية الثالثة والأخيرة يوم الأربعاء ظهر 17 شوال 1074هـ/ 12 أبريل 1664م، والاستقرار بزاويته آيت عياش (نسبة للقبيلة الأمازيغية) متفرغا للتدريس، والتأليف إلى أن وافته المنية عام 1090ه/ 1679م، ضمنها حياته الفكرية، والعلمية، وتجربته الشخصية كعالم ورحالة، والأماكن التي زارها، والأحداث التي عاينها وعاشها.
ولعل ما شجعنا على هذا النوع من البحث العلمي اهتمامنا بتاريخ منطقة تافيلالت، وتاريخ أعلامها، وغنى المنطقة بموروث علمي في شكل مخطوطات تحتاج لمن ييسر أمر تداولها بين الباحثين والدارسين وعموم الباحثين بالشأن الفكري . وقدمنا للمتن المحقق بدراسة حول دور الرحلات الحجية السجلماسية في تمثين الروابط الفكرية بين شرق العالم الإسلامي وغربه، ثم قمنا بالتعريف لمؤلف المخطوط، والتحقيق في نسبه، والفترة التي عاش أثناءها، وجرد لآثاره العلمية. وذيلناه بمجموعة فهارس. ولتحقيق متن المخطوط اعتمدنا ثمان نسخ في المقارنة والتقابل موزعة على مختلف الخزنات العامة والخاصة،
وسنعمل عند توصلنا بنسخ الكتاب على موافاتكم بنسخة من الكتاب.
الكتاب سيتم عرضه ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب في رواق مجلة أمل
المؤلف: سعيد واحيحي، أستاذ تاريخ المغرب الحديث بكلية الاداب والعلوم الانسانية عين الشق جامعة الحسن الثاني البيضاء
تقديم: محمد معروف الدفالي، مدير مجلة أمل أستاذ التعليم العالي نفس الكلية
شكرا على تعاونكم.

عنوان الكتاب: التعريف والإيجاز ببعض ما تدعو الضرورة إليه في طريق الحجاز.

المؤلف: أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي (ت. 1090هـ/ 1679م).

تحقيق: سعيد واحيحي.

تقديم: محمد معروف الدفالي.

منشورات : مجلة أمل، للتاريخ والثقافة والمجتمع.

السنة : 2018.

الإيداع القانوني: 2018MO2307

ردمك:978-9954-721-15-5

طبع هذا الكتاب بدعم من وزارة الثقافة

قراءة نقدية في كتاب محمد بلفقيه “الجغرافيا القول فيها والقول عنها: المقومات الإبستيمولوجية”

بقلم أحمد رباص – موطني نيوز

بادئ دي بدء، أعلن أني سوف أتحرى الاختصار والإيجاز في عرض لآهم ما جاء في الفصل الخامس من أطروحة عبد الفتاح أبو العز الموسومة ب ” قضايا المنهج في العلوم الإنسانية”. من المعلوم للقراء المتمرسين أن هدا الفصل الذي نحيل عليه هنا يشكل تجربة تطبيقية أو مثالا تطبيقيا لمفهوم القراءة النقدية المعاصرة.

ومن أجل تفادي الحشو والإطناب، سوف أدهب رأسا إلى العيوب والهنات التي سجلها أبو العز على زميله بلفقيه مع انتقاء لآهمها ولآشدها فداحة.

أول ما يعيبه أبو العز على الآستاد المتخصص في الجغرافيا هو الطول المفرط لمقدمة كتاب محمد بلفقيه “الجغرافيا القول فيها والقول عنها: المقومات الإبستيمولوجية”، حيث تعدى فيها ” توضيح أهداف الكتاب ومنطلقاته، وإعلان محاوره” إلى الإقدام على تلخيص محتويات كتابه. ويشير عبد الغني في هدا السياق إلى أن هدا الانزلاق دهب صحيته كتاب عرب كثر يأتي في طليعتهم محمد عابد الجابري في كتابه”نحن والتراث”.

ومن ضمن ما يسجله الآستاد الناقد من عيوب وتناقضات على زميله أستاد الجغرافيا بدزره خلطه بين المطلقات والنسبيات ودلك في معرض دفاعه عن مرجعيته الإسلامية التي يمنحها الصلاحية المطلقة على حساب إبستيمي العلوم الإنسانية. يقول بلفقيه بهدا الصدد أن “فقه المعرفة” الدي يقترحه كمخرج للنفق الدي تنحبس فيه العلوم الإنسانية هو “نسق فكري لا يتحقق إلا في المدهبية الإسلامية”.

هدا التناقض بين المطلق والنسبي لايستقر في موضع واحد من الكتاب بل هو مبثوث عبر ثناياه ومفاصله وسوف نصادفه مرة أخرى في ما سيأتي من سطور. أما الآن فإليكم هنة أخرى سقط فيها الأستاد الدي حاول التأريخ لعلم الجغرافيا. ففي إطار حديثه عن شروط العلم الأربعة من موضوع ومنهج واستنباط وتحليل العلاقة بين الدات والموضوع يقع في خلط لايليق به كأستاد جامعي حيث يعرض تلك الشروط وكأنها مستقلة عن بعضها البعض. أو ليس موضوع تنظيم العلاقة بين الدات والموضوع من اختصاص المنهج؟ أوليس الاستبطان من اختصاص الإبستيمولوجيا كتأمل في وسائل التفكير التي هي المنهج بالضرورة؟

ويبلغ التناقض أوجه السلبي عندما يستشهد بلفقيه بحديث نبوي مفاده أن “الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها”، ودلك من أجل الخروج بحكم ينزع عن العلوم الإنسانية طابع المتاح للبشرية على حد تعبير عبد الله العروي. فهل فحوى الحديث الشريف المستشهد به يحضنا على الانفتاح والاجتهاد أم على الانغلاق والاتباع؟

خارج المقدمة الحافلة بالتناقضات والعلاقات المفروضة فرضا بين الجغرافيا والمقدسات، نجد أن فصول الكتاب لا تخلو هي الأخرى من عيوب ومفارقات. فمثلا، في الفصل الأول يتبنى رأي ريتر وينقل بالتبني كلام بول كلافال الدي يوافق فيه على صدقية تعريف الأخير للجغرافيا باعتبارها العلم الدي يصف الكرة الأرضية من حيث أنها مهد الإنسان وينوه به على أساس أنه (ريتر) ينطلق في دلك من الفلسفة الغائية. لاحظ أن الباحث في تاريخ الجغرافيا يصمت ولايبدي اعتراضا على هده الدعوى وكأنه يوافق عليها. لكنه في سياق حديثه عن مزايا راتزل بشكل إيجابي بناء على ما تسمح به من مقاييس جغرافية “أكثر ملاءمة لضبط التفاعلات” ولتفادي الالتباسات الغائية التي تتصف بها الرؤية الهردرية.

في فقرة موالية، يرد أبو العز على كلام زميله منطلقا من انتقاده للفلسفة الغائية ووصفها بالغموض والالتباس. وبالرغم من موافقته الضمنية على تعريف الغائية الدي اعتمده خصمه والدي مفاده أنها ” إدماج غير ممنهج، وملفق للمعتقدات الدينية داخل الفكر العلمي، الدي لايتناقض مع الفكر الديني الإسلامي”، ( رغم ذلك) يطرح أبو العز هدا السؤال : كيف يبيح الكاتب لنفسه ما ينتقده ويحرمه على غيره؟

ختاما، لو أن الأستاد محمد بلفقيه شارك زملاءه وأصدقاءه قراءة عمله وهو على شكل مخطوط لكان بإمكانه اهتباال فرص التقويم والتصحيح التي من شأنها تخليص أطروحته من تلك الشوائب المشينة وتنقيحها مما علق بها من مفارقات وتناقضات.

بقي أن أشير إلى أن الكتاب الأول موضوع هده القراءة من منشورات الرباط العاصمة وهو صادر سنة 1991، فيما كتاب ابو العز من منشورات العاصمة الاقتصادية وقد صدر عن مطبعة النجاح الجديدة سنة 2008.

طوماس بيكيتي

قراءة نقدية لكتاب”رأس المال في القرن الواحد والعشرين” لطوماس بيكيتي

تقديم وترجمة أحمد رباص – موطني نيوز

تميزت سنة 2013 بصدور كتاب “الرأسمال في القرن الواحد والعشرين” لصاحبه الشاب (من مواليد 1971) طوماس بيكيتي المفكر الاقتصادي الفرنسي الذي يشغل حاليا منصب مدير الدروس بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية. حظي هذا الكتاب باهتمام القراء بمختلف توجاهتهم نخص منهم بالذكر روسل جاكوبي الأستاذ في علم التاريخ بجامعة كالفورنيا في شيغاغو والمعروف بكتابه الصادر سنة 1987 حول “المثقفين الأواخر”. يظهر من خلال قراءته للكتاب المنشورة في Le Monde Diplomatique (غشت 2014)، والتي نقدم فيما يلي ترجمتها للغة العربية، أن روسل جاكوبي اهتدى الى المقارنة بين بيكيتي وماركس استجابة الى وحدة الموضوع دون اغفال الاشارة الى نقاط الاختلاف بين الكاتبين. يفسر النجاح الذي لاقاه كتاب بيكيتي في أمريكا بكونه يتطرق لتفشي واستفحال التفاوتات الطبقية في البلدان الغربية بشكل يدعو للأستنكار. فإذا كان ماركس قد اقترح ثورة اجتماعية من شأنها تغيير العالم نجد بيكيتي يتصور أن الحل يتمثل في فرض ضريبة عالمية على الرأسمال.

يعتبر كتاب “رأس المال في القرن الواحد والعشرين” (Seuil) حدثا سوسيولوجيا أكثر منه حدثا ثقافيا. إنه يبلور روح عصرنا مثلما صنع، في أوانه، كتاب آلن بلوم: The closing of the American Mind . هذا الكتاب الذي فضح الدراسات حول النساء، الجندر والأقليات داخل الجامعات الأمريكية، يقابل ” رداءة ” النسبية الثقافية ب “البحث عن “الجودة” المقترنة، في ذهن بلوم، بالكلاسيكيات الإغريقية والرومانية. رغم قلة عدد قرائه (كان مفخما بشكا خاص)، فقد غذى الاحساس بتدمير النظام التربوي الأمريكي، بتدمير أمريكا نفسها، بسبب خطأ ارتكبه تقدميو اليسار.يندرج “الرأسمال في القرن 21” ضمن نفس السجل القلق على اعتبار أن بيكيتي يتحدر من اليسار وأن المجابهة انتقلت من التربية إلى المجال الاقتصادي. حتى في مجال التعليم، يتمحور النقاش من الآن حول ثقل المديونية الطلابية وحول الحواجز التي تفسر التفاوتات الدراسية.

هكذا جاء الكتاب ليترجم قلقا ملموسا :المجتمع الأمريكي، كسائر المجتمعات، أصبح أكثر ظلما وجورا. فالتفاوتات تتفاقم وتنذر بمستقبل مظلم: كان يجب عنونة الكتاب ب”التفاوتات في القرن 21″ بدل العنوان الأصلي..

سوف يكون من غير المجدي توجيه النقد لبيكيتي نظرا لفشله في تحقيق أهداف ليست أهدافه. مع ذلك، يمكن أن نكتفي بأن نضفرله اكليلا من الغار. كثير من المعلقين أبانوا عن اهتمام بعلاقته بكارل ماركس، بما يدين به إلى الخيانات التي اقترفها في خقه، هذا بينما كان ينبعي بالأحرى التساؤل عما إذا كان الكتاب يسلط الضوء على بؤسنا الراهن. وفي نفس الوقت، إذا تعلق الأمر بهم المساواة، لن يكون غير مجد العودة الى ماركس.بالمقارنة بين هذين الكاتبين، نلاحظ بالفعل تباعدا بينهما: كلاهما يرفض التفاوتات الاقتصادية، إلا أنهما يجترحان توجهات متقابلة. يدرج بيكيتي أقواله في مجال الأجور، المداخيل والثروة: فهو يتمنى القضاء على التفاوتات الصارخة وامدادنا – في محاكاة لشعار “ربيع براغ”- ب”رأسمالية ذات وجه انساني”. على العكس من ذلك، يتموقع ماركس في مجال السلع، الشغل والاستلاب: كان يريد القضاء على هذه العلاقات وتغيير المجتمع.

يصوغ بكيتي صك اتهام قاسيا ضد التفاوتات: “آن الأوان – كما يكتب في المقدمة – أن نضع مسألة التفاوتات في قلب التحليل الاقتصادي”. لقد بوأ الجملة الثانية من “إعلان حقوق الإسان والمواطن لعام 1789” “التمايزات الاجتماعية لا يمكن لها أن تقوم سوى على المنفعة العامة” ) مكانة بارزة في كتابه. ( نتساءل من جهة أخرى عن سبب إغفال كتاب مطنب لذكر الجملة الأولى: “يولد الناس أحرارا وسواسية وييبقون كذلك أمام القانون”.) استنادا الى كم كبير من الأرقام والجداول، يبرهن على أن التفاوتات الاقتصادية في تزايد وأن الأكثر غنى يستحوذون على الجزءالأكبر من الثروة.

ضرب بيكيتي بقوة وعن حق عندما تناول احتداد التباينات التي شوهت (وجه) المجتمع، الأمريكي بالخصوص. لاحظ مثلا أنه يجب على التربية أن تكون متاحة بالتساوي للجميع وأن تساعد على الاستقرار الاجتماعي. غير أن ” الدخل (السنوي) المتوسط لآباء طلبة هارفارد يصل حاليا الى مبلغ 000 450 دولار”، الشيء الذي يجعلهم يصنفون ضمن ال 2 % من العائلات الأمريكية الأكثر ثراء. إلى ذلك، يختم حجاجه بهذا التلميح المتميز : “المفارقة بين الخطاب الأهلقراطي الرسمي ( القائل بتراتبية اجتماعية مبنية على أساس الأهلية الفردية) وبين الواقع تبدو في حدودها القصوى بشكل خاص”.

بالنسبة لطائفة من اليسار، ليس هناك من جديد. بالنسبة للآخرين، الذين تعبوا من أن نفسر لهم طوال الوقت أنه من المستحيل الزيادة في الأجر الأدنى، أنه لا ينبغي فرض الضريبة على “خالقي مناصب الشغل” وأن المجتمع الأمريكي يبقى من المجتمعات الأكثر انفتاحا في العالم، يمثل بيكيتي حليفا ساقته العناية الالهية. بالفعل، واستنادا الى تقرير ( غير وارد في الكتاب )، غنم مدراء صناديق الاستثمار ال25 الأكثر جزاء في سنة 2013 واحد وعشرين مليار دولار، أي ما يعادل ضعفي مجموع مداخيل مئة وخمسين ألف مدرس في التعليم الأولي بالولايات المتحدة الأمريكية. اذا كانت المكافأة المالية تتناسب مع القيمة الاجتماعية، فان مديرا لصندوق التحوط (hedge fund) يساوي سبعة عشر ألف معلم. كل الآباء (وحتى المدرسون) بمستطاعهم رفض مشاطرة هذا الرأي.

مع ذلك، التركيز الحصري لبيكيتي على التفاوتات يصطدم بحدود نظرية وسياسية. منذ الثورة الفرنسية وحتى الحركة الأمريكية من أجل الحقوق المدنية مرورا بالنزعة الكاريزمية، بالغاء العبودية وبالمناداة بمنح المرأة حق الاقتراع، أثار التطلع الى المساواة العديد من الانتفاضات السياسية. ففي موسوعة المعارصة، يحتل بكل تاكيد المقال المخصص لها مئات الصفحات ويحيل على كل المداخل. لقد أدت ، وستظل تؤدي، دورا ايجابيا أساسيا. اليوم كذلك، تقدم حركة “لنحتل شارع وول ستريت” والحركات التعبوية من أجل الزواج المثلي الدليل على صواب الفكرة.بعيدا عن كونها اختفت، أخذت هذه المطالبة لها نفسا جديدا.

لكن النزعة المساواتية تقتضي قدرا من الاستسلام: هي تقبل المجتمع كما هو، وتسعى فقط الى اعادة التوازن لتقسيم الخيرات والامتيازات. المثليون يريدون الحصول على الحق في التزاوج مثل العاديين تماما. بيد أن هذا لن يمس في شيء مؤسسة الزواج الناقصة التي لايستطيع المجتمع التخلي عنها أو تحسينها.

في سنة 1931، سبق للمؤرخ اليساري الإنجليزي رتشارد هنري تاونر أن شدد على هذه الحدود في كتاب له رافع فيه، اضافة الى ذلك، عن النزعة المساواتية. كتب يقول ان الحركة العمالية تؤمن بامكان (خلق) مجتمع يعطي قيمة أكثر للأشخاص و قيمة أقل للمال. لكن لهذا التوجه حدوده:” في نفس الوقت، تتطلع (المساواتية) ليس الى نظام اجتماعي مختلف، لن يعود فيه المال والسلطة الاقتصادية هما معيار النجاح، بل الى نظام اجتماعي من نفس النمط، تكون فيه “المادة” والسلطة السياسية موزعتين بشكل مختلف قليلا”. هنا نلمس جوهر المسألة. ان نعطي للجميع الحق في التلويث فذلك يمثل تقدما بالنسبة للمساواة، لكنه بدون شك ليس كذلك بالنسبة لكوكب الأرض.

لم يفرد ماركس مكانة للمساواة. فهو لم يسبق له فقط ان اعتبر أن أجور العمال يمكن لها أن ترتفع بطريقة دالة، بل حتى ولو تحقق ذلك، فالمسألة في نظره لا تطرح هنا. الرأسمال هو الذي يفرض اعدادات العمل، ايقاعه وحتى تعريفه، وكل ما هو نافع وغير نافع. لكن في نظام رأسمالي يكتسي أشكالا “ميسورة وليبرالية”، حيث العامل يستطيع العيش أحسن والاستهلاك أكثر لأنه يأخد راتبا محترما، لن يكون الوضع مختلفا على نحو أساسي. ان الزيادة في أجرة العامل لن تغير أبدا من تبعيته، ” فلا تحسين ملبس العبيد ومأكلهم ومعاملتهم والزيادة في تحررهم من شانها الغاء تبعيتهم واستغلالهم. ان الزيادة في الأجرة لن تعني أكثر من كون “اتساع ووزن السلسلة الذهبية التي أللها الأجير ذاته يسمحان بشدها بقوة أقل”.

يمكن دائما الاعتراض بأن هذه الملاحظات النقدية تعود الى القرن التاسع عشر. لكن كان لماركس على الأقل الفضل في التركيز على بنية العمل، بينما بيكيتي لم يقل عنها ولو كلمة واحدة. لا يتعلق الأمر بمعرفة أيهما كان على صواب في موضوع نظام عمل الرأسمالية، بل بادراك قاعدة تحليلاتهم الخاصة: اعادة التوزيع بالنسبة لبيكيتي، الانتاج بالنسبة لماركس. الأول يريد اعادة توزيع ثمار الرأسمالية بطريقة تتقلص معها الهوة بين المداخيل الأكثر ارتفاعا وبين تلك الأكثر هزالة، بينما يتمنى الثاني تغيير الرأسمالية ووضع حد لهيمنتها.

منذ شبابه، واظب ماركس على توثيق بؤس العمال؛ لقد خصص مئات الصفحات من كتاب “الرأسمال” ليوم العمل المرجعي وللانتقادات التي يثيرها. حول هذا الموضوع كذلك، ليس لبيكيتي ما يقوله لكم، حتى وان أتى على ذكر اضراب في بداية فصله الأول. في فهرست الطبعة الفرنسية، عند المدخل، يمكن أن نقرأ : ” انظر ( تقسيم العمل-الرأسمال)”. هذا شيء مفهوم، ما دام أن الكاتب لايهتم بالعمل بحصر المعنى، بل بالتفاوتات الناجمة عن هذا التقسيم.

عند بيكيتي، يختزل العمل على الخصوص في قيمة المداخيل. ان موجات الغضب التي تطفو من حبن لآخر على قلمه تستهدف الأكثر ثراء. هكذا يلاحظ أن ثروة السيدة ليليان ييطونكور، وريثة L’auréal، انتقلت من 4 الى 30 مليار دولار فيما بين 1990 و2010: “ليليان يطونكور لم يسبق لها أبدا أن اشتغلت، لكن هذا لم يمنع ثروثها من أن تزداد بشكل مضبوط بنفس سرعة نمو ثروة بيل غيتس.” هذا الاهتمام الممنوح للأكثر ثراء يتناسب تماما وحساسية عصرنا، هذا بينما ماركس، بتوصيفاته لعمل الخبازين، الغسالين والصباغين المياومين، ينتمي الى الماضي. لقد اختفى المعمل والتجمهر من البلدان الرأسمالية المتقدمة وتكاثرا بالبلدان التي في طريق النمو، من بانغلاديش الى جمهورية الدومينيكان. لكن سبب هجران حجة ما لا يتمثل في كونها قديمة، بينما ماركس، وهو منكب على العمل، يشدد على بعد شبه غائب عن “الرأسمال في القرن الواحد والعشرين”.

يوثق بيكيتي “انفجار” التباينات، خاصة بالولايات المتحدة، وينتقد المفكرين الاقتصاديين المحافظين، الذين يبررون الفروق الكبيرة بين الأجور بالقوى العقلانية للسوق. إنه يسخر من زملائه الأمريكيين، الذين ” لهم في الغالب ميل الى اعتبار اقتصاد الولايات المتحدة بالأولى في صحة جيدة، وأنه بالأخص يكافئ الموهبة والأهلية بدقة ووضوح”. لكن، كما يضيف، لا عجب في ذلك، ما دام هؤلاء المفكرون الاقتصاديون يشكلون هم أنفسهم جزءا من 10% ,وهي نسبة الأكثر غنى. وبما أن عالم المال، الذي يحدث أن يمنحوه خدماتهم، يسحب أجورهم نحو الأعلى، يبدون “ميلا مزعجا الى الدفاع عن مصالحهم الخاصة، وهم يختقون كليا وراء دفاع غير محتمل وراء المصلحة العامة”.

وحتى نأخذ نموذجا غير وارد في كتاب بيكيتي، يسعى مقال منشور في مجلة الجمعية الاقتصادية الأمريكية الى تبيان، استنادا الى أرقام، أن الفروق الكبيرة تتاتى من وقائع اقتصادية.” المداخيل المرتفعة مرتبطة بكفاءات نادرة وفريدة تسمح لأصحابها بأن يفاوضوا على الأجر المرتفع بالنظر الى القيمة المتزايدة لمواهبهم”، كا يستنتج أحد الكتاب، ستيفن ن. كابلان، أستاذ ريادة الأعمال والمال في مدرسة الأعمال (التابعة) لجامعة شيكاغو. من الممكن ان نرى أن كابلان يحتاج الى اضافة الزبدة الى سبانيخه: تخبرنا ملحوظة في أسفل الصفحة بأنه “يقيم في المجلس الاداري لعدة صناديق مشتركة خاصة بالمال الموظف” وأنه كان مستشارا لفائدة شركات رأسمال-استثمار ورأسمال-مجازفة”. ها هو التعليم الانسانوي في القرن الواحد والعشرين! يشرح بيكيتي في بداية كتابه كيف أنه تخلص من أوهامه حول المفكرين الاقتصاديين عن طريق التدريس بمعهد ماساشوستش للتكنولوجيا، وكيف أن زملاءهم في الجامعات الفرنسية يحظون ب”ميزة عالية” تتمثل في أنهم ليسوا أكثر احتراما وأحسن أجورا: هذا ما يجعلهم يتركون أقدامهم على الأرض.

لكن التفسير المضاد الذي يقترحه أقل ما يوصف به أنه تافه: الفوارق الهائلة في المكافآت تنبع من التكنولوجيا،من التربية ومن التقاليد. الأجور “الباهظة” ل”الأطر العليا”، باعتبارها “آلية قوية” لزيادة الفوارق الاقتصادية”، خاصة في الولايات المتحدة، لا يمكن لها ان تفسر ب”المنطق العقلاني للانتاجية”. انها تعكس المعايير الاجتماعية الراهنة، التي ترجع هي نفسها الى سياسات محافظة عدلت من فرض الضريبة على الأكثر ثراء. مدراء المقاولات الكبرى يتلقون أجورا سمينة لأن لديهم امكانية ذلك ولأن المجتمع يحكم على هذه الممارسات بانها مقبولة، على الأقل في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

يقترح ماركس تحليلا مختلفا. فهو يسعى الى البرهنة على التباينات الاقتصادية السحيقة بقدر أقل مما يسعى الى اكتشاف جذورها في التراكم الرأسمالي. أكيد ان بيكيتي شرح كيف تكون هذه التباينات عائدة الى “التناقض الأساسي للرأسمالية”: الانفصال بين معدل ريع الرأسمال وبين معدل النمو الاقتصادي. فبقدر ما يقتفي لزوما الأول أثر الثاني، مفضلا الثروة الموجودة على حساب الشغل، فانه يتأدى الى تباينات “رهيبة” في تقسيم الثروات. سوف يكون ماركس ربما متفقا على هذه النقطة،لكنه، مرة أخرى، يهتم بالشغل، الذي يعتبره موضع أصل وانتشار التباينات. ففي نظره، تراكم الرأسمال تنتج عنه بالضرورة البطالة، الجزئية، الموسمية أوالدائمة. بيد أن هذه الحقائق، يصعب نفي أهميتها في عالمنا الحالي، هي غائبة تماما عن كتاب بيكيتي.

ينطلق ماركس، بالطبع، من قضية أخرى: العمل هو الذي يخلق الثروات. يمكن لهذه الفكرة أن تبدو بالية. ومع ذلك فانها تؤشر على توتر غير معالج في الرأسمالية: هذه الأخيرة محتاجة الى العمل، وفي نفس الوقت، تسعى الى الاستغناء عنه. فبقدر ما يكون العمال ضروريين لتوسعها، بقدر ما تتخلص منهم من أجل التقليص من التكاليف، عن طريق مكننة الانتاج مثلا. درس ماركس مطولا الطريقة التي تنتج بها الرأسمالية “عمالا فائضين من ذوي الاختصاص”. تكتسي هذه السيرورة شكلين أساسيين: اما يتم تسريح العمال، واما التوقف عن ادماج عمال جدد. في المحصلة، تنتج الرأسمالية مستخدمين “jetables” أو جيشا احتياطيا من العاطلين. بقدر ما ينمو الرأسمال والثروة بقدر ما تتفشى البطالة والبطالة المقنعة.

مئات المفكرين الاقتصاديين حاولوا تصحيح وتفنيد هذه التحاليل، لكن فكرة تزايد قوة العمل الفائض تبدو مؤكدة: من مصر الى السلفادور ومن أوربا الى الولايات المتحدة، تعاني غالبية البلدان بدرجات مرتفعة أو حرجة من التشغيل المحدود لليد العاملة ومن البطالة. بعبارة أخرى، الانتاجية الرأسمالية تحجب الاستهلاك الرأسمالي. مهما كانوا مسرفين. لن يصل أبدا المدراء الخمسة والعشرون لصندوق الحوط الى صرف 21 مليار دولار التي تشكل قيمة مكافأتهم السنوية. الرأسمالية مثقلة بما أسماه ماركس ب”أشباح” “الافراط في الانتاج، الافراط في الاستهلاك”. لوحدها فقط، تستطيع الصين بدون شك انتاج ما يكفي من السلع لتغذية السواق الأوربية والأمريكية والافريقية. لكن ما مصير قوة العمل في بقية مناطق العالم؟ الصادرات الصينية من المنسوجات وقطع الأثاث الى أفريقيا جنوب الصحراء تترجم (صيغة المبني للمجهول) بالتقليص من عدد مناصب الشغل بالنسبة للأفارقة. من وجهة نظر الرأسمالية، لدينا هنا جيش في توسع، مكون من مستخدمين بعدد محدود ومن العاطلين الدائمين، تلك تجسيدات للتباينات الراهنة.

وبما أن ماركس وبيكيتي يسيران في اتجاهات مختلفة، فمن المنطقي ان يقترحا حلولا متباينة.يقترح بيكيتي، المشغول بالتخفيف من التفاوتات وباعادة التوزيع على نحو أحسن، فرض ضريبة عالمية وتدريجية على الرأسمال، ولك من أجل “تفادي التباعدات بلا حد (الناتجة) عن التفاوتات المتعلقة بالذمة المالية”. اذا كانت هذه الفكرة، كما يعترف، “طوباوية”،فهو يعتبرها ضرورية ومفيدة.: “يرمي الكثيرون الضريبة على الرأسمال جانبا كما لو كانت وهما خطيرا، مثلما تم رفض الضريبة على الدخل منذ أكثر من قرن تقريبا”.

بالنسبة لماركس، لا يقترح أي حل معقول: الفصل ما قبل الأخير من “الرأسمال” يشير الى “القوى” و”الأهواء” التي تبرز لغاية تحويل الرأسمالية. سوف تدشن الطبقة العاملة عهدا جديدا فيه سيسود “التعاون والملكية المشتركة للأرض ولوسائل الانتاج”. في سنة 2014، يبدو هذا المقترح طوباويا – بل موجبة للابطال، حسب الكيفية التي نؤول بها التجربة السوفياتية.

لا داعي للاختيار بين بيكيتي وماركس. فمن أجل الحديث بطريقة الأول، قد يتعين بالحري توضيح اختلافاتهما. تكتسي نزعة بيكيتي الطوباوية، وهي احدى نقاط قونه، بعدا عمليا، في نطاق استعماله للغة عادية مرتبطة بالضرائب والضبط. انه يعول على تعاون دولي، وحتى على حكومة عالمية، من أجل فرض ضريبة هي أيضا عالمية من شأنها مجانبة “دوامة من التباينات بلا حدود”. انه يقترح حلا ملموسا: رأسمالية على الطريقة السويدية، الذي أبان عن مزاياه في القضاء على التباينات الاقتصادية القصوى. فهو لا يذكر لا قوة العمل الفائض، لا العمل المستلب ولا مجتمعا تحركه النقود والأرباح؛ بالعكس يقبلها ويريد منا القيام بالشء نفسه. بالمقابل، يقدم لنا شيء نعرفه بشكل مسبق: الرأسمالية، بكل ايجابياتها وبأقل قدر من سلبياتها.

في العمق، بيكيتي مفكر اقتصادي تقليدي أكثر مما يعتقد. تتمثل وسيلته الطبيعية في الاحصائيات المتعلقة بمستويات الدخل، بمشاريع فرض الضريبة وباللجان المكلفة بمعالجة هذه المسائل. تتلخص توصياته من أجل تعديل التباينات في سياسات ضريبية مفروضة من أعلى. يظهر بشكل واضح على انه غير مبال بالحركات الاجتماعيةالتي، استطاعت في الماضي وضع التفاوتات موضع تساؤل وسوف تستطيع من جديد لعب دور مماثل.

يبدو كذلك منشغلا أكثر بفشل الدولة في القضاء على التفاوتات. ورغم ذكره بطريقة علمية لكل من Honnoré Balzac و Jane Austen، من كتاب الرواية في القرن التاسع عشر، بقي تعريفه للرأسمالية اقتصاديا واختزاليا. لا يعير ادنى اعتبار للرأسمال الاجتماعي، للموارد الثقافية وللمهارات والملكات المتراكمة التي يستفيد منها الكثر يسرا والتي تيسر النجاح لسلالتهم. ان رأسمالا اجتماعيا محدودا يحكم بالاستبعاد شانه في ذلك شأن رصيد بنكي فارغ. بخصوص هذا الموضوع، ليس لبيكيتي ما يقوله لنا.

ماركس يعطينا في أن واحد أكثر وأقل من ذلك. صك اتهامه، ولو أنه عميق وأكثر شساعة، لا ياتي بأي حل عملي. يمكن نعته بالطوباوي المناهض للطوباوية. في ملحق الطبعة الثانية الألمانية ل”الرأسمال”، يسخر من أولئك الذين يريدون كتابة “وصفات لفائدة مطعم حقير في المستقبل”. وحتى وان انبثقت رؤية من كتاباته الاقتصلدية، فلا علاقة لها تذكر بالنزعة المساواتية. حارب ماركس دائما المساواة البدائية، التي تأمر بالفقر للجميع وب”الرداءة المعممة”. واذا اعترف بقدرة الرأسمالية على انتاج الثروة، فقد رفض سمتها المضادة، التي تخضع مجمل العمل – والمجتمع- للبحث عن الربح. المزيد من المساواة لن يعمل سوى على دمقرطة هذا الشر.

كان ماركس على علم ب”السلسلة الذهبية، لكنه كان يعتقد بأنه من الممكن تكسيرها. ماذا سوف يحدث لو توصلنا الى ذلك؟ الجواب الرائع الذي قدمه ماركس (عن هذا السؤال) يوجد في نص يعود الى شبابه حيث يهاجم هذه السلسلة التي تغطيها “وروده الخيالية”: “النقد أتلف الورود الخيالية التي تزين السلسلة، ليس لكي يحمل الانسان السلسلة بدون حلم وسلوى، لكن من أجل أن يزعزع السلسلة ويقطف الوردة الحية”.